As Safir Logo
المصدر:

ماتيس وبيكاسو .. الصديقان في نيويورك الصديقان الغريمان في معرض واحد

بيكاسو أمام لوحة لماتيس
ماتيس أمام عمل سيراميك لبيكاسو
المؤلف: مرسي احمد التاريخ: 2003-06-06 رقم العدد:9513

في كتابها »ماتيس وبيكاسو: صداقة في الفن« الصادر عام 1990 (دوبلداي)، صوّرت فرانسواز جيلو، التي عاشت في كنف بابلو بيكاسو زهاء ثماني سنوات، وأنجبت منه كلود وبالوما، علاقة الفنانين العملاقين على نحو يوحي إن لم يكن يعكس، تركيبة تجمع بين عنصرين متضاربين؛ إعجاب أحدهما بعمل الآخر والغيرة منه في نفس الوقت، أو الخوف المتأصل من احتمال تفوق أحدهما على الآخر. ولكن هذه الغيرة المهنية، في ضوء تاريخ تلك الصداقة الحميمة، إن كان في الإمكان وجود مثل هذه الصداقة بين قطبين متنافرين، تُعلن عن نفسها بشكل صريح في حالة بيكاسو بالذات. ويمكن تفسير ذلك، لأسباب مختلفة، في مقدمتها فارق السن، 12 سنة، الذي أتاح لماتيس سبقاً في النضج وفي التجديد بالمثل. ولكن جيلو تحدثت عن علاقة الرجلين خلال السنوات التي عاشتها مع بيكاسو، من 1946 إلى 1954 فقط، ولم يكونا بطبيعة الحال يفتقران إلى الإحساس بالأمن، وخاصة بالنسبة لبيكاسو الذي كان عمره آنئذ 65 عاما عندما تعرّف على جيلو، وكان في أوج شهرته كأعظم فنان غربي عرفه العالم، بينما كان ماتيس يناهز 77 عاما، وقد تحول بدوره إلى أيقونة في باريس، التي كانت لا تزال حتى ذلك الوقت منارة الفن الحديث العالمية. ولذلك، لا أحسب أن الغيرة في هذه السن، وأقصد الغيرة المهنية، حتى لو كانت لها جذورها القديمة، على الأقل في بدايات تجربة بيكاسو في باريس، يمكن أن تكون نفس الغيرة التي توغر صدر فنان شاب يتوسم في نفسه القدرة، أو حتى الرغبة، في شق طريق غير مسبوق للتعبير عن العالم، بأشيائه وإنسانه، من منظور جديد، في مواجهة فنان آخر يرى أنه قد وضع قدميه بالفعل على طريقه غير المطروق. تحكي فرانسواز جيلو، بدون خوض في التفاصيل، أن معرفتها بأعمال ماتيس والإعجاب بها بدأت في سن مبكرة. وكما تعرفت على بيكاسو بمحض الصدفة التي جمعت بينها مع بعض الصديقات وبيكاسو مع رفيقته في ذلك الوقت، دورا مارا، في كافيه دي فلور، حيث طلب إلى صديقة لها، كان على معرفة بها، ألاّ تكون أنانية فتعرّفه على صديقاتها الجميلات. وكانت تلك هي البداية التي أدّت إلى دعوتها لزيارة مرسمه. وقبل أن تصعد لرؤية الفنان في الطابق الثاني، لفتت نظرها لوحة »طبيعة صامتة« لماتيس معلقة في المرسم وسط أعماله. وقد بلغت بها الشجاعة حد أن تعبّر عن إعجابها باللوحة على مسمع من الحواريين الذين كانوا يحيطون بيكاسو. وقد سُر بيكاسو لهذه الجسارة، وزاد سروره عندما أضافت بلباقة »لا يملك فنان القدرة على أن يضع مثل هذه التحفة بين أعماله، في وسط مرسمه، إلاّ إذا كان بقامته«. وفي ما بعد، في نفس السنة، 1945، أثناء مشاهدة معرض عن أهم اتجاهات الفن الحديث بمتحف الفن الحديث، في صحبة بيكاسو، كانت أعمال ماتيس التي شغلت الحائط الرئيسي بإحدى القاعات تضم لوحة »فتاة تقرأ« تحمل تاريخ 1944، فيها شبه كبير بفرانسواز جيلو نفسها. وقد أُخذ بيكاسو. وقال ضاحكا »هل يمكن أن يتمتع صديقي القديم بهذه الرؤية القوية التي تمكنه من رسم وجه لا وجود له إلا في أحلامي حتى الآن؟ إنه يملك بالفعل الإجابة بينما لا أزال أتأمل فيما يمكن عمله بملامحك«. وقد أسعفها ذكاؤها في هذه المرة أيضا فقالت إن محفوراته الشهيرة، المتوالية المؤلفة من 103 لوحات حفر التي نشرها فولارد في الثلاثينيات، بها فتيات رسمها من الخيال تحمل هواجس بها. وقد أنتج هذه اللوحات ليس في وقت لم يكن قد قابلها بيكاسو فيه، ولكنها كانت لا تزال طفلة. وأضافت »نحن نعرف أيضا أن الطبيعة تتبع الفن وليس العكس«. ولم يستطع بيكاسو إلاّ أن يبتسم قائلاً: »يا لك من دبلوماسية بارعة«. ثم بدآ يناقشان لوحة ماتيس »طبيعة صامتة« مع نبات الماغنوليا، وكان رأي بيكاسو أنها مغرقة في الزخرفية. فضلاً عن التكوين المفتوح، مع نصف المرجل خارج الصورة، بينما تكاد الأشياء يلمس أحدها الآخر، وليست معزولة أو متداخلة بوضوح، كل هذه الأشياء بدت بغيضة لأستاذ التكعيبية. وقد لاحظ بيكاسو استغراقها في عمل ماتيس، فعلق أثناء خروجهما من المتحف »إذن أنت تعتقدين أن ترتيب الأشياء هذا بدون علاقة سببية عمل ناجح؟ إن ماتيس ساحر، واستخدامه للون خارق للطبيعة. وهذا يجعلني أشعر بالجوع فجأة. فلنذهب إلى مارتان، بميدان آلما، لنشرب بعض الشاي مع بقسماط«. وفي الجنوب، حيث كانا يقضيان نصف وقتهما سنويا. كان بيكاسو عندما لا يكون راضيا عن اللوحة التي يعمل بها، من بين عدة أعمال في طور العمل، يبحث عن كبش فداء ليصب عليه جام غضبه. فيبدأ بالأهداف السهلة، السائق السكير، أو ابنه الأكبر بول الكسول، ثم يتحول غضبه إلى أهداف حساسة، طفلهما كلود الذي يتهمه بأنه مدلل ويتلف لعبه، وفي نهاية المطاف يتحول للهجوم على فرانسواز نفسها وهنري ماتيس في آن واحد! فهو يلومها لأنها تنظر إلى ماتيس نظرتها إلى قديس لا يقع في الخطأ، وأنها تقضي وقتها في حرق البخور تحت قدميه. »دعيني أقل لك إنه ليس مثار إعجاب إلى هذا الحد«. »سوف نرى ما سيحدث في المستقبل، لكن لنتفق على أنني لست الوحيدة التي تحرق البخور تحت قدميه«. ويرد بيكاسو: »إذن تتذاكين، دعيني أقل لك شيئاً أو شيئين عن المقاعد ذات المسندين. لقد أفحمتك بذلك! أعتقد أنك رأيتها أيتها الراديكالية، لم تسمعي ببيان ماتيس الذي يبدو لى برجوازيا. فقد كتب أنه يحلم بفن توازن وتطهر وسكينة.. فن يمكن أن يكون لكل الذين يؤدون عملاً ذهنياً، سواء كان رجل أعمال أو كاتباً، بمثابة تأثير مهدئ، شيء مثل مقعد ذي مسندين جيد يمكن أن يرتاح فيه المرء من الإرهاق الجسدي«. وخلص بيكاسو إلى استنتاج أن ماتيس يرمي إلى إرضاء المشاهد. ومن ثم، فإن عمله يدخل في خانة الفن الزخرفي.. إلخ. غيرة عمياء ولكن هذا التحامل، أو إن شئت الغيرة غير العقلانية، من ثم غير المفهومة، لم تقتصر على ماتيس كفنان، ولكنها في بعض الحالات، كانت تتخذ شكلاً صبيانياً لا يمكن توقعه من رجل يخطو نحو السبعين. وعلى سبيل المثال، غضب بيكاسو مرة وهو يتفقد البريد عندما اكتشف رسالة موجهة إلى فرانسواز بخط ماتيس الذي لا تخطئه العين.. لم يحاول بيكاسو أن يخفي غيرته العمياء عندما تبين أن ماتيس يهنئ فرانسواز بعيد قديسة تحمل اسمها جريا على تقليد فرنسي. وتساءل: ولماذا لم يرسل تهنئة باسمي؟ ويبدو أن ماتيس لم تغب عنه هذه الحقيقة. ففى إحدى زيارات بيكاسو وفرانسواز لماتيس في أواخر حياته، كان الفنان منهمكا وهو راقد في فراشه بقص أفرخ الورق الملون مخلقاً أشكالاً تجريدية ليبني بها لوحاته. وإذا به يفاجئ فرانسواز ببورتريه تجريدي أثار إعجابها وغمرها بالسعادة. ولكن ماتيس تدارك الأمر قبل وقوع الطامة فأنجز في الحال بورتريهاً لبيكاسو هو الآخر! وبطبيعة الحال، اقتصرت شهادة فرانسواز جيلو على صداقة الفنانين الخاصة على سنوات حياتها مع بيكاسو من 1946 إلى 1954، فماذا عن السنوات السابقة التي تعود إلى 1906؟ تحكى فيرناند أوليفييه، عشيقة بيكاسو الأخرى في سنوات حياته الحاسمة في العقد الأول من القرن العشرين أنه تعرّف في 1906 إلى هنري ماتيس في بيت أسرة غيرترود ستاين، الشاعرة الطليعية ومقتنية بعض أهم الأعمال الفنية لفناني مدرسة باريس البارزين الرواد، هي وشقيقها ليوستاين. وتقول أوليفييه في يومياتها التي صدرت باسم »عشق بيكاسو« في 2001، بعد وفاتها، إن الجميع كانوا يتوقعون من ماتيس وبيكاسو أكثر من أي من معاصريهما، وكانا صديقين حقيقيين، برغم أنهما كانا يختلفان اختلافاً كبيراً في وجهة نظرهما: »يفصلهما بون شاسع، كما كان ماتيس يقول عندما يتحدث عن كليهما وقد فقد ماتيس رباطة جأشه المعتادة عندما ظهرت أول الأعمال التكعيبية، واستشاط غضباً. وتحدث عن تدمير بيكاسو وجعله يتوسل للرحمة، برغم أنه عندما كان تطور بيكاسو الجديد يكتسب القبول، كان على استعداد لكي يدعي أن التكعيبية كانت لها علاقة بأفكاره. »إن الفنانين العظام يحتاجون إلى أن يبني أحدهم على عمل الآخر«. إذن كان هنري ماتيس وبابلو بيكاسو، بشهادة عاشقتين لأحدهما، أي شهادة شهود عيان، ناهيك عما تشهد به أعمالهما وهذا هو بيت القصيد، صديقين وغريمين منذ لقائهما الأول في حوالى 1906 في باريس حتى وفاة ماتيس في 1954. وكانت شخصيتاهما كما تقول فريناند أوليفييه مختلفتين اختلاف الليل والنهار، إذ كان ماتيس متحفظاً، وحتى مجاملاً، بينما كان بيكاسو مشبوب العاطفة وبوهيميا بالسليقة. وقد دأب المؤرخون على عقد المقارنة بين عملهما، وتقديم ماتيس كصانع صور متناسقة ملونة تلوينا باذخا، وبيكاسو بصفته الرسام الأكثر مفاهيمية، والذي أكد على الفورم أكثر من تأكيده على اللون، وأكد على القلق أكثر من تأكيده على السكينة. لكن بيكاسو قد أعلن في أواخر حياته أنه وماتيس كانا ينتهجان نفس المسار طوال الوقت. والحقيقة هي أنهما منذ التقيا انخرطا في منافسة صريحة. وفي محاولة، ربما غير مقصودة لتفسير ذلك الحوار الفني بين الاثنين، يقول بيكاسو »لا أحد على الإطلاق تطلع إلى لوحات ماتيس بتمعن أكثر مني، ولا أحد على الإطلاق تطلع إلى لوحاتي بتمعن أكثر منه«. ويقدم المعرض المقام حاليا بمتحف الفن الحديث موما ثمرة هذه العلاقة البصرية بين أعمالهما. ولا أشك في أن اختيار الأعمال ووضع أحدها في مقابلة مع الآخر، حسب الترتيب الزمني لمراحل تطورهما وتفاعل كل منهما بعمل الآخر، إنجاز أكاديمي في حد ذاته. وبعد لقائهما الأول بقليل في 1906، تقابلا بالصدفة في أحد المعارض. وقد تذكر ماتيس أنهما اشتركا في مناقشة مقبولة، لكن بيكاسو تحدث عن اللقاء بإحباط: ماتيس يتحدث ويتحدث. ولا أستطيع أن أتكلم، لذلك اكتفيت بقول نعم نعم نعم.. لكن ذلك هراء«. وتشير القصة إلى وضعيهما في مشهد الفن في باريس في ذلك الوقت فقد كان ماتيس ناضجاً، في أواخر ثلاثينياته ومتزوجاً وله أطفال. وكان يتناقش في الفن والنظريات بثقة بالنفس، وكان يرتدى دائماً حُلة وربطة عنق لا تشوبهما شائبة. ومع ذلك، كانت اللوحات التي عرضها في 1905 أعمالاً اعتبرها النقاد مثيرة للصدمة، وقد حققت له ذيوع الصيت وخلعت عليه لقب Fauve، »الوحش البري«. وكان بيكاسو، الذي يصغره باثنتي عشرة سنة، يكافح لوضع بصمته. فلم يكن قد مضى وقت طويل على وصوله إلى باريس من وطنه إسبانيا. لكن »الكاريزما« التي كان يتمتع بها جذبت حوله شلة من الأصدقاء، واعترف النقاد بموهبته. ويبدأ الحوار البصري بلوحتين: »البذخ« (1907) لماتيس. وهي منبثقة عن الأسلوب الحوشي الذي أصبح في ذلك الوقت سيئ السمعة. فقد تخلى ماتيس عن التظليل المرهف والرصين الذي يلجأ إليه الفنان لإكساب شخوصه وأشيائه بعداً ثالثاً، أو إحساساً بالتجسيم، بينما استعاض عن ذلك باللون المفعم بالحياة. وضربات فرشاة نشطة ومعبرة، والصورة تنسيق زخرفي مسطح للشكل ودرجات اللون. لكن الشخوص بلا تعبير. وفي المقابل لوحة بيكاسو »صبي يقود حصاناً« 1906، وعلى عكس لوحة ماتيس، يعطي الموضوع شعورا بالشجن بينما يستخدم الفنان لونا متقشفا، وضربات فرشاة ناعمة، والأشكال مجسمة ونحتية. ولكن كلا العملين مختزلان ومبسطان إلى درجة تجعلهما يبدوان منهجيين. إذ كان فنانو »الأ÷انغارد في ذلك الوقت يشعرون بدافع للاستغناء عن التفاصيل وعن الاهتمام بصقل العمل النهائي جريا على تقاليد أكاديميات الفن الفرنسية، وقد فعلا ذلك بتبني تشكيلة من الأساليب »البدائية«: لقد استكشف ماتيس غرائبية الشرق وعفوية فن الأطفال، بينما انجذب بيكاسو إلى الأساليب الأيبرية العتيقة وسحر النحت القبائلي الأفريقي. حلبة منافسة وقد اعتبر المترددون على مرسم الفنان أن شخوص اللوحة فتيات أفينيون حادة الأطراف، مكوّنة من سطوح مجزأة ورؤوس مثل الأقنعة، فظة بشكل صادم، وغير متماسكة، وحتى تبعث على السخرية. وكان ماتيس من بين أولئك الذي وجدوا اللوحة مهينة في وحشيتها، وأعلن أنها عمل زائف. ولكن هل بلغ به الغضب، أو الشعور بالإساءة أمام اللوحة حد التهديد بتدميره؟ ورداً على تبني بيكاسو الأقنعة والمنحوتات القبائلية، سعى ماتيس إلى الإمعان في تأكيد انتمائه إلى تقاليد الفن الأوروبي. وتشير أجساد مستحماته في »مستحمات وسلحفاة« إلى نموذج بدائي مختلف، نموذج رسامي عصر النهضة المبكرين مثل غيوتو. ولا بد من التنويه بفضل ماتيس وبيكاسو نفسيهما في لفت الانتباه إلى تأثر أحدهما بعمل الآخر. وإن كان مثل هذا الرأي يمكن ألا يكون موضوعيا في بعض الأحيان، برغم أن ماتيس بالذات كان يتمتع بحاسة نقدية مرهفة، وقد ارتقت بعض ملاحظاته عن تجربته الخاصة مع الفن إلى مستوى التنظير. يقول جاك فلام، مؤرخ ماتيس المتخصص، إنه عندما بدأ العمل في كتابه عن كتابات وأقوال ماتيس في الفن في الستينيات، كان معظم الفنانين والنقاد في أمريكا يعتبرونه فنانا جذابا ولكنه بالأحرى سطحي. وكان الإحساس العام أنه ليس لديه شيء يذكر ليقوله عن الفن لا للفنانين أو الأكاديميين. وكان لا يبدو أن لديه برنامجا نظريا أو سياسيا معينا، أو تكنيكا محددا ليدعو له لا هدف شخصيا له. ولكن عندما نُشر الكتاب، أسعده أن يسمع من كثير من الفنانين إلى أى مدى كانت كتابات ماتيس تعني لهم. كما أفادت كتابات ماتيس الدارسين والدراسات الأكاديمية عن ماتيس بصفة عامة. لذلك، عندما يعلق ماتيس على عمل لبيكاسو يمكن أن تكون له علاقة بلوحة معينة من أعماله، ينبغي على الأقل أن يؤخذ هذا التعليق مأخذ الجد. وفي خريف 1915، زار ماتيس غاليري ليون روزنبرغ وشاهد لوحة »المهرج« لبيكاسو. وكتب روزنبرغ لبيكاسو يقول »بعد أن شاهد لوحتك مرة بعد الأخرى، اعترف بأمانة بأنها تتفوق على أي شيء فعلته«. ثم أضاف »إنه يعرب عن شعور بأن لوحته »السمكة الذهبية« قد قادتك إلى »المهرج«. ويؤكد كتالوغ المعرض أن »السمكة الذهبية والباليتات« (1914) قد أثرت على »المهرج« ولكن ليس قبل أن تتأثر هي نفسها ببيكاسو. فقد بدأ بيكاسو في 1912 باستعمال الكولاج، مضيفا مزقا من قصاصات الصحف المسطحة، والأوراق الملونة ومواد أخرى إلى تكويناته التكعيبية. وفي السنة التالية بدأ برسم لوحات تكعيبية ملونة تشبه عناصر من الكولاج. وقد كان ماتيس دائما ملونا وصانع أشكال محددة، وأخيرا رأى في هذه الكولاجات واللوحات التكعيبية أسلوبا يمكن أن يرتبط به وحتى محاولة ليتجاوزه. وتتوالى بعد ذلك المزاوجات أو الثنائيات التي اختيرت بعناية لتشهد بصحة مفهوم، أو إن شئت رسالة المعرض، وهي أن الفنانين العملاقين قد أثر أحدهما في الآخر، أو تأثر أحدهما بالآخر. وقد استمرت عملية الأخذ والعطاء هذه حتى وفاة ماتيس في 1954. ولكن بيكاسو، في ما يبدو، آثر عن طيب خاطر أن يكون هذا الحوار الخلاق موصولاً حتى بعد غياب »غريمه« إن صح هذا التشبيه، وصديق العمر. ولكن تحديد هذا التأثر، كما يلاحظ الناقد مايكل كيملمان، بين عبقريين تبادلا الإعجاب مثل ماتيس وبيكاسو، وأعلنا افتتانهما وتنافسهما أحدهما مع الآخر، خادع بشكل خطير. فهو أحيانا محصلة العقل الباطن لأكثر من قوة متشابكة. فآنجر، وسيزان، وبراك هم مثل أفيال عابرة في هذه الغرف، ظاهرون بواسطة غياب الاعتراف، فيما عدا عندما يعترف بيكاسو بطرف ثالث بشكل صريح، في أعمال مثل »جزائريات، نقلاً عن ديلاكروا«، وهي تحية للغائب ماتيس عن طريق سلف يجلّه كلاهما. وقد أعلن بيكاسو مقولته الذائعة »لقد ورّثني ماتيس جواريه«. ثم أعاد بيكاسو هذه الجوارب إلى مصدرها الأصلي؛ ديلاكروا. ومع أن المرء يسلم بسخف المفاضلة بين عبقريتين مختلفتين لا في الأسلوب فقط، بل وفي رؤية الأشياء وأسلوب الحياة والتعامل مع العالم الخارجي، إلا أن فكرة المعرض نفسها التي اختيرت المعروضات لتعزيزها، وبالأحرى التي فرضت على أصحابها اختيار أعمال بنفسها على أساس معيار واحد، وهو خدمة نفس الفكرة بغض النظر عن القيم الاستيطيقية المجردة من أي غرض عملي آخر. فضلاً عن أن نجاح المنظمين، برغم هذا الاعتبار أو أية اعتبارات أخرى، في تنسيق العرض بطريقة توحي، ولو بطريقة غير مباشرة، بالتنافس والأخذ والعطاء معا، يجد المشاهد نفسه، بدون أن يشعر، يحصي النقاط لكل من الفنانين كأنه يتابع مباراة ملاكمة ليسأل نفسه في النهاية.. من المنتصر؟ وفي الحقيقة، قبل أن أجيب بصوت مرتفع، لأني لم أكن في حاجة إلى عملية حسابية، سألت ابنتي التي كانت ترافقني فأجابت بلا تردد: ماتيس طبعا. يقول جاك فلام، مؤلف المجلد الضخم الذي أصدره متحف نيويورك للفن الحديث بمناسبة معرض ماتيس الشامل، في كتاب صدر حديثا حول فكرة المعرض »بيكاسو/ ماتيس«.. »يَثْبت في النهاية أن بيكاسو لم يكن إلى حد كبير فنان المستقبل كما كان رجل المستقبل وكان ماتيس في كثير من الأحوال رجل الماضي لكن فنان المستقبل« فقد كان بيكاسو أول فنان نجم حديث، بينما كان ماتيس في حُلله الرصينة، وهيئة الطبيب، والرجل المتحفظ الذي يحمي حياة حبه المضطربة من الجمهور، كان يبدو من سلالة الأسلاف. بيكاسو البوهيمي المجدد، ماتيس بطريرك الكوت دازور، الذي يرسم الحريم ويقص الورق الملون وهو يرتدي البيجامة، يقول مايكل كيملمان: بدون الانتقاص من بيكاسو على وجه الدقة، إن مفاجأة المعرض هي أنه يجعل فن ماتيس يبدو على الأقل راديكاليا وملائما بنفس درجة بيكاسو. بينما لم يتورع نقاد آخرون عن ترجيح كفة ماتيس. (نيويورك) (*) تُنشر بالتوافق مع مجلة »الكتب، وجهات نظر« القاهرية.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة