يزدحم أطلس كوبلاي خان بالخرائط، وقد زينها ماركو بولو بالرسوم وبالكتابات، خرائط المناطق، والممالك، والمدن. المناطق التي عبر سهولها، وتسَّلق جبالها. والممالك التي هزمها. فرسم حدودها، وألحق رجالها بجيشه، ونساءها بجواريه. والمدن التي انتشلها من العتمة، فأزاح اللعنة عنها، وطرد الأرواح الشريرة منها. فسُرَّ بها، وقد أعاد إليها بقوَّته وبحلمه، الحياة الكريمة الهانئة. جلس كوبلاي خان أمام الخرائط، التي علَّقها فوق السجَّاد الفاخر الذي يكسو جدران مجلسه، فبدا كأنه على شرفة مطلة، يرى منها كلَّ المدن التي فتحها، وقد تجمَّعت في أسفل المرتفع، تحت قدميه. شوارع، وساحات، وأروقة مسقوفة، وبضائع فلشت على الأرض، أو تدلَّت من الأسقف، أو عُلِّقت على جانبي بوَّابات الحوانيت، أو جمعت أكواما تحت الخيم المخملية الملوَّنة، وسط الساحة. تمرٌ بلون النبيذ، وتلالٌ من البطيخ، تعرَّى بعضه، فطغى جسده الزهريُّ على جلدهِ الأخضر المرقَّط. مناديل من الحرير الصافي، وعباءاتٌ مزركشة بألوان قوس القزح أتت من بعيد، من بلاد غزاها آباؤه وأشقاؤه. فتيان، وفتياتٌ، ونساء تدثرَّنَ بملابس طويلة، قاتمة. مارة، وحمَّالون، وسلال ملأى، وأخرى فارغة. بدا لكوبلاي خان، كأن مدنه المنثورة في أرضه الواسعة، تنتصب أمامه في لوحات متلاصقة، فتنبعث فيها حياة حلوة، هو صانعها. فالحرارة التي تعبر الأيدي المتصافحة في الأروقة المظلّلة، تُلامِس أصابعه. والنظرات المتواطئة، التي يتبادلها المارَّة بجانب السبيل، تلتقطها عيناه. فهو يرى النسوة، يسترقن النظر إلى المارة من خلف الستائر، الحريرية، الوردية، المضيئة. وهو يسمع صراخ الباعة. ومماحكاتُ المشترين تدخل أذنيه. وتذمُّرُ المارة وسط الزحمة، يصلُ مسمعيه. كان ماركو بولو، ظهرَ ذلك اليوم، يجلس في مقعده كالمعتاد، عندما قال كوبلاي خان فجأة، بعد أن طال تأمله بالخرائط، أشعر الآن بوجع شديد، قال، وأنا أتذكر أن فرساننا قد توغَّلوا بعيدا، منذ عقدين أو أكثر، وغزوا مناطق نائية، قيل إن اسمها كان مرة بلاد ما بين النهرين، وهي تعرف اليوم باسم العراق أو العراق العربي...، أشعر بوجع شديد كرَّر كوبلاي،عندما أتذكر أن المدن التي دمَّرها فرساننا هناك، كانت جميلة... وربما فاق جمالها جمال كل مدني...! لا أخاف الحرب، ولا أخشى الغزو، تابع كوبلاي خان... ففي الحرب كرٌّ وفرٌّ، وفي الغزو نصرٌ أو هزيمة، أما المدن الجميلة فحقُّها أن تبقى في الحالتين... ما أخافه هو التدمير...! أخاف أن يُدمِّر غاز تلك المدن، التي صارت مدني. لم يكن الفرسان الشجعان الذين انطلقوا من هنا، من أرضك يا مولاي، لغزو الموصل، وبغداد في الأرض البعيدة، لم يكونوا قد عرفوا المدن بعد، قال ماركو بولو. لم يكونوا قد عاشوا فيها، وتذوَّقوا طعمها، ليألفوها. لقد أتوا من خيمهم والمراعي، وتوجَّهوا إلى هذه المدن، على ظهور جيادهم، لا يحملون سوى سلاحهم، وعشقهم للترحال، للفتح، وللقتال. فوجدوا فيها ما لم يعهدوه من قبل، من قصور عامرة، ومن بيوت وديعة أيضا. وجدوا فيها الطرقات عريضة مستقيمة، والجسور فوق الأنهر. وجدوا فيها الكتب مثل الخضار تباع على العربات، وجدوها في المكتبات وفي البيوت. حاصروا هذه المدن الجميلة ليلاً، فرأوها متلألئة بالضوء كالنجوم، فبدت لهم كأنها تتحدَّى السماء، أو كأنها أصيبت بلعنة خبيثة، وسكنتها الأرواح الشريرة، فدمَّروها. دمَّروها، ليبعدوا اللعنة عنهم، وليطردوا الأرواح الشرِّيرة من حولهم. لم يحملوا معهم قوتاً، وقد طال الحصار، فاصطادوا كالمعتاد. ولم يجدوا، لغزارة المياه ووفرتها، شجراً يابساً أو حطباً، ليشووا طرائدهم، فاقتلعوا النخيل، وأحرقوا الكتب. غزا فرسان أشقائك وآبائك العظام بغداد يا مولاي، فدمروها. دمَّروها ليطهِّروا الأرض من كل ما عليها، وليرووا حنينهم إلى السُهب الفسيحة الخالية التي أتوا منها. ثم نصبوا خيامهم المخملية الملوّنة على ضفاف النهر، واستقروا هناك زمناً طويلاً. عشقتُ الترحال دوماً، قال كوبلاي خان، وكان قد جلس على أريكة واسعة وسط المجلس. ولا أشعر بالحرية، تابع، إلا وأنا ممتط جوادي، وهو يطير بي وسط المراعي. الهواء حارسي، والنسمة رفيقتي، واتجاه الظلال دليلي، والأفق الهارب مني بعناد، هدفي. أختار بعناية ألوان خيمي وزخارفها. أضربها في الهضاب الفسيحة المطلة، وأنتقل بها كلما شعرت بأن أرضي الجديدة قد ضاقت بي، أو أن الشمس فيها قد ابتعدت عني، أو أن هواءها قد أهملني. فتحت في ترحالي مدنا كثيرة، فألفتها. أحببت غموضَها، وسحرتني فتنتها، وشيَّدت لي قصورا في معظمها. إلا أنني لم أقصد المدن يوما لذاتها، بل قصدت السهولَ التي تحوطُها، ومياهَ الأنهر التي تخترقُها. وكل الطرق إلى السهول والأنهر والسُهب، تمرُّ بالمدن، فأخضعتها. وأقمت فيها أحيانا، وجعلت من قصوري فيها، ملتقى ومنارة. فاستخدمتُ أبناءها، واخترتُ من فتياتها جواري لي، واشتريتُ بضاعة أهلها، وعمَّرتُ لهم البيوت والمدارس، وأقمتُ لهم الساحات والحدائق، وجعلتهم بذلك حرَّاساً على سهولي، وأنهري، والمراعي. لم أدمِّر، بل عمَّرت، وأود لو يسْلك مسلكي كلُّ من سيأتي بعدي. لأن في كل المدن روحاً خيّرة أريد أن أبقيها فيها. والمدن الجميلة المتلألئة بالضوء ليلا، ليست ملاجئ للأرواح الشريرة، كما رآها فرسان آبائي وأشقائي. إلا أنني أخشى وقد استقررنا هنا، بعد أن أخضعنا ممالك عدة، أخشى أن تنبعث فينا من جديد روحٌ متمرّدة، تحنّ بشوق آسر إلى السهول، والأنهر، والمياه، والنخيل، في البلاد البعيدة التي حدثتك عنها. تغذِّي هذه الروح، الذاكرة، وحكاياتُ الفرسان، والأساطيرُ تتناقلها الناس عبر الأجيال. قل لي، هل سيُخيّل لنا مجددا والكون أصبح ملكنا، أن هذه المدن الجميلة البعيدة قد غرقت في الجحيم مرة أخرى؟ وعادت إليها اللعنة، كما حدث منذ عقدين تماما!؟ فنهرع لنخلصِّها!؟ ولنطرد الأرواح الشريرة منها!؟ نهرع لنحرِّرها...، فندمِّرها!؟ أم أننا، ونحن أسياد الدنيا، سنبحث عن الروح الخيِّرة فيها...، فننصرها، ونساعدها، كي تجد الخلاص بنفسها؟... وتتحرَّر!؟ الحلم الكابوس فاجأ ماركو بولو الحرَّاس في اليوم التالي، عندما وصل إلى ديوان كوبلاي خان باكرا. لم يكن أحدٌ ينتظره في مثل هذه الساعة. فالخدم منهمكون بتنظيف المجلس الكبير، وبعض الفرسان يُسرجون الخيول ويهيّئونها للنزهة الصباحية المعتادة. جلس ماركو بولو في مقعده. انتظر طويلاً. وبدا شارد الذهن، عندما سمع صوت كوبلاي خان يخاطبه من بعيد قائلاً: لم يفاجئني مجيئك باكرا... إن روحا نقية مثل روحك، يمكنها أن تقرأ بعيون ثاقبة، في كتاب الزمن الماضي، وتعثر فيه على ما يُنيرُ كتابَ الزمن الآتي... أعتقد أنك عثرت على ما يبدِّد خشيتي وقد بحتُ لك بها البارحة...، طمئني وقل لي، إن مدني ستحافظ على تألقها وجمالها. أقلقتني خشيتك بالأمس يا مولاي، قال ماركو بولو، وأقلقني ذلك الحزن الغامض الذي أطلَّ من عينيك، فتعذر عليّ النوم، وتقلّبت طويلاً على الأريكة، إلى أن تملّكني حلمٌ مرعبٌ...! سكنني كابوسٌ يا مولاي. في الكابوس، أن عملاقا طوله بارتفاع هذا المجلس، حملني وأدخلني عنوة، في غرفةٍ كبيرةٍ مقفلة، بدون نوافذ، بدت لي معلَّقة بحبال تتدلىَّ من السماء. كان في وسط الغرفة صندوق كبير مقفل أيضا، وفيه فتحة زجاجية واحدة، أمامها كرسي. حملني العملاق مرَّة ثانية كما تحمل أرنبا يا مولاي، وأجلسني بقسوة على الكرسي، وربطني إليه قائلاً: ستحتاج إلى هذا الرباط يشدُّك إلى الكرسي، في المشاهد التي ستراها. ثم استدار حول الصندوق، ووقف قبالتي في الجانب الآخر، وأمسك بيده اليمنى دولابا معلقا على جانب الصندوق، وقال رافعا يده اليسرى: أمامك الآن صندوق الدنيا، فيه كل أسرار الكون، في حاضره، وفي زمنه الآتي. ضع عينيك على زجاج الفتحة، حدِّق في داخل الصندُوق، وقل لي، ماذا تريد أن تعرف من أسرار الزمن الآتي...؟ فأسرار الكون كلها، مجموعة داخل هذا الصندوق. امتثلت يا مولاي لأمر العملاق، ووضعت عيني على زجاج الفتحة الوحيدة في الصندوق، وقلت له، بصوت خائف خافت، لا أدري كيف استطاع أن يسمعه: يهمُّني ما تحمله الأيام لي بالتأكيد. تهمني حياتي وثروتي، قلت. يهمني أهلي، وأقاربي، وقد تركتهم وراء بحار بعيدة. يهمني اصدقائي، المنتشرون في المدن التي زرتها، وتكلمت عنها في حكاياتي. إلا أن ما يهمني أكثر من ذلك، هو مصير مدن جميلة، تقع في أرض بعيدة ما بين نهرين. أحبَّ مولاي هذه المدن، وقد أعاد بناءها، بعد أن دمّرها آباؤه وأشقاؤه، لتطهيرها من لعنة سكنتها، ظنوّا. حدِّق بإمعان أمامك، قال العملاق. وابتدأ يدير الدولاب بيده اليمنى، ويتكلَّم بما يشبه هذيان السَّحرة. وما إن أدار الدولاب يا مولاي، حتى غاب عني المكانُ الذي أنا فيه، وعمَّ ضوءٌ ملونٌ داخل الصندوق، وصرت جزءا من مشاهد مذهلة، تولد وتموت أمامي. كل مشهد غطَّى عقدا من الزمن. اثنا عشر مشهدا، غطت اثنا عشر عقدا، من الزمن الآتي في تلك البلاد التي أحببتها يا مولاي. في المشاهد الاثني عشر تلك، تداخلت الأمور، وصعب علي فهمها. أقوامٌ كثرٌ تعاقبوا على السكن هناك يا مولاي. سلاجقة، ومسلمونُ أيوبيون، أتوا من دمشق الشام ومن جوارها، ومسلمونُ فاطميُّون ومماليك، أتوا من القاهرة حصن الفراعنة. خليط عجيبٌ، من عشائر وقبائل تعاقبت، وملوك وأمراء تتابعوا لحكم تلك البلاد، وقد أحبوا المياه والسهول والنخيل. لم أستطع أن أميز سلالة عن أخرى، أو أميرا عن الذي سبقه. إلا أن غزوة كبرى لتلك البلاد، ستحدثُ في الثلث الأول من العقد الثالث عشر الآتي، قد استوقفتني. في هذه الغزوة يا مولاي، كانت المشاهد واضحة لي، تابع ماركو بولو. فالفرسان مثل فرسانك، لباسهم، سهامهم، والنبال، خوذهم، دروعهم، رماحهم. جيادهم، هي جيادك يا مولاي. خيامهم، هي خيامك، مخملها، ألوانها، أشكالها الدائرية، والرسوم التي تزينها، والحبال التي تشدُّها إلى بطن الأرض. والأرض، رخوة هناك يا مولاي. امبراطورهم هو أحد أحفاد أحفادك يا مولاي. حَملت الأعلامُ الخفَّاقة اسمَه، »تيمورلنك«، واسمَ أحد أبنائه. جيوشُهم!؟ لم أر مثيلاً لها إلا في جيشك. عديدهم!؟ لم أر مثله إلا في عديد فرسانك. جرأتهم!؟ بأسهم!؟ لم أر مثلها إلا في جرأتك، وفي بأسك. دمارٌ وحرائقُ في كل مكان. جثث تغطي السهول، ومصابون بأعداد لا تحصى، ينظرون برعب إلى الفرسان المهاجمين المنتصرين. أمعنت النظر بالفرسان المندفعين كالسيل الجارف، فرأيت في عيونهم إصرارا على مقاتلة اللعنة، التي حلَّت بمدنهم هناك، مجددا. رأيتهم في مشهد مطاردتهم للأرواح الشريرة، يدمّرون بغداد ثلاث مرَّات خلال بضع سنوات، ويحوِّلونها إلى أرض منبسطة محروقة، ثم يتركون كل المتبقي،من القصور، والبيوت، والناس، والنخيل، للَّهب يلتهمه، وينصبون خيامهم المخملية المستديرة، على ضفاف النهر الملتوي هناك. نهاية الحلم أرهقتني يا مولاي، قال ماركو بولو، مشاهد الدمار الآتي، وقد خبأها في متاهاته الصندوق العجيبُ أمامي. مشاهد لم أر فيها إلا الحرائق، والدمار، والنهب. كنت أريد أن أتوقف عن استنطاق الزمن الآتي، وقد عرفتُ عنه ما يكفي، وربما ما يزيد. إلا أن فضولي دفعني إلى السفر بعيدا في الزمن، متجاوزا عشرات، لا بل مئات العقود الآتية. فطلبت من العملاق أن يدير دولاب الصندوق بسرعة، ففعل. وكرَّت المشاهد مفصّلة، ما ستحمله إلينا العقود القادمة. منها إعادة لما رأيته في البدايات، وقد حدثتك عن حفيد حفيدك، تيمورلنك يا مولاي، الذي سيدمِّر بغداد وسيحرقها في العام 1393م (على ما في الكتب)، ثم يحرقها للمرة الثانية في العام 1401م (على ما في الكتب أيضاً)، تاركاً وراءه تسعين ألف قتيل. قُطعت رؤوس معظمهم، وعلِّقت على أغصان يابسة، وزرعت بين أشجار النخيل على ضفاف النهر. ثم يدمِّرها ويحرقها للمرة الثالثة في العام 1403م (على ما في الكتب مرة أخرى). فلم يُحص أحدٌ القتلى، هذه المرَّة. لم أكترث بعدها بالمشاهد التي مَّرت أمامي بسرعة. عشرون عقدا، ثلاثون، أربعون،... سبعون عقدا من الزمن مّرت أمامي، كانت المشاهد فيها باهتة، ولم أكترث لها. وفي الثلث الأول من العقد الثاني والسبعين الآتي، سيدمر بغداد يا مولاي غزاة لا أعرفهم أتوا من بعيد. كانوا غرباء، لا يعرفون المناطق. فساعدهم بعض الجيران. لن يُحصيَ أحدٌ القتلى هذه المرة أيضا، وسيبلغون بضع مئات من الآلاف. بعضهم سيحرق في الصحراء، وبعضهم الآخر سيحرق في الملاجئ، وفي البيوت. ستُدمَّر كلُّ المعالم، وستُهدم كل الجسور، وسيتخاطب الناس بالإشارات، من على ضفتي النهر المتعرج، وقد بُنيت المدينة عند تعرجاته، على الضفتين. كدتُ أنهارُ على الكرسي الذي لازمته ساعات طويلة. فأمسكني العملاق، وشدَّ حزامي، وسقاني ماءً بارداً، فتماسكت. تنهَّدت طويلا، وأعدت لصق عيني بالفتحة الزجاجية أمامي، وهي صلتي الوحيدة بالكون حولي. عاد العملاق إلى مكانه خلف الصندوق قبالتي، وأدار الدولاب مجدَّداً، وعادت المشاهد تتلاحق أمامي. أردتُ تتابُعَ المشاهد بطيئا، في المدة بين العقدين البعيدين المقبلين، الثاني والسبعين، والثالث والسبعين، إذ سنكون فيهما يا مولاي، على مشارف ألفية ثالثة، (على ما في الكتب مرة أخيرة). سرَّني يا مولاي، وأنا أتابع مشاهد هذا العقد المفصلي من الزمن الآتي، أن أرى بغدادك يُعاد بناؤها، وإن بمهاراتٍ غير أكيدة، وبإمكاناتٍ محدودة، بعد أن دمّرها الغزاة الغرباء. سرّني أن أرى المدينة الدائرية، وقد أصبحت بلا حدود، تغطي مساحاتٍ شاسعة. معظمُ بيوتها من طابقين، وقد بنيت بحجارة من الطوب المشوي، أو المجفف. فتبدو كأنها أزهارٌ صفراء بلون التراب، تنبت وسط حدائق النخيل. أدهشتني كثرة الجسور، وكثرة المساجد، وكثرة الساحات. وسررتُ بالكتب تملأ الأرصفة من جديد. يتلوَّى النهر يا مولاي في قلب المدينة الأفقية، وتكثر على ضفتيه الشوارع العريضة والأبنية المرتفعة والساحات الفسيحة، فنادق، وجامعات، ووزارات، ومبانٍ إدارية. ولبعض هذه الأحياء، والمباني، والساحات، أسماء جميلة تدل عليها. فهنا الأعظمية، وهناك الكاظمية، هذا فندق الرشيد، وذاك فندق فلسطين، وهذه وزارة الخارجية، وتلك وزارة الإعلام، هذه جامعة بغداد، وتلك الجامعة المستنصرية. هنا الكرخ، وهناك الرصافة، هذه ساحة الفردوس، وهذا ميدان التحرير، هذه ساحة الشهيد وهذا نصبه، وهذا مجمع الجندي المجهول وهذا نصبه أيضا. هنا شارع الرشيد، وهناك شارع السعدون. وبرغم تعدد الأسماء، يبقى لمعظم المعالم، التي اعيد بناؤها في المدينة بعد الغزوة الأخيرة، يبقى لها أسم واحد، وكأنه اسم ملك جبار. وكأن صاحبها سلطانٌ يحكم باسم الآلهة، أو فاتح مَهيب. المطار باسمه، والجامع، والمكتبة، والمستشفى، والكلية، والساحة، والشارع، وكل ما شيِّد هو له، وكل التماثيل هي له، وكل الصور هي له أيضاً. وهي لا تغيب عن ناظريك، في أي مكان كنت، في المدينة. ورأى الغزاة الغرباء، الذين استقروا في الصحارى المجاورة، وفي كل السماء فوق كل المدن، رأوا في كل هذا، عودة اللعنة إلى المدينة، وعودة الأرواح الشرّيرة تمسك بها، وتروّع الجوار. وذعروا من الروح الشريرة الأعظم، وهي تسكن كل الأمكنة، وفي كل المدن. وأجمعوا، بعد هرج وضجيج، أن لا سبيل لإنهاء هذه الحالة الشاذة، إلا بغزو العراق واحتلاله، والعثور على الروح الشريرة الأعظم، وعلى الأرواح الشرّيرة الأخرى في كل مدن العراق وبلداته. في البصرة، وكربلاء، والنجف، وبغداد، والموصل، وخاصة في تكريت، والقبض عليها وتخليص البلاد منها. لأن في هذه الأرواح اللعنة، وفيها الشر كلّه، وفي هلاكها الخلاص، والسلام، والحياة الهانئة، للعراق، وللجوار. وأعدوا للغزوة عدتها، قالت المشاهد التي رأيتها، داخل صندوق الدنيا العجيب. اقتطعوا الجبال، وصنعوا منها مراكب لنقل جنودهم. مئات الآلاف منهم تدافعوا يا مولاي، فبدوا لي في أزيائهم كأنهم جنٌّ، يسكنهم السحر. وجنَّدوا طيوراً فولاذية عملاقة، رأيتها تحلق عالياً قرب النجوم، وتقذف من بعيد حمماً جهنمية تتدلَّى فوق البيوت، تحملها خيم كبيرة، فتتشظَّى، ثم تنشطر فوق الأسطح، فتنفجر، وتدمِّر، وتحرق، وتقتل، دون تمييز. ونقلوا عربات شيطانية مجنزرة، تدفقت بالآلاف وهي تزأر، وترفع مواسير طويلة، تقذف لهباً ودخاناً. وأعدوا قائمة لخمسة وخمسين روحاً شريرة، على رأسها الروح الشريرة الأعظم، القبض عليها هو مبرِّر الغزوة كما قالوا، وإهلاكُها هو هدفها كما قالوا أيضاً، ثلاثة وخمسون روحاً شريرة من الذكور، وروحان شرِّيرتان فقط من الأناث. ولصقوا صورها على ألواح كبيرة، وأعطوا لكل روح اسماً ورقماً، ونسخوها بآلاف النسخ، ورصفوها في صناديق، ليحملوها معهم يوم الغزوة العظيمة. وبدأت الغزوة العظيمة يا مولاي. لم أستطع، برغم حرص العملاق على اعتماد إيقاع هادئ في عرض المشاهد، لم أستطع برغم ذلك، أن أميِّز فيها شيئاً، بوضوح. كانت المشاهد متزاحمة، متداخلة، يا مولاي. »الجبال المراكب« تبحر بصخب يصم الآذان. والمركبات المجنزرة تزأر، وهي تتقدم، وتصب لهباً محرقاً. والطيور الفولاذية تتدفق قرب النجوم، بدون انقطاع. ومئات الآلاف من الجنود يزحفون كالجراد، تنظِّم اندفاعتهم طبول تقرع بدون توقف، وتحوم فوقهم الطيور الفولاذية، حلقات متداخلة متراصة. لم أستطع أن أرى وسط هذا الحراك الجهنمي، إلا الموت، والدمار، والحرائق، واللهب، والدخان، والغبار. ولم استطع أن أسمع إلا الانفجارات تدوّي، وتهز الأرض كلها، ومعها الغرفة المعلّقة، التي سجنني فيها العملاق، أمام الصندوق العجيب. قلتَ لي مرة يا مولاي إن أحد أشقائك الكبار »هولاكو«، الذي غزا بغداد منذ عقدين، ليطرد الأرواح الشريرة منها، قد وصلها من الشمال، من الموصل، واستمر يدكّها سبعة عشر يوما إلى أن دمَّرها بالكامل. ولم يعثر على الأرواح الشريرة فيها. فأمرَ بحرقها بعد تدميرها، وأمرَ بقتل كلِّ أهلها، ليحرم الأرواح الشريرة، من المأوى، ومن الحماية. وما رأيته من مشاهد الغزوة القادمة، داخل الصندوق العجيب، هو أن الغزاة دخلوا العراق من الجنوب، من مشارف البصرة، وتقدموا بعدتهم، وأسلحتهم، و»جنودهم الجن«، على ضفاف الأنهر. ودمّروا ما استطاعوا من كل المدن، إلى أن أخضعوا بغداد بعد واحد وعشرين يوما من بدء الغزوة المظفَّرة. وما إن دخلوها، حتى أخرجوا من الصناديق، قائمة الأرواح الشريرة الخمس والخمسين، وعلقوها في كل الأمكنة. على ابواب المساجد، على الأعمدة الحجرية في الساحات، على التماثيل والأنصاب، على أشجار النخيل، على بوابات القصور المحروقة. لم يتركوا جداراً، أو نافذة مغلقة، أو سوراً عالياً، أو بوابة دكان مقفل منهوب، أو جدار سبيل، لم يتركوا أي مساحة ملساء، إلا ولصقوا عليها قائمة الأرواح الشريرة الخمس والخمسين، وعلى رأسها الروح الشريرة الأعظم، والأكثر فتكاً. طبعوا منها يا مولاي، ستة وعشرين مليون نسخة، أي لكل عراقي واحدة، ورموها من طيورهم الفولاذية، المحلقة في سماء العراق. ركب جنودهم العربات المجنزرة الترابية اللون، وتجوَّلوا في شوارع المدن المنهوبة، وهم يدعون الأرواح الشريرة إلى الإستسلام الفوري، للفاتحين الجدد. استيقظت فجأة يا مولاي، على صراخ الجنود، وزئير العربات المجنزرة، فوجدتني مستلقياً على أريكة في مجلسي. لم يمهلني الكابوس الذي أسرني الليلة الفائتة، كي أصل إلى سريري. إلا أن آخر ما سمعته في حلمي، يا مولاي، هو أن القوات الغازية قد ألقت القبض على تسع عشرة روحاً شريرة. ولا تزال ست وثلاثون منها طليقة، ومنها الروح الشريرة الأعظم. وآخر ما رأيته قبل أن أستيقظ يا مولاي، هو آلاف من الجنود الغزاة الفاتحين، يعلقون في كل الأمكنة، قوائم إضافية لأرواح شريرة أخرى، أصبح من الضروري القبض عليها، أصبح من الضروري هلاكها. نعشق السهول والمياه، والأرواح الشريرة تسكننا كان المجلس قد امتلأ بالزوَّار وبالمراجعين، وقد شكلوا حلقة مقفلة، جلس كوبلاي خان في وسطها، عندما أنهى ماركو بولو رواية حلمه. استمع بعض الجالسين إلى رواية ماركو بولو كاملة، وجاء البعض الآخر متأخراً، فلم يستمع إلا إلى جزء منها. لم يعلّق أحدٌ على ما سمع. وساد المجلسَ صمتٌ ثقيل. لم تُبدِّد خشيتي بل أكَّدتها. وهذا في الحقيقة ما انتظرتُه منك، قال كوبلاي خان، وهو ينظر إلى ماركو بولو، بعطف، وبتقدير ظاهرين. استمعتُ إليك، تابع، ودُهشتُ من المسافة التي وصلت إليها، في قراءتك لمسار الزمن. وسحَرَتني دقَّة التفاصيل، في ما رأيتَ أنه قادمٌ مع السنوات. زادكَ الترحالُ معرفة بالناس، فأصبحتَ قادرا على قراءة الزمن الآتي، الذي سيصنعه لهم، ملوكهم وحكماؤهم، بالقلوب، بالأرواح، وبالعزيمة. لم أتجوَّل بين المدن كما فعلتَ، وأنت في هذا، مساعدي ودليلي، بل فتحتُها وأخضعتُها. وعلَّمتني فتوحاتي، أن أقرأ في ذاتي، وأن أدقق في صفحات روحي. فأدركتُ أننا لن نتوقّف عن عشق السهول الخضراء، والمياه الغزيرة، والنخيل الكثيف. أدركتُ أن في روحنا قوة هائلة، ستدفعُنا دائماً، لنستجيب لهذا العشق. فنغزو المدن، وندمِّرها، ونسيطرُ على سهولها، ومياهها، ونخيلها. لن نتعلم، تابع كوبلاي خان، القراءة في تفاصيلها الحلوة النادرة كما فعلت أنت، بل سنستعمل جبروتنا لإخضاعها. فندمِّر الجسور فوق أنهرها، دون الانتباه إلى الفرق بين هذا الجسر ذي الحدبتين كظهر الجمل، يقوم على أربع قوائم، وقد وصفته لي مراراً، وذاك الجسر، الطويل، المنبسط، القائم على ثلاثة أقواس، الرئيس منها في الوسط، تعبره القوارب الصغيرة، محمَّلة بالتمر المجفَّف. سنزيل الساحات، دون أن نلاحظ الفرق الساحر بين هذه الساحة المربعة، في وسطها نافورة، والساحة التي ستليها، وهي دائرية، تحوطها الأعمدة والتيجان، وفي طرفها قاعدة ضخمة، فوقها تمثال عملاق. سنمضي في البحث المستمر عن الأرواح الشريرة في كل المدن التي سنُدمِّرها ونُخضِعها، فلن نجدها. لن يستطيعَ مساعدتنا في العثور عليها، كما كنت قد اقترحت، حليفٌ، أو صديقٌ، أو حكيمٌ مختصٌ، لأن البحث عنها يجري في غير موضعه. علينا أن نبحث عن الأرواح الشريرة في ذاتنا، في أرواحنا، وفي أفئدتنا. لقد سكنتنا عقوداً، وستستمر تسكننا عقوداً عديدة أخرى، كما ظهر في قراءتك الثاقبة للزمن الآتي. سينتعش فينا دائماً حُّبنا الجامح للسهول، للمياه، وللنخيل. وسيعطينا هذا الحب قوة خارقة، تعصب أعيننا، وتحجب عنّا الروح الخيِّرة، التي تسكن المدن. ستدمِّرون المدن يا مولاي، إلا أن الروح الخيِّرة ستبقى فيها لتنيرها، ولتحييها، لتحلّق فوقها من جديد. سينطفئ لهب الحرائق البرتقالي، وسيأكل الرماد الحجر، ولن تستطيعوا أبداً أن تغيِّروا مجرى الأنهر العظيمة. وستنبت مجدداً أشجار النخيل على ضفافها، وستثمر بلحاً بلون النبيذ، متحدِّية كل الحرائق. سَيطُرُد هذا الانبعاثُ المذهل، الأرواح الشريرة منكم...، سيحرِّركم يامولاي، ويُعتِقكُم من اللعنة التي تسكنكم.