لا تؤلّف أجساد الراقصات الثلاث في ألف. نون. ألف لشذا شرف الدين، على تطريب. ذلك مستبعد من أول. اما نحن المعقودين على ذاكرة شرقية فلن نمسك خصلة طربية واحدة في عمل عنوانه الأساسي »تحويل مادية الجسد بخوفه وعجزه الى حركة او مشهد مسرحي«. اذا كان الطرب الرائع الذي يمسّنا ونسعى اليه هو وحدة متكاملة من حزن وفرح فقد خرج »ألف نون ألف«، كعرض أول توقّعه شرف الدين، يستبدل المعقود الطربي للجسد بأحكام جعلت الحركة المرئية موسومة بالصرامة والتقشف ونكاد نتهمها بالبخل. لكن »الإرويثميا« نفسه كفن تعبيري يعنى بالحركة، يحمل التباسا بنيويا بين المرئي وغير المرئي، المسموع وغير المسموع، ففيما تبدو الذراعان طيلة الوقت كأداتين أساسيتين للتعبير يحدث ان الجسد هو كتلة متوترة ومعبرة طيلة ذلك الوقت لكنها محجوبة، كأنها تحاول في خفاء ان تمنح طاقاتها بانضباط داخلي شديد الى الذراعين وتعطيهما الحق والصلاحية في تقوّل الحالة الداخلية بوصفهما الاكثر تعبيرا وحرية في الجسد، لذا فإن تبيان »كرم« الحركة يتطلب جهدا من المتلقي. في ألف. نون. ألف، »العرض المسرحي الارويثمي المؤسس كمرحة ومشهد وإيقاع على شعر أدونيس وموسيقى أرفوبرت، تحاول صاحبة العرض بشراكة مع الممثلتين الراقصتين شيرين كرامة وليلى منصور ان تجرب داخل الاوريثميا نفسها، وهي كانت قدمت عرضا بمثابة مدخل الى هذا الفن منذ ثلاث سنوات على خشبة المركز الروسي بمشاركة راقصات ألمانيات. أجساد متبادلة ثمة في هذا التجريب بالتأكيد محاولة إرضاء ذاتية لدى صاحبة العرض طالما ان »الأوريثمي« لم يكن معروفا في لبنان الا مع شذا شرف الدين المتخصصة فيه بألمانيا. ومنذ ان أخرجه العالم النمساوي أدولف شتاينر الى النور عام 1912 والى اليوم ما يزال هذا الفن محصورا في المانيا وبعض أوروبا دون شعبية على الإطلاق. ولذا كان على شذا شرف الدين ان تقيم عروضا تعريفية عديدة للجمهور المحلي علما انها كما أشرت كانت بدأت على نحو ما بذلك. هكذا، في العرض، قادت الحركة »الأوريثمية« (الايقاع الجميل) تجريبيا، بلغتها، لغتين أخريين أنشأتهما كرامه ومنصور بجرية الممثل الراقص. تلك هي المأثرة الاهم وربما الوحيدة التي تجرأت عليها تجريبية شرف الدين التأسيسية، وعلى هذا نسج العرض الذي احتكم وجهة ذهنية واحدة متأتية من منابع »أدونيسية« وبدا كأنه يحدد سلفا سقفا وحدودا للاختبار. على ان الشعر والموسيقى معا اللذين تم اختيارهما كحجري أساس لبناء الحركة الجسدية وتحريك الفضاء وصولاً الى إرساء فكرة العرض حول خوف وجرح وعجز »الأنا« (الأنوات الثلاث) بقيا على شيء من علوّهما ولم يُمزجا بالكامل بالخشبة المشغولة، بشقاء وتعب، حركة ومسرحة وإضاءة. ذلك ان التنويعات اللغوية كانت غنية كمفردة وظلت دون ذلك ككتابة وأحسب ان الاختزال الذي طال المشرحة هنا أثّر في قطع الجملة الكاملة للعرض كوحدة. وأحسب ايضا ان مشاركة شرف الدين كراقصة حدّ كثيرا من دورها كمخرجة. سبعة مشاهد تؤلف ألف. نون. ألف، وهو عرض سماته الجمال والتهذيب والعذوبة. بذراعين مهذّبتين تفتتح شذا شرف الدين العرض، لتبدأ اكتشاف الفضاء وتشكيله. من الداخل العميق تحرّك ترسم وتبث الى الجسدين الآخرين الجامدين مرئيا وحين يتجاوب متماهيا جسد شرين كرامة بلغته الجسدية الخاصة وسرعته فيتبعهما جسد ليلى منصور المسرحي بسرعته التي تكاد لا ترى يدخل الفضاء تحت سيطرة ثلاثة مناخات وربما ثلاثة أطوار. لقد فتحت هذه التجربة في هذه اللحظة على حرية ان يرفع الممثل الراقص شخصه وخاصيته، هكذا حتى نهاية العرض تتبادل الراقصات السرعات، يتبادلن العجز والخوف، الانطلاق والنشوة، ليصبح جسد المؤدي في لحظة جسد الشخص بعينه. سينوغرافيا هواء طيلة ألف نون ألف، ثمة تشكيل للهواء. الراقصات يتحسسن الهواء. يكتشفن محيطهن ويلتقطنه. يهرب ويُمسك. كان ثمة (في غياب سينوغرافيا) سينوغرافيا هواء. خشبة مسرح بيروت وهي مفتوحة على آخرها منذ ذراعي شذا شرف الدين، جُعلت على نداوة راحت تؤسس لبروز تكسير الجسد عند ليلى منصور، و»ضد رقص« في أعمال جسد شيرين كرامة. نداوة امتزجت في النهاية بالقسوة على نحو ما في: »لم تكن الارض جسدا، كانت جرحا، لم تتلامس الأجساد، ولا مرة مع بعضها لكنها كانت تغزل في الفضاء لغاتها الاقوى تجدل وتُفك، تنسجم وتتفرق على نحو جعل من الأجساد الثلاثة جسدا لغة في ثلاثة أطوار وثلاثة أحداث. سينوغرافيا في هواء عنوان جديد من العرض شاركت فيها النظرات الى حبل من أجساد واضاءة، مشدود الى شعر أدونيس وموسيقى أرفو برت. لن تُرى او تُستشعر بذائقة محلية، الا اذا عملت الراقصات فيما بعد نحو انتاج وربما ابتكار »أرويثميا« شرقية. علي مطر * ألف. نون. ألف. أرويثمي مسرحي، شعر أدونيس موسيقى أرفو برت عُرض على مسرح بيروت. إعداد وتصميم ورقص شذا شرف الدين بمشاركة شيرين كرامة وليلى منصور. اضاءة: جورج كرباج وهاغوب درغوكاسيان.