»بعورته« آخر حبة من العنقود الذي انفرط عقده وتبعثر خلال حرب الجبل عام 1983 فهجر من هجر من الدروز والمسيحيين ودمر ما دمر من الحجر والممتلكات والارزاق في كافة قرى وبلدات الشحار الغربي قضاء عاليه التي كانت تؤلف هذا العنقود المتماسك والمتشابك قبل الحرب. مأساة اهالي بعورته لا تقل حجما ومضمونا عن مأساة ابناء الشحار عموما فبصمات الحرب ونتائجها ما تزال حاضرة بقوة على مختلف الصعد الحياتية والانسانية والخدماتية، فقد هجروا قسرا من بلدتهم مدة خمسة اشهر ونسفت منازلهم ومؤسساتهم التجارية عمدا بعد ان نهبت محتوياتها فضلا عن تدمير البنى التحتية من مياه وكهرباء وطرق، ولدى عودتهم الىها اضطروا للاقامة في بيوت المسيحيين في قرية »دقون« المجاورة بعد ان هجر أبناؤها منها لكن هذه البيوت لم تكن كافية لايواء جميع ابناء بعورته فنزح البعض الى البلدات المجاورة. إلا أنهم لم يستسلموا للاوضاع المعيشية المزرية، فعندما سنحت الفرصة اقدم عدد من العائلات في السنوات الماضية على الاستدانة من المصارف لاعادة اعمار اجزاء من منازلهم ورزحوا تحت وطأة الديون والفوائد واملاكهم ما تزال مرهونة، ومنهم من باع ارضه بأبخس الاثمان لتأمين مسكن لعائلته في البلدة، لكن القسم الاكبر من اهالي بعورته ما زال يقيم في »دقون« ومنازلهم ما تزال مهدمة. وسواء كانوا في »بعورته« ام في »دقون« فالمعاناة واحدة خصوصا ان الاهالي محرومون من ادنى مقومات العيش فالمياه لا تصل اليهم منذ ستة عشر عاما وهم يتحملون اعباء مادية اضافية لتأمينها، كما ان سائر الخدمات الاساسية غير متوفرة. باختصار يشبه أبناء بعورته بلدتهم (بحسرة وألم) بالبلدة »المنكوبة« وكأنها جزيرة نائية معزولة ومنزوعة عن دائرة الاهتمام الرسمي بالرغم من المراجعات العديدة حيث انها بحاجة الى عناية فائقة لاعادة الحياة اليها من جديد خصوصا انها كانت قبل الحرب من اجمل البلدات في منطقة الشحار طبيعة وعمرانا. كما أنها بحاجة ماسة الى »بلدية« تدير شؤونها وتسعى الى تحسين اوضاعها وتأمين الخدمات الضرورية للعائدين وفي هذا الاطار تؤكد فاعليات البلدة بأنهم تقدموا بطلبات عديدة الى المحافظ والقائمقام ووزارة الداخلية والبلديات للترخيص بإنشاء بلدية لا سيما وان الشروط متوافرة لذلك، لكن المعنيين لم يوافقوا على هذا المطلب المحق بالرغم من الوعود المتكررة بتحقيقه. من جهة ثانية، يؤكد مختار البلدة وابناؤها ان لا خلافات اساسية بينهم وبين جيرانهم المسيحيين في »دقون« الذين تسلموا ارزاقهم واراضيهم الزراعية فقط بعد لقاء جرى بين الطرفين في العام 1996 برعاية وزير شؤون المهجرين السابق وليد جنبلاط. على ان يتم دفع التعويضات لاهالي بعورته من اجل اعادة بناء منازلهم واخلاء المنازل المقيمين فيها في »دقون«، لكن هذه الوعود لم تنفذ وبقيت القضية عالقة وما تزال. ويجمع ابناء بعورته عبر لجنة المتابعة على موقف موحد لجهة العودة، فهم يؤكدون انهم مع عودة ابناء دقون الى بلدتهم ومنازلهم، لكن هذه العودة لن تتم قبل اعادة اعمار المنازل المهدمة في بعورته ودفع تعويضات اعادة الاعمار للابنية المنجزة على نفقة اصحابها وانصاف المهجرين كافة مقيمين وعائدين، اصولا وفروعا. عندها فقط تسلم المنازل التي نشغلها لمالكيها ويتحقق من جديد التعايش المشترك بين اباء البلدتين«. الموقع تقع بلدة بعورته في منطقة الشحار الغربي قضاء عاليه، تعلو 550 مترا عن سطح البحر وتعد 1300 نسمة يتوزعون على ثلاث عائلات هي: العياش، غرز الدين والمروّد. تتميز بموقعها الجغرافي المطل على البحر اذ تشرف على ساحل الشوف وتحديدا على سهل الدامور والسعديات والناعمة وخلدة ومطار بيروت الدولي كما تتميز بمناخها المعتدل وبجمال طبيعتها واحراجها الصنوبرية التي تجعل منها مرتعا للشفاء من امراض الربو والحساسية. تبعد عن العاصمة حوالى 25 كيلومترا وتصل اليها اما عن طريق الدامور او عن طريق قبر شمون عبيه كفرمتى. المختار يحمل على الاهمال عن أوضاع البلدة، يؤكد المختار فؤاد حسن العياش بأن الدولة غائبة كليا عن بعورته منذ ما قبل سنوات الحرب وقد تكرس الاهمال بعدها، »فنحن محرومون من ادنى الخدمات الضرورية واهمها المياه مما يضطرنا لشراء خزانات المياه صيفا شتاء وهذا يكلفنا اعباء مادية ثقيلة اصبح الاهالي غير قادرين على تحملها لسوء اوضاعها الاجتماعية والمعيشية«. واضاف: »البلدة تعاني من عدم وجود شبكة للصرف الصحي وشبكة للهاتف الذي وصل عند مدخليها من جهة كفرمتى ومن جهة الدامور وتوقف... كما ان شبكة الكهرباء بحاجة الى تقوية فهناك محول واحد يعمل بينما المطلوب ثلاثة محولات، اضافة الى عدم وجود جدران دعم وأقنية لتصريف مياه الشتاء، وطرق زراعية خصوصا ان معظم العائلات، تعتمد على الزراعة كمصدر رزق«. واشار الى »اننا سبق وتقدمنا بطلبات لقائمقام عاليه ولمحافظ جبل لبنان لتأمين هذه الخدمات لكنها لم تلق آذانا صاغية«. ويطالب ببلدية وطالب المختار وزارتي الداخلية والبلديات بضرورة الترخيص بإنشاء بلدية ترعى وتسير شؤون البلدة »لاننا بحاجة ماسة الى عملها لا سيما وان خراج البلدة شهد في السنوات الخمس الاخيرة نهضة عمرانية تمثلت ببناء مجمعات سكنية تجارية تعد حوالى 2500 وحدة فضلا عن وجود عدد من المصانع والمعامل. وهذه المرافق الاقتصادية لا تستفيد منها البلدة بشيء والعائدات من رسوم وضرائب تذهب الى وزارة المالية والصندوق البلدي المستقل، ولا تنال منها بعورته اي حصة، »ولعل اكبر هدية حصلنا عليها هي وصول »سوكلين« وخدماتها فقط«. لجنة المتابعة بدورها، ناشدت لجنة المتابعة في بعورته (التي تضم عشرة اعضاء هم: بديع، فيصل، عدنان، انور، اسامة وسامي العياش ورؤوف ويوسف ونبيل غرز الدين وعزت المرود)، رئيس الجمهورية العماد اميل لحود ورئيس الحكومة والوزارات المعنية التدخل لرفع الظلم والحرمان عن اهالي بعورته الذين يعانون ظروفا معيشية قاسية واهمالا خدماتيا متجذرا. وشددت اللجنة خلال لقائها مع »السفير« على سلسلة مطالب اساسية اهمها: تأمين المياه التي لا تصل الى بعورته ودقون ايضا منذ حوالى 16 عاما بأقصى سرعة ممكنة وهنا اشارت اللجنة الى انها اجتمعت مع وزير شؤون المهجرين انور الخليل منذ حوالى 4 أشهر وشرحت له معاناة الاهالي المقيمين والمهجرين في هذا الشأن، فوعد الوزير بإعداد شبكة للمياه خلال فترة وجيزة، وارسلت الوزارة في حينها الى البلدة لجنة للتقصي والكشف على مياه البرك التي يستخدمها الاهالي وقد تبين لها انها غير صالحة للاستعمال، ولغاية اليوم لم ينفذ شيء على صعيد الشبكة، علما بأن لجنة المتابعة تقدمت بكتاب رسمي باسم اهالي بعورته الى وزير الموارد المائية والكهربائية السابق ايلي حبيقة طالبته فيه بحل مشكلة المياه، »فكان الرد مزيدا من الاهمال«. وشكت اللجنة من تصدع بعض المنازل التي يقيم فيها الاهالي في دقون مما يجعل حياتهم مهددة بالخطر في غياب البديل، وهذه المشكلة سبق وعرضتها اللجنة على المسؤولين في وزارة المهجرين السابقة والحالية لكن من دون جدوى«. سلسلة مطالب.. وشدد بديع العياش الذي تلا بيانا باسم اللجنة على ضرورة تخطيط شوارع البلدة قبل البدء بدراسة البنى التحتية وتأمين شبكة الكهرباء الى كافة المنازل وكذلك الهاتف وتوفير شبكة للصرف الصحي كمطلب اساسي. ولفت نظر المسؤولين الى ان مدرسة بعورته الرسمية تشغل البناء المدرسي في دقون، وفي عودة كل مهجر الى بلدته يستوجب على اهالي بعورته ترك المدرسة الرسمية في دقون والعودة الى مدرسة بعورته التي لا تستوعب الطلاب كونها تتألف من 8 غرف فقط مطالبا بإيجاد الحلول اللازمة لتأمين البناء المدرسي. كما طالبت اللجنة بتأمين بناء خاص بمستوصف البلدة وتزويده بالمعدات الطبية والادوية الضرورية من قبل وزارة الصحة العامة. وسألت اللجنة، عن مخصصات النواب السنوية التي يجب ان تنفق في المشروعات الخدماتية في البلدات والقرى التي ينتمون اليها، ولفتت الى »ان وزارة الاشغال العامة خصصت منذ ثلاث سنوات مبلغ 50 مليون ليرة لبنانية لتزفيت الطرق في بعورته ولدى مراجعتنا المسؤولين في الوزارة قالوا بأن الاموال صرفت في منطقة اخرى«. وانتقدت اللجنة سياسة الاستنساب والاجحاف التي تعتمدها بعض الوزارات وسياسة اللامبالاة بمطالب واحتياجات الاهالي من قبل نواب المنطقة. كما طالبت وزارة الزراعة بدعم المزارعين وتأمين الاسمدة والمبيدات ومكافحة دودة الصندل »التي تهدد ثروتنا الحرجية الصنوبرية، لا سيما وان معظم الاهالي يعتاشون من انتاج الصنوبر والزيتون«. قضية العودة وحول قضية العودة، اوضحت اللجنة بأن القسم الاكبر من اهالي بعورته يقيم في بلدة دقون (المسيحية) المجاورة، وحاليا يتم التداول بعودة كل مهجر الى منزله »وهذا ما نتوخاه ونرغبه، لكن اعادة اهالي دقون تتطلب اعادة اهالي بعورته اولا الى بلدتهم ولا تتم العودة الا بعد ان ينال كل ذي حق حقه بالكامل، اي بعد اعادة بناء المنازل المهدمة والتعويض على المنازل التي انجزت على نفقة اصحابها في البلدة، عندها فقط نسلم المنازل التي نشغلها في دقون لمالكيها ويتحقق العيش المشترك من جديد«. واعلنت اللجنة رفض الاهالي لاجراء اي كشف جديد في البلدة من قبل وزارة المهجرين الحالية باعتبار انه اجريت كشوفات عديدة في عهد الوزارة السابقة قبل اعادة اعمار بعض المنازل، كما تم تقديم الطلبات واحيلت الى الصندوق المركزي للمهجرين وكانت جاهزة للتنفيذ، مشددة على التمسك بنتائج هذه الكشوفات والطلبات المقدمة سابقا، وان يتم دفع التعويضات على اساسها. يذكر ان العائلات، التي اعادت بناء مساكنها على نفقتها بادرت الى ذلك اثر تسلم اهالي دقون ارزاقهم العام 1996 وتلقي وعود رسمية بدفع المستحقات للمتضررين من قبل وزارة المهجرين السابقة. كما شددت اللجنة على عدم تجزئة منطقة الشحار، واعتبار بلدة بعورته جزءا لا يتجزأ منها فمسألة التعويضات، مطالبة بإنصاف المهجرين دروزا ومسيحيين والتعويض العادل على جميع الاضرار والخسائر، وانصاف الفروع كما الاصول اسوة بغيرنا من القرى والبلدات المهجرة، وعلى سبيل المثال »الدامور« وكذلك عائلات الشهداء والضحايا الذين سقطوا اثناء معركة الشحار«. ورأت اللجنة ان مبلغ 20 الف دولار كتعويض لاعادة اعمار الوحدة السكنية غير كاف خصوصا ان معظم الابنية السكنية (حوالى 500 وحدة قبل الحرب) كانت مساحتها تتراوح بين 800 و1200 متر مربع ومشيدة بالحجر الصخري المنحوت كما ان مبلغ الى 5000 دولار المقرر للاخلاء زهيد جدا مقارنة مع حجم الاضرار والخسائر. مع العلم بأن أبناء بعورته لم يخسروا فقط الحجارة وانما حتى حياتهم في بلاد الاغتراب وكل ممتلكاتهم من سيارات ومؤسسات تجارية واثاث وغيرها... فضلا عن المآسي الاجتماعية التي نتجت عن الحرب والتهجير. وتمنت اللجنة على وزارة شؤون المهجرين وكل المعنيين بملف العودة ان يدرسوا ملف البلدة والشحار الغربي بدقة متناهية ويأخذوا بعين الاعتبار كل ما سبق ذكره »حتى لا نقع بمشكلة تهجير جديدة في زمن السلم«، معربة عن رفضها لسياسة التقشف في ملف الشحار بالذات وسياسة التمييز والتفريق بين المواطنين. تحقيق رانيا غرز الدين