As Safir Logo
المصدر:

بيضا فون وكايرو فون وصوت لبنان ومؤسسة عبد الله شاهين وتاريخ الأسطوانة سجّل عبد الوهاب 78 مرة ولصفاء صوت وديع فرنسيس سُمّي الصافي

فيروز والرحابنة والمجد الماضي الحاضر
تقنيات ايام زمان
عبد الله شاهين
المؤلف: ابو شقرا كلود التاريخ: 1999-10-08 رقم العدد:8420

للموسيقى في الحياة الأهمية الكبرى، فهي ترافق المرء في أحواله المختلفة، والمعبرة الأقرب الى النفس والروح عما يختلج بهما من أحاسيس ومشاعر سواء كانت فرحة أو حزينة أو حتى متناقضة. ولأن للموسيقى هذا الدور الرائد، عمل الإنسان على تطوير الآلات التي من شأنها تقريب هذه »النعمة الإلهية« إليه. كان الرواد الأوائل لشركات الأسطوانات آل بيضا من لبنان، وبعد آل بيضا انبثقت شركات أسطوانات كثيرة، توقفت في معظمها ما عدا مؤسسة عبد الله شاهين وأولاده بسبب عمليات القرصنة والتزوير في الموسيقى. فلولا شركات الأسطوانات هذه، لما عرف العالم بظاهرات أم كلثوم وعبد الوهاب وفريد الأطرش... التسجيل قبل الأسطوانة، يقول السيد الياس المر (أحد أصحاب شركة متري المر وأولاده لتوزيع الأسطوانات) كان هناك نوع من »السيلاندر« وعليه ساعة، عندما يدور يعمل خطا لولبيا تحفر فيه الساعة فيطلع الصوت. هذا هو اختراع إديسون الأصلي وهو جد الفونوغراف. بعد ذلك تم اختراع الأسطوانة المبلطحة من شمع العسل. كان الفونوغراف المسجل عبارة عن بوق كبير يتوسطه المطرب وحوله التخت والكورس. يضع يديه على أذنيه ويغني. وهكذا وُجد أول مصنع لهذه الأسطوانات في مصر لأصحابه ميشيان اخوان، الذين سجلوا للشيخ سيد درويش والشيخ محمود صبح«. لم تتوقف الاسطوانة عند هذا الحد، سرعان ما انتشرت وأصبح لها شركات ووكلاء في مصر ولبنان وفي أنحاء العالم، من أبرز هذه الشركات، يقول الياس المر، شركة بيضا فون لأصحابها جبران وبطرس بيضا. جبران أنشأ فروعا للشركة في لبنان، وسوريا، والعراق والمغرب، وبطرس أنشأ فروعا في مصر والسودان وأفريقيا. بداية بيضا فون كانت مع الشيخ أبو العلا محمد، ومنيرة المهدية، ومحمد عبد الوهاب، وزكي مراد (والد ليلى مراد)... من أبرز أغاني عبد الوهاب، يضيف الياس المر التي سجلها في بيضا فون: تراضيني وتغضبني، يا حبيبي إنت كل المراد، ملأ الكاسات وسقاني، قلبي غدر بي، دار البشاير مجلسنا (من نظم أحمد شوقي لمناسبة زفاف ابنه)، إن كنت تفتكرني واللا تنسي، باتت تناجيني عيونو، ليالي وموال سيد القمر في سماه، ما للفؤاد ده وما للحلو، ليالي وموال النبي، حبيبك ما تحرمش الفؤاد منك، خدعوها بقولهم حسناء، شبكت قلبي يا عيني، الليل بدموعو جاني... الى جانب بيضا فون، نشأت في مصر شركة »أوديون« وهي فرع من شركة أوديون الأوروبية، ومن أبرز المطربين في تلك الفترة (العشرينيات) الذين سجلت لهم، أم كلثوم وعبد الغني السيد، وفتحية أحمد والشيخ زكريا أحمد وغيرهم... كلذلك نشأت شركة بوليفون لصاحبها (ج. كالدرون) وتحولت في ما بعد الى شركة بوليدور وهي ما زالت مستمرة الى اليوم. ومن أبرز المطربين الذين سجلت لهم الشيخ أمين حسنين. من شركة بيضا فون، يتابع الياس المر، انبثقت شركة كايرو فون، تشارك فيها بطرس بيضا ومحمد عبد الوهاب وسجلت أغاني لعبد الوهاب، وأم كلثوم، وفريد الأطرش، وليلى مراد، ورجاء عبدو. من كايرو فون انبثقت شركة صوت الفن مع شركاء آخرين. ومن أبرز المطربين الذين سجلت لهم: أم كلثوم، عبد الوهاب، عبد الحليم حافظ، شادية، فريد الأطرش. من أبرز الشركات في تلك الفترة أيضا شركة (Heصs master voice) »صوت سيدي« وكان شعارها كلب يستمع الى الفونوغراف أي إلى صوت سيده. بدأ فيها أبو العلا محمد وأم كلثوم، كانت ما زالت طفلة، ومن تسجيلاتها تلك الأيام: »وحقِّك أنتَ المنى والطلب«، و»أفديه إن حفظ الهوى أو ضيعه« من تلحين الشيخ أبو العلا محمد. كذلك سجل فيها محمد عبد الوهاب وكان ما زال فتياً: »ويلاه ما حيلتي«، »أتيت فألفيتها ساهرة«. ولما نضج صوته سجل فيها: والله يا زمان جفاني، نوبة على كوبري قصر النيل، يا مين يحكم بيني وبينك«. نظرا الى ان صناعة الأسطوانة في العالم العربي في أوائل هذا القرن لا تزال جديدة وبدائية، كان أصحاب شركات الأسطوانات يستعينون بآلات تسجيل وبمهندسي صوت من أوروبا، »كان وكلاء شركات الأسطوانات، يقول الياس المر، يجتمعون مع بعضهم ويتفقون على مجموعة من التسجيلات، ويرسلون طلب آلة التسجيل من ألمانيا أو من فرنسا ومهندس الصوت، ويبدأون بالتسجيل. ولم يكن المطرب يقدر على سماع التسجيل، وإنما يسجل الأغنية الواحدة مرات عديدة. وبعد الانتهاء تشحن التسجيلات بالبحر الى المصنع في ألمانيا أو في فرنسا، وهناك تصب في قالب من حديد وترسل مجددا مثل الكليشيه الى المطلب، وتكون مسطرة، فيستمع المطرب الى تسجيلات الأغنية، وعندما يوافق على أحدها يوقع على السطر أو على الخط في الأسطوانة، ذلك ان كل خط كان يعني أغنية، وترسل مجددا للطبع. تجدر الاشارة، يضيف الى ان شركة ميشيان في مصر كانت تسجل، إلا أن التسجيل كان لا يزال عندها بدائيا، لذلك سجلت شركات الأسطوانات في الخارج نظرا الى نوعية الصوت النقية التي تقدمها تقنية الغرب المتطورة في تلك الفترة. الأسطوانة في تلك الفترة وسيلة التسلية والترفيه الوحيدة، لذلك تهافت الناس عليها، وبما ان الفونوغراف كان لا يزال نادرا بعض الشيء، كان الناس، عندما يعرفون ان الشيخ سيد درويش مثلا سجل أغنية جديدة »ضيعت مستقبل حياتي«، أو »أنا هويت وأنا عشقت«، وهما من أبرز أدواره، يركضون عند صاحب الفونوغراف للاستماع الى الأغنية الجديدة. بعد العام 1940، أصبح هنالك أشخاص (دوّارون) من قبل شركات الأسطوانات يحملون الفونوغراف ويدورون به في الشوارع والأحياء ومعهم الأسطوانات الجديدة، وكل من يرغب في الاستماع إليها يدفع لهم قرشا أو نصف قرش وفق جدة الأسطوانة. وهكذا كانت تجارة الأسطوانة رابحة. في ما بعد صارت الأسطوانة تبث من الاذاعة، وعندما برزت السينما، صارت الأسطوانات تذاع فيها في أوقات الاستراحة. ومنحت صاحب السينما الأسطوانات مجاناً من الشركة الى الصالات على أن يسمي في المقابل مصدر هذه الأسطوانة كنوع من الدعاية لها. في حلب، وُجدت شركة أسطوانات اسمها سودوا تسجل أسطوانات لفنانين سوريين. أما في لبنان فسجلت شركة بيضا فون لمطربين لبنانيين من أبرزهم في بداية هذا القرن: إيليا بيضا، فرج الله بيضا، الياس ربيز، عمر الزعني، سامي الصيداوي... أول فيلم لعبد الوهاب، أول أغنية لفريد وأسمهان قصة آل بيضا مع الأسطوانة حميمة وقوية لدرجة أنه لا يمكن ان يقال أسطوانة من دون ان تلفظ عائلة بيضا بالقرب منها. فهؤلاء هم الرواد في هذا المجال، وإليهم يعود الفضل في تطوير عالم الأسطوانة ليس في مصر ولبنان فحسب بل في أنحاء العالم العربي، كما يعود إليهم الفضل في جمع نتاج العمالقة الكبار في بداية هذا القرن وحتى السبعينيات من أم كلثوم، الى محمد عبد الوهاب الى فريد الأطرش، الى الشيخ سيد درويش، الى عبد الحليم حافظ... »تأسست شركة بيضا فون، يقول برنار بيضا ابن بطرس بيضا، سنة 1908 تحديدا. أما كيف نشأت هذه الشركة فلذلك قصة تعود الى أواخر القرن التاسع عشر وبداية هذا القرن. في المصيطبة، وتحديدا قرب بيت جنبلاط، هنالك شارع بيضا. في هذا الشارع بيت عائلة بيضا، حنا بيضا وأولاده بطرس، وجبران، وميشال. في أوائل هذا القرن، برز من العائلة فرج الله بيضا، واشتهر بصوته الجميل وبالمواويل. وفي الوقت نفسه كان بطرس وجبران يعملان في مجال البناء وميشال يدرس الطب في ألمانيا. ولما ذاعت شهرة فرج الله بيضا، وكانت الأسطوانة ما تزال في بداياتها الأولى، فكّر والدي وعمي جبران بأن يسجلا مواويل قريبهما. وهكذا سافرا برفقة فرج الله بيضا الى ألمانيا وسجلا بضع أسطوانات بصوته، والأسطوانة في تلك الفترة عبارة عن كأس تدور وفي قلبها ساعة. وهذه بدعة جديدة ذلك الحين، تهافت الناس عليها. وبقيت أغاني فرج الله بيضا في أوجها حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى، فتوقف طبع الأسطوانات بعدما أغلقت حدود الدول وخصوصا فرنسا وإنكلترا ألمانيا، حيث يوجد معظم مصانع الأسطوانات. وهكذا شُلت حركة الأسطوانات حتى العام 1920. في تلك السنة عاود والدي النشاط في مصر بعدما برز الشيخ سيد درويش وسلامة حجازي. وفي تلك الأثناء أصبح لشركة بيضا فون مكاتب في القاهرة وبيروت ودمشق وبغداد الموصل، فسجل والدي بطرس أغاني الشيخ سيد درويش وسلامة حجازي. وحققت أغنية »أنا هويت وانتهيت« للشيخ سيد درويش شعبية واسعة، وقد طبعت هذه الأغنية على أسطوانة سوداء كانت الوحيدة الرائجة في تلك الفترة. بعد ذلك، برزت منيرة المهدية، وكانت تفوق شهرتها شهرة أم كلثوم في تلك الفترة، فسجلت أغانيها في شركة بيضا فون. وعلى الرغم من ان كلمات الأغاني كانت في بعضها مبتذلة في تلك الفترة مثلا: »إرخ الستارة اللي في رحنا/ لحسن جيراننا ما تجرحنا/«، إلا أنها لقيت رواجا كبيرا. ويضيف برنار بيضا في شريط ذكرياته: »سنة 1925 1926 برزت أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب. سجلت أم كلثوم في بادئ الأمر أغانيها في شركة أوديون الإنكليزية. إلا أن أغانيها في تلك الفترة لم تلق الرواج الواسع. وكان عبد الوهاب بدأ يلمع في سماء الفن فاحتضنه على الفور بطرس بيضا وسجل له (1925 1926) أسطوانة تضمنت: »فيك عشرة كوتشينا«، و»النبي حبيبك ما تحرمش الفؤاد منو« ومواويل صغيرة. كانت تلك البداية وبعدها حقق عبد الوهاب انطلاقته الكبيرة مع تسجيل أغنية »يا جارة الوادي« (1927)، وأداء مسرحية كليوباترا مع منيرة المهدية بين 1927 و1929، حقق أغانيه الخالدة: »كتير يا قلبي«، »بالله تجينا«، »على غصون البان«... وفي العام 1932 مع بروز السينما، أنتج له آل بيضا أول فيلم غنائي ناطق »الوردة البيضاء«. سجلوا أغاني الأفلام بين 1930 و1940 على أسطوانات سوداء سريعة العطب معمولة من الزفت (78 لفة). وعبر هذه السنوات أي بين 1930 و1945 أنتج محمد عبد الوهاب أفلاما بالمشاركة مع آل بيضا: الوردة البيضاء، دموع الحب، يحيا الحب، يوم سعيد، ممنوع الحب، رصاصة في القلب، أنا لست ملاكا (كان آخر فيلم لعبد الوهاب سنة 1947، وأول فيلم يتضمن مشهدين بالألوان). في الثلاثينيات أيضا وتحديدا 1935، ظهر فريد الأطرش وأسمهان وأول من اكتشفهما عمي الدكتور ميشال بيضا، الذي ترك الطب في ألمانيا وعاد الى بيروت ليعمل مع والدي ومع عمي في الفن، الذي استهواه كثيرا. كان مرهفا وذواقة في السمع، وقد لفته كثيرا صوتا فريد وأمال الأطرش عندما سمعهما للمرة الأولى فقرر تبنيهما، وسجلا للمرة الأولى عند بيضا فون سنة 1937. كان مركز شركة بيضا فون الرئيسي في بيروت قرب مخفر البرج، وكان لها فروع في معظم الدول العربية. في فترة الثلاثينيات، لم تكن هنالك مصانع تسجيل في الدول العربية، فكنا نحضر حوالى ثلاثمئة أو أربعمئة لحن للمطربين ونستقدم آلات التسجيل والمهندسين من برلين أو باريس، فيقيمون عندنا شهرا أو شهرين لتسجيل كل هذه الألحان. وبعد ذلك نعمد الى استثمارها على مدى سنتين أو ثلاث. ذلك اننا، نظرا للتكاليف الباهظة من جراء عملية استضافة المهندسين ونقل المعدات من أوروبا الى لبنان أو مصر، كنا نقوم بهذه العملية مرة كل سنتين أو ثلاث، ونعمد الى إنزال الأغاني الى الأسواق الواحدة تلو الأخرى وعلى مدى سنوات. بعد سنة 1940 وتحديدا سنة 1945 تأسس في القاهرة ستوديو مصر، الذي سجل في الغالب الأفلام السينمائية. ونظرا الى الافتقار الى المونتاج في تلك الفترة، كان المطرب يسجل الأغنية ذاتها عشرات المرات ليختار منها في ما بعد الأغنية التي يعتبرها الأكمل له. أذكر في هذا المجال أن محمد عبد الوهاب مثلا سجل أغنية »عندما يأتي المساء« 78 مرة ليختار واحدة. بعد ذلك، لم تعد تسجل الأغاني على أسطوانة من شمع بل على شريط مسجل، فأصبحت عملية المونتاج أسهل، وصارت العملية ميكانيكية أكثر. بين 1939 و1945 توقفت التسجيلات بسبب الحرب العالمية الثانية. وبعد 1945 عاودنا النشاط تحت اسم علامتي بيضا فون وكايرو فون. ذلك ان آل بيضا الكبار توفوا وانفصل الورثة بعضهم عن بعض، وبقيت علامة بيضا فون وهي الأقدم في عالم شركات الاسطوانات وتعود الى أكثر من 80 عاما. بعد الحرب العالمية الثانية سجلنا في مصر في شركة كايرو فون لأم كلثوم وعبد الوهاب وفريد الأطرش. وفي سنة 1952، ظهر عبد الحليم حافظ، فسجلنا له أغنياته أيضا. واستمرت كايرو فون تسجل لهؤلاء حتى وفاتهم. ولا شك بأن أبرز ما سجلت كايرو فون لعبد الوهاب مثلا لا حصرا »الغوندول«، ولأم كلثوم »غلبت اصالح في روحي«، ولفريد الأطرش موال »يا خوفي بعدو لو يطوّل«. كذلك سجلنا أغاني لصباح ونور الهدى وفايزة أحمد وكارم محمود وليلى مراد الخ... في أواخر الستينيات، وبعد وفاة العمالقة الكبار، توقف نشاط بيضا فون في إنتاج الأغاني الجديدة واكتفت بإعادة تسجيل ما لديها من ربرتوار (Repertoire) عريق، ونحن نعمل اليوم على تسجيل هذه الأغاني الخالدة على C.D.. وكان كل مطرب يسجل أسطوانة عندنا يبدأ بالقول بصوته قبل البدء بالغناء: »أسطوانات بيضا فون، الأستاذ محمد عبد الوهاب أو فريد الأطرش أو أم كلثوم...«. القرصنة السيد روبير خياط صاحب شركة »صوت لبنان« للأسطوانات التي تخص مؤسسة تيودور خياط (روبير خياط وشركاه)، له مع الأسطوانة حكاية بدأت سعيدة وانتهت مريرة بسبب قرصنة الأغاني والفوضى في عالم الفن وسرقة النتاج الفني. يقول: »تأسست الشركة العام 1960 تحت علامة تجارية »صوت لبنان«، وبدأت نشاطها بتسجيلات سميرة توفيق ووديع الصافي وفريد الأطرش، وما لبثنا ان وسعنا نشاطنا فصرنا نسجل لصباح، ووردة الجزائرية، وفايزة أحمد، ونجاة الصغيرة، وطلال مداح. وتوقفنا عن النشاط في الثمانينيات بسبب السرقة والتزوير. كنا ندفع المبالغ الطائلة لإنتاج الأسطوانة. وقبل إنزالها الى الأسواق، نكتشف في كل مرة انها نزلت على كاسيت وتباع على الطرقات بأرخص الأسعار. هذا الأمر أدى بنا الى إقفال الشركة، والاكتفاء بتسجيل ما لدينا من تراث غنائي على C.D.. ويضيف روبير خياط: »كنا نوقع مع المطرب عقد احتكار لمدة معينة من السنوات، وكثيرا ما نتصل بأحد الشعراء وبأحد الملحنين ونطلب منهما أغنية لصباح أو لغيرها، نؤمن الاتصال بين أركان الأغنية ونرعى ولادتها، بعدها ننتقل الى الاستديو للتسجيل (نبيل ممتاز، أو بعلبك، أو الاتحاد) وأبقى بنفسي مع المطرب ومع الفرقة الموسيقية وأشرف على التسجيل. بعد ذلك نرسل الأسطوانة الى الخارج الى أوروبا وأخيرا الى أثينا للطبع. وفور إرسال الأسطوانة الى الطبع، كنا نبادر الى وضع الاعلانات في الصحف وفي المجلات الفنية، ونمهد لها طريق الانتشار. وعندما تعود إلينا الأسطوانة مكتملة، تلقى الرواج والتجاوب عند الناس الى ان انتشرت القرصنة. وعن كيفية دخول والده تيودور خياط عالم الفن يقول: »كان والدي تربطه بآل بيضا علاقة قرابة. ويسافر مع خاله أحد شركاء آل بيضا الى مصر ويحضر التسجيلات. ولما شبّ دخل هذا المعترك بقوة، وكان أول من فتح سوق الأغاني المصرية في شمال أفريقيا، وخصوصا أفلام عبد الوهاب، وكانت تربطنا به علاقة صداقة وود، كذلك فريد الأطرش«. ابتكار الأغنية القصيرة تكمن أهمية مؤسسة »عبد الله شاهين وأولاده« للأسطوانات في كونها أول من سجل وأنتج الأسطوانات في لبنان. عن تاريخ هذه الشركة العريق يقول جوزف شاهين: »كان والدي، المرحوم عبد الله شاهين هاوي موسيقى، وهو أول من اخترع البيانو ربع الصوت. لم يكن يكتب أو يقرأ الموسيقى، إنما يعزف بواسطة السمع. بدأ منذ أكثر من ثمانين عاما في مجال تجارة الآلات الموسيقية في حلب ثم في دمشق. في أوائل الخمسينيات، وبعد جولة لي في أوروبا وسوق الأسطوانات فيها، عدت الى لبنان وفي نيتي إنتاج الأسطوانات في الشرق. وبين 1950 و1951، أنتجنا سبع أسطوانات لصباح واثنتين لنجاح سلام، وأسطوانة لسهام رفقي، وأسطوانتين لوديع الصافي. وكان هذا الأخير لا يزال في بداياته، ولا يزال يدعى وديع فرنسيس. استمعنا إليه في منزلي، فأطربنا بعوده وبصوته الى ان قال أحد المدعوين: »شو هالصوت الصافي!« فاستبدلنا فرنسيس بالصافي. أما أول تسجيل لصباح فكان هويده، هويدلك وحققت نجاحا هائلا ثم »عاللومة اللومة« لوديع الصافي وهذه نقطة انطلاقه. ويضيف جوزف شاهين: »تكاليف الأسطوانة لم تكن باهظة، ونحن نكتفي آنذاك بإنتاج عشرة آلاف أو خمسة عشر ألف نسخة، وبين العام 1949 و1950 أسسنا محلاتنا في شارع جورج بيكو، وكنا نبيع أسطوانات 79 دورة لعبد الوهاب أو أم كلثوم بما لا يقل عن 15 ليرة وهو سعر مرتفع جدا. وفي إحدى رحلاتي الى أوروبا، أدركت ان في وسعي تقديمها للمشتري بأربع ليرات أو ثلاث إذا أنتجت أنا أسطواناتي. وهكذا بدأت في أوائل الخمسينيات عملية إنتاج الأسطوانات التي أطبعها في فرنسا أو إنكلترا وأخيرا في أثينا. بعد ذلك أنتجت أسطوانة لنور الهدى »من بعيد لبعيد حبيتك« وأسطوانة نجاح سلام »الله يا لبنان بعزك«. وفي تلك الفترة أيضا أي في الخمسينيات تعرفت على الرحابنة وكانوا يسجلون ويعملون في إذاعة الشرق الأدنى في بيروت وعلى مدير الاذاعة صبري الشريف. فكنت أستأجر الاستوديو للتسجيل، وأول شريط أعمل على تسجيله أقدمه للإذاعة لإذاعته. وتمتد فترة إذاعة الشريط ثلاثة أشهر قبل أن أنشر الأسطوانة فتكون الفائدة متبادلة بيننا. منذ أن تعرفت على الرحابنة، يتابع جوزف شاهين، اقتنعت بكيفية عملهم، إذ كانوا أول من ابتكر الأغنية القصيرة، وصارت الأسطوانة تحتمل 15 أغنية. هكذا اتفقت معهم على تسجيل إنتاجهم. فعرفت الأسطوانات انتشارا باهرا في سوريا ومصر وليبيا والعراق... وبما أني منتج أسطواناتهم، فقد رافقتهم في معظم رحلاتهم وجولاتهم العالمية وشاركت في معظم المهرجانات في لبنان من بعلبك، إلى الأرز، الى البيكاديللي. وسجلت لهم 13 أوبريت منذ بداية الستينيات ولغاية 1975، إضافة الى أكثر من خمسة آلاف أغنية لفيروز. وهنا أشير الى ان أكثر من 95 بالمئة من إنتاج الرحابنة منتج في مؤسسة عبد الله شاهين وأولاده«. اليوم، وكما معظم شركات الأسطوانات العريقة، يعاني جوزف شاهين من القرصنة في الفن، ومن تكاليف إنتاج الأسطوانة الباهظة. لذلك خف إنتاجه إلا أنه ما زال يشجع المواهب الجديدة والشابة وينتج الأسطوانات لها والC.D. ولا سيما مثلا: شربل روحانا، بول سالم، جون فياض، سمية بعلبكي، هبة قواس... »اننا نعمل على استمرارية الفن وعلى تشجيع الفن الأصيل عند الشباب. كما اننا نعمل حاليا على إعادة تسجيل الربرتوار (Repertoire) الذي لدينا على C.D. ونحن ننتج أعمال الفنان الكبير زكي ناصيف. كذلك أنتجنا أسطوانة شعر لناديا تويني، وأغاني نصري شمس الدين... على رغم العقبات والصعوبات التي تفرضها علينا سرقة النتاج الفني إلا أننا مستمرون ومصرون على الاستمرار في نشر الفن الصحيح والأصيل في مواجهة موجة الفن الزائف الرائج هذه الأيام. ونحن نشجع الفنانين الشباب على إنتاج الفن الأصيل من خلال تقديم شروط مسهلة لهم وتبني نتاجهم... تحقيق / كلود أبو شقرا

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة