As Safir Logo
المصدر:

متى إزاحة هذه الغيمة السوداء القابعة فوق مدينتنا؟ نحو العودة عن استعمال المازوت بدل تعميمه

للتوفير ام زيادة في التعتير
المؤلف: قديح ناجي التاريخ: 1999-10-20 رقم العدد:8430

يلاحظ أطباء لبنان في مؤتمرهم الاخير حول الأمراض السرطانية الذي عقد في بيروت، ان نسبة الاصابات بمختلف أنواعها قد تزايدت في السنوات الاخيرة، وتجاوزت الثلاثة آلاف وخمسمئة حالة العام الفائت. بالتأكيد ان عوامل عديدة تتضافر لتسبب الاصابة بالسرطان، وانما أصبح من المعروف ومن الثابت علميا، من خلال الابحاث السمية التجريبية كما الدراسات »الوبائية البيئية« والاحصائية الاحتمالية، ان التلوث الكيميائي للبيئة (الهواء والمياه والتربة) والمواد الغذائية ببعض الملوثات، التي تنتمي لفئة المواد ذات النشاط المسرطن، المثبت والمحتمل عند الانسان، يشكل أحد أهم هذه الأسباب، وربما تصل نسبة اسهامه في تسببها حدود 80$. وتلاحظ بعض المؤسسات الطبية والاستشفائية، برغم غياب احصاءات شاملة ورسمية، ان نسبة الامراض الرئوية والتنفسية عموما، الحادة منها وخصوصا المزمنة، في تزايد مضطرد، وأصبحت تطاول فئات عمرية إصابتها غير تقليدية بهذه الأمراض. وربما تصح نفس الملاحظة على الأمراض التحسسية والمناعية على أنواعها. ويلاحظ الاقتصاديون ايضا، ان كلفة الطبابة في لبنان هي من أعلى الكلفات قياسا للبلدان التي تصح مقارنة لبنان بها. ومن جهة اخرى، يلاحظ سكان بيروت الكبرى وجبل لبنان واللبنانيون عموما، ان الغيمة التي تغطي السماء على مساحة واسعة من الساحل اللبناني، وتتركز فوق بيروت، قد تبدل لونها، تدريجيا في السنتين الاخيرتين، من رمادي برتقالي الى رمادي بني غامق ومؤخرا الى رمادي يميل الى السواد. ويترافق ذلك مع ازدياد بإحساس ضيق النفس وضيق »الخلق« ايضا. ويلاحظون في كل صباح، ان طبقة رقيقة من السخام الأسود الكثيف واللزج تغطي زجاج سياراتهم، ويتساءلون ماذا يحصل؟ هذه الغيمة التي أصبحت سوداء، والتي نلاحظها من وقت لآخر في الساعات الاولى للصباح او عصرا وعند المغيب، تتكون لاعتبارين اثنين: أ الموقع الجغرافي والمميزات الطوبوغرافية والمناخية للساحل اللبناني وقربه من مرتفعات السلسلة الغربية الشاهقة. ب ارتفاع مستويات تلوث الهواء الجوي، وخصوصا بالملوثات الفوتوكيميائية والجزيئية الكربونية المشبعة بالمركبات الهيدروكربونية. ويتولد نتيجة هذين الاعتبارين ظاهرتان تستحقان اهتمام الجميع: أ ظاهرة تراكم الملوثات في الجو واعاقة عمليات الانتشار بسبب دوران حركة الرياح الساخنة نسبيا فوق سطح البحر، واصطدامها بالجبال الباردة نسبيا، وحركتي نسيم البحر ونسيم البر المتتاليتين مع الليل والنهار، مولدة حركة حلقية تكمن في أساس ظاهرة التراكم. ب ظاهرة الانعكاس الحراري والتي تتسبب من الفارق الحراري الهام في فضاء محدود نسبيا بين البحر والجبال الشاهقة، وهذه تكمن في أساس ظاهرة احتباس الملوثات المتراكمة في طبقة هوائية، محدودة بارتفاع مستوى الانعكاس الحواري، مكونة تلك الغيمة والتي تشابه السقف المحدد لهذه الطبقة. اما في ما يتعلق بغيمتنا تلك، فكان لونها يميل الى البرتقالي لغناها بغازات أكاسيد النيتروجين NOx، التي تتولد عن كل عمليات الاحتراق (بما فيها الاحتراق الداخلي الذي يتم في محركات السيارات) بنسب مختلفة حسب درجات الحرارة، ولغناه بمجموع الملوثات الكيميائية المتفق على تسميتها بالمؤكسدات الفوتوكيميائية. اما انها قد تجلبب لونها البرتقالي الجميل بالحداد، فهذا أمر يثير الحزن والقلق معا، إذ يشير الى ان انبعاثات الأدخنة الكربونية المشبعة بمواد، كثير منها ينتمي لفئة المسرطنات الكيميائية، قد أصبحت بمعدلات كبيرة كافية لكي يطغى لون السخام الأسود على اللون البرتقالي. ماذا حصل لغيمتنا في السنوات الاخيرة؟ ونحن نفتش لتفسير تبدل ألوان غيمتنا الحبيبة، »الغالية« على قلوب كل اللبنانيين، وقعنا في مجموعات التشريع اللبناني على قانونين، واحد يعدل الآخر فيلغي ما كان فيه من بعض الضوابط، وعلى مرسوم تنشطر له السرائر من شدة روعته وإحكام تقنيته. قانون 368 تاريخ 1 آب 1994 وقانون تعديله رقم 432 تاريخ 15 أيار 1995، وما بينهما المرسوم رقم 6603 تاريخ 4/ نيسان/ 1995. الاول سمح باستيراد واستعمال سيارات الشحن وسيارات الأوتوبيس العاملة بمحرك يدار بطاقة المازوت، محددا بألا يتجاوز تاريخ الصنع الخمس سنوات، والثاني ألغى حدود العمر، واضاف السماح لسيارات الاسعاف وكرس الجرارات والآلات الزراعية والآلات المستعملة في الأشغال العامة، التي لا تستعمل في نقل الركاب والبضائع على الطرقات. اما المرسوم »الأشبهي« فأكد على مضمون القانون المعدل واضاف كلمة »سيارات«، التي لا ندري من أين أتى بها؟ فهي غير ملحوظة في كلا القانونين سابقي الذكر، علما انه بالأساس مرسوم تطبيقي لهما. ويتضمن كذلك لائحة رائعة من الشروط التقنية وفحوص المراقبة الدورية كل ستة أشهر وفحوص مراقبة وقياسات ولوائح مواصفات لمؤشرات التلوث في غازات عوادم السيارات. ويحدد أيضا قيمة الغرامة لأي مخالفة لأحكامه بمئتي ألف ليرة، واذا تكررت المخالفة فالعقوبة بالسجن! عظيم، ولكن لماذا هذا المازوت المقيت؟ لن أتكلف عناء الحديث عما حصل على أرض الواقع منذ ذلك التاريخ، فالجميع يرى ماذا يحدث في شوارع العاصمة والطرقات الرئيسية في طول لبنان وعرضه. واقع الامر ان القانونين طبقا من دون أية ضوابط، اما المرسوم فلم يطبق. ففلت »الملق«، ونتج عن ذلك ظلامتان: أ ظلامة طاولت كل اللبنانيين، إذ تبدل لون غيمتهم، وأصبحت كالغمامة، تعمي قلوبهم وتضيق عليهم أنفاسهم وتقلق راحتهم. وهي أيضا بدأت تصرخ في مسامع أطباء لبنان لتعطيهم احتمالات تفسير عن تساؤلاتهم، التي يتناولونها في مؤتمراتهم وفي جمعياتهم وورش أعمالهم. ب وظلامة اخرى، اجتماعية هذه المرة، إذ خرقت قوانين لعبة الاقتصاد »الفلتان« في صميمها: التكافؤ في المنافسة، فخلفت فئة من السائقين العموميين حائرة في تأمين لقمة عيشها. لا يهدأ زمورها طوال النهار بحثا عن راكب فاته الميني باص. هذا الميني باص، الذي يرشق الدنيا بدخانه الأسود الكثيف، »محزكا« بين السيارات، لا يطيق أحدا أمامه. مخاوفنا اثنتان: الاولى، استمرار الوضع على ما عليه، والثانية، رفع الظلم عن فئة السائقين العموميين من خلال تعميم الظلم على جميع اللبنانيين ومن سيولدون منهم بعد حين، وتعميم السخام كي يغطي وجوهنا ومساحات أسناخ روايانا وجدران مدينتنا، ويسهم في الاسراع في ملء مشافينا ومقابرنا. ولكن ما هي الحلول التي يمكن اقتراحها للخروج من هذا المأزق القاتل؟ الحلول البسيطة والتي يمكن تطبيقها: 1 إلغاء القانون الذي فصل على قياس شركة للنقل، والقانون المعدل الذي أتى ليوسع التفصيلة لتصبح على قياس شركات استيراد وتجارة السيارات والأتوبيسات والفانات. 2 وضع قانون على قياس الشعب اللبناني برمته يحمي هواء الناس الذي يتنفسون، ويحمي صحتهم وصحة أجيالهم، ويبعد السخام عن وجوههم وصدورهم وعن أرضهم وسمائهم. 3 الغاز الطبيعي وقود نظيف واقتصادي وهو مناسب لكل انواع السيارات المتحركة داخل المدينة وما بين المدن. 4 بضعة خطوط للترولي بيس (أوتوبيس على الكهرباء). كثير من العواصم الأوروبية وغير الأوروبية تستعمله بنجاح، وهو قابل للنجاح في بيروت. 5 ترحيب بفكرة اعادة تشغيل خطوط للقطار لنقل الركاب والبضائع. 6 البدء بخطة الاستبدال التدريجي للبنزين مع الرصاص بالبنزين من دون رصاص مع إلزامية استعمال المحول الحفزي. 7 التطبيق الكامل لمضمون المرسوم بعد تعديله (بلا مازوت) لجهة مراقبة احترام غازات العوادم لمواصفات حماية الهواء من التلوث، وإخضاع السيارات لفحص ميكانيك إلزامي ودوري، تحت طائلة الغرامات والمحاسبة الصارمة. 8 دعوة للمشرّعين في بلدنا لأن يدققوا في نص اي مشروع قانون، وان يدرسوا انعكاسات تطبيقه على البيئة وعلى الصحة العامة، وان يحددوا داخل النص الجهة او الادارة المعنية بتطبيقه، كي تسهل المساءلة والمحاسبة الادارية منها والسياسية. نأمل ان تزول غيمتنا، لا ان تتبدل ألوانها. د. ناجي قديح

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة