أقام ديوان رئاسة الحكومة الاسرائيلية الدنيا وأقعدها عندما أعلن نائب وزير الدفاع الاسرائيلي، إفرايم سنيه ان اسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان في حال عدم التوصل الى اتفاق حتى تموز عام 2000. وبرغم ان بيانات رئيس الحكومة الاسرائيلية وتصريحات أفراد طاقمه ظلت تؤكد على ان الانسحاب سيتم في الموعد المحدد من جهة، وضمن اتفاق مع سوريا او لبنان من جهة اخرى، فان موضوع الانسحاب من طرف واحد ظل مستبعدا. ورأى المراقبون الاسرائيليون اهمية كبيرة في اجتماع رئيس الطاقم السياسي/ الأمني في رئاسة الحكومة الاسرائيلية، داني ياتوم مع وفد من منظمة »الأمهات الأربع« التي تطالب بالانسحاب الفوري من جنوب لبنان. لكن هؤلاء المراقبين إنتبهوا على وجه الخصوص لتأكيد ياتوم لعضوات الوفد، ان اسرائيل ستنسحب حتى ذلك الحين، ولو بدون اتفاق. وتبدو أهمية هذا القول في ظل استمرار الموقف العسكري الاسرائيلي من قضية الانسحاب على حاله. فالقيادة العسكرية الاسرائيلية لا زالت ترى في الانسحاب من طرف واحد مقامرة قد تكون بالغة التكلفة. ولذلك فانها تتمسك برفضها. ومع ذلك، فانها تقول ان القرار، في نهاية المطاف، هو قرار سياسي، وان من حق المستوى السياسي الاسرائيي، اتخاذ القرار، وليس على الجيش سوى التنفيذ. وقد نقلت صحيفة »معاريف« مؤخرا عن مصدر وصفته بأنه »مصدر سياسي رفيع المستوى جدا« وهو تعبير يطلق في الغالب على رئيس الحكومة الاسرائيلية، قوله ان إيهود باراك لا يستبعد امكانية الانسحاب من طرف واحد من جنوب لبنان، حتى قبل الموعد المحدد في تموز عام 2000، وأشارت الى ان المقصود بذلك هو تنفيذ الانسحاب في كانون الثاني شباط عام 2000. وتحدث هذا المصدر »رفيع المستوى جدا« عن انه في ضوء جمود المساعي لاستئناف المفاوضات مع سوريا، فان خيار الانسحاب من طرف واحد يغدو خيارا واقعيا بشكل متزايد. وان أعمال البحث والدراسة في طواقم خاصة في الجيش الاسرائيلي حول هذا الموضوع قد بدأت. وحسب هذا المصدر، فان باراك سيتوصل في الاسابيع القريبة الى استنتاج، انه لا فائدة من مساعي استئناف المفاوضات مع سوريا، لذلك من غير المستبعد ان يتخذ القرار بالانسحاب من لبنان في وقت أبكر بكثير من الموعد المقرر أصلا. وأشارت الصحيفة الى موقف ديوان رئاسة الحكومة الاسرائيلية الذي يفيد بأن »لا تغيير قد حدث على موقف باراك القاضي بسحب الجيش الاسرائيلي من لبنان خلال عام من تاريخ تشكيل حكومته«. ولكنها اوضحت ان المصادر المقربة من باراك تقول انه ينوي اخراج الجيش الاسرائيلي من لبنان باتفاق، وانه لأسباب مفهومة، لا يظهر ما الذي سيفعله ان لم يتم التوصل الى اتفاق. ومن الواضح ان الربط بين الإيحاء باستعداد باراك للانسحاب من طرف واحد وفي وقت أبكر من الموعد الأصلي المحدد، وبين إعلان باراك عن مستوطنات الجولان منطقة تطوير من الدرجة الاولى، وتهديده الضمني أمام الكنيست بأن »نافذة الفرص« قد تغلق أمام سوريا، يشير الى جهد اسرائيلي مركز للضغط على سوريا في أكثر من اتجاه، ومحاولة جلبها الى طاولة المفاوضات بالشروط الاسرائيلية. وفي كل حال، فان الخطط التي أعدها الجيش الاسرائيلي لسحب القوات الاسرائيلية من جنوب لبنان تقتضي في حال تنفيذها وقتا طويلا. صحيح ان هذه الخطط تتحدث عن ان سحب الجيش الاسرائيلي من مواقعه في الحزام الأمني يمكن إتمامه في غضون فترة زمنية قصيرة، الا ان الترتيبات لانتشار القوات الاسرائيلية على الحدود تستغرق وقتا طويلا، وربما طويلا جدا. فقد أعلن قائد الجبهة الداخلية الاسرائيلية عن ان الجيش الاسرائيلي لن يتمكن من تحصين جميع المستوطنات الشمالية قبل انسحاب الجيش الاسرائيلي من لبنان. وأشار الجنرال غابي اوفير الى وجود »ثغرات« في تحصينات المستوطنات »يجدر سدادها وخصوصا في كل ما يتعلق بالملاجئ والغرف الآمنة«. وتشير التقديرات الاستخبارية الاسرائيلية الى ان عمليات المقاومة في جنوب لبنان لن تتوقف بعد انسحاب اسرائيلي. إذ ان كل انسحاب اسرائيلي دون اتفاق مع سوريا ولبنان، سيبقى الجيش الاسرائيلي في مناطق »رمادية« في جنوب لبنان. وقد أشارت الخطط التي وضعتها طواقم الجيش الاسرائيلي الى بعض النوايا الاسرائيلية. فقد ألمحت الى »اشكالية« تتمثل في عدم ترسيم الحدود بين فلسطين ولبنان، وان أقل من نصف الحدود يعتبر حدودا دولية. وليس صدفة ان الخطط الجديدة للجيش الاسرائيلي تشير الى احتمال »تبادل أراض« مع لبنان. ومن المؤكد ان المقصود بذلك ليس إخلاء مناطق لبنانية الآن من أجل التفاوض عليها مع الحكومة اللبنانية لاحقا، وانما التمسك بهذه الأراضي الآن بغية التفاوض بشأنها مستقبلا. كذلك فان اسرائيل ليس من السخاء بحيث تترك أفراد ميليشيا لحد يدخلون أراضيها دون مقابل. ومن غير المستبعد ان تقوم، في حال الانسحاب من طرشف واحد، بإعادة نشرهم كقوة حراسة وحماية وخصوصا في المناطق اللبنانية التي ستبقيها اسرائيل للتفاوض عليها مستقبلا. وتزداد اهمية ذلك في ضوء ما تبديه القيادة الاسرائيلية من خشية متزايدة من وقوف سكان الشريط الحدودي المحتل الى جانب المقاومة اللبنانية. وبرغم تزايد التقديرات الاسرائيلية بشأن الانسحاب من طرف واحد من جنوب لبنان، فان تركيز الجيش الاسرائيلي والمستوى السياسي يجري حاليا على الانسحاب باتفاق. وحسب مصدر عسكري اسرائيلي لصحيفة »يديعوت أحرنوت«، فان ما يجري بحثه الآن هو سيناريو الانسحاب في ظل اتفاق. ف»مشروع الانسحاب من طرف واحد، سيبدو كموسوعة بالمقارنة مع مشروع الانسحاب باتفاق، بسبب كثرة السيناريوهات«. حلمي موسى