الحديث عن مدرسة أبولو الشعرية، يتصل حتما بالحديث عن مؤسسها الشاعر الدكتور أحمد زكي أبو شادي الذي عاش ما بين عامي (1892 1955)، والذي بادر في سبتمبر عام 1932 الى إعلان ميلاد هيئة أدبية في القاهرة أسماها: »جماعة أبولو«، تولى أمانة سرها بنفسه، واختير أحمد شوقي، أمير الشعراء (1868 1932) رئيسا لها. ومن أبرز من ضمت أبولو من الشعراء: أحمد محرم وابراهيم ناجي وعلي محمود طه وكامل كيلاني وأحمد ضيف وعلي العناني وأحمد الشايب ومحمود أبو الوفا وحسن كامل الصيرفي وأبو القاسم الشابي. بعد الاعلان عن نظامها الاداري والأدبي في دار شوقي: »دار كرمة ابن هاني« بالجيزة في العاشر من اكتوبر عام 1932، فجعت أبولو برئيسها بعد أيام معدودة في الرابع عشر من اكتوبر 1932، فاختير الشاعر خليل مطران (1872 1949) رئيسا بديلا للهيئة وذلك في الاجتماع الذي دعا إليه أمينها العام أحمد زكي أبو شادي في مقر رابطة الأدب الجديدة بالقاهرة، في الثاني والعشرين من اكتوبر 1932. وميلاد مدرسة أبولو الشعرية، اقترن بميلاد مجلة أبولو الأدبية. فقد تعهدت جماعة أبولو إصدار مجلة متخصصة بالشعر ونقده في العالم العربي. ونحن ما زلنا نذكر ما كتبه أحمد زكي أبو شادي الأمين العام للهيئة في افتتاحية العدد الأول من مجلة أبولو: »نظرا للمنزلة الخاصة التي يحتلها الشعر بين فنون الأدب، ولما أصاب رجاله من سوء الحال، بينما الشعر من أجل مظاهر الفن، وفي تدهوره إساءة للروح القومية، لم نتردد في أن نخصه بهذه المجلة، التي هي الأولى من نوعها في العالم العربي، كما لم نتوان في تأسيس هيئة مستقلة لخدمته، هي جمعية أبولو، حباً في إحلاله مكانته السابقة الرفيعة، وتحقيقا للتآخي والتعاون بين الشعراء«. وختم أبو شادي الافتتاحية قائلا: »وكما كانت الميثولوجيا الإغريقية تتغنى بأبولو للشعر والموسيقى، فنحن نتغنى في حمى هذه الذكريات، التي أصبحت عالمية، بكل ما يسمو بجمال الشعر العربي، وبنفوس شعرائه«. والجدير ذكره انه لما سئل أبو شادي عن سر اختيار اسم »أبولو« إغريقي للمدرسة ومجلتها، رد في عد فبراير 1933، بأنه كان بسبب الرغبة في ان تحمل اسما عالميا يلائم صيغتها. ومن الشعراء والأدباء والنقاد الذين برزت أسماؤهم على صدر صفحات مجلة »أبولو«: شوقي ومطران ومحرم والعقاد وأبو شبكة والرافعي وابراهيم ناجي وزكي مبارك وعلي محمود طه وفخري أبو السعود وسيد قطب وبشر فارس. كما برزت الى جانب هؤلاء أسماء الشعراء المهجريين ومن بينهم: أبو القاسم الشابي وإيليا أبو ماضي بالاضافة الى شفيق المعلوف ورياض المعلوف والجواهري. وقد أطلق أبو شادي اسم مدرسة أبولو على شعراء هذه الجماعة في صدر عدد أبريل 1933، فقال: »ان مدرسة أبولو مدرسة تعاون وإنصاف وإصلاح وتجديد«. أما أغراض جماعتها كما برزت منذ لحظة تشكيل هيئتها فكانت تتمثل بالأمور التالية: 1 السمو بالشعر العربي، وتوجيه الشعراء توجيها شريفا. 2 مناصرة النهضات الفنية في عالم الشعر. 3 ترقية مستوى الشعراء ماديا وأدبيا واجتماعيا، والدفاع عن كرامتهم. وهذه الأهداف بجملتها، يمكن لها أن تتلاقى مع أهداف الجمعيات الأدبية التي كانت تعاصرها بحكم التأثر والتأثير مثل الرابطة القلمية المهجرية والعصبة الأندلسية ومدرسة الديوان المصرية. أسس التجديد لعل أعظم الجهود الأدبية التجديدية، كانت قد برزت لدى ثلاث مدارس دعت الى التجديد بقوة في عصرنا الحديث وهي: مدرسة الديوان ومدرسة المهجر ومدرسة أبولو التي، وإن لم تعمر طويلا، إلا أنها كانت قد تركت بصماتها القوية على حركة الشعر العربي الحديث، وطبعته بطابعها الخاص من خلال مجلة أبولو التي توقفت عن الصدور عام 1935 وصدر عوضا عنها مجلتا »أدبي« و»الإمام«. وهذه المدارس الأدبية الثلاث التي تعاصرت في الثلث الأول من هذا القرن، واجهت المشكلات نفسها أو معظمها، التي لا تزال تواجه الطامحين الى التجديد اليوم. وقد كان أصحابها قد استوعبوا أطرافا من الثقافة الحديثة، وألموا بالآداب الأجنبية، ولذلك بدوا قادرين على خوض غمار التجربة التجديدية في مواجهة المحافظين المتزمتين، ورفد التراث العربي بآثار الفكر الغربي ومبتكراته الأدبية أو الإنسانية الجديدة. كان دعاة التجديد في مصر (مدرسة الديوان ومدرسة أبولو) وفي المهجر أيضا يلحون على ضرورة التعبير عن حاجات العصر، ويستجيبون لنداء التطور الطبيعي، ويستندون الى حصيلة من المعرفة تلم بثقافة هذا العصر ومكتسباته الحضارية، وتضرب بجرانها في أعماق الإنسان العربي المعاصر، وتعبر عن مشكلاته النفسية وقضاياه الفكرية، في وعي جديد بلغه الشعر، وقضاياه الفنية، ووظيفته الاجتماعية، ورسالة الشاعر في الحياة الإنسانية. ولعل أبرز الأصول الفنية للمجددين في مصر، يمكن اختصارها بالأمور التالية: 1 ان الشعر ملكة إنسانية لا لغوية، وإن اللغة ليست هي الشعر، وان الشعر ليس هو اللغة وحسب، ومن الضروري ان تقترن أداة النظم والتعبير بالشاعرية والخوالج والأحاسيس التي يعبر عنها الشاعر. 2 ضرورة التزام الشعر بفن التعبير بالصورة التي تثير القارئ. 3 للشاعر أن يطيل التأمل في الحياة والأحياء، بحيث تتجلى في شعره صورة كاملة للطبيعة بجمالها وجلالها وعلانيتها وأسرارها. 4 وشعر الشاعر، تعبير عن تجربته النفسية ومعاناة الشعورية، وهو وصلة كبرى بينه وبين الناس، وترجمة لحياته بما يلامس أو يؤثر في حياتهم. 5 ضرورة أن تحافظ القصيدة على وحدتها العضوية، بحيث تظهر كعمل فني تام وكامل. »فالقصيدة الشعرية كالجسم الحي يقوم كل قسم منها مقام جهاز من أجهزته، ولا يغني عن غيره في موضعه«. الى ذلك يبين العقاد ان الدعوة الى التجديد لا يراد بها إنكار فضل العرب أو تعمد الخروج عن الأساليب العربية، وإنما أن لا يختم على الأساليب بعد القرن الرابع للهجرة. وأضاف انه ليس من التجديد ان نصف المخترعات العصرية أو أن نضرب عن تقليد العرب لنقلد الإفرنج وننظم كما ينظمون. فالتجديد بنظره أن يكتب كل شاعر ما في نفسه وأن يعبّر عن تجاربه النفسية الأصيلة، تعبيرا صادقا جميلا. ودعوة التجديد التي أطلقها التيار الأدبي المهجري، كانت قد أخذت بدورها حيزها الهام من حركة الأدب العربي المعاصر. ذلك ان الآثار الفنية لأدباء المهجر ونظرية الإبداع لديهم، كانت قد نشأت في الزمن الهام جدا بالنسبة لتطور الأدب العربي بشكل عام. فقد ارتبطت نظرية الإبداع المهجرية المجددة بزمن نشأتها، مما حفزها لتجاوز الطرز الأدبية التقليدية من العصور الوسطى، وذلك من خلال الاندماج في تيارات الأدب العالمي الحديثة. ولهذا فقد كانت هذه النظرية التجديدية وراء علاقة الأدب العربي بعامة، مع تيارات الأدب العالمي، ومع تراث الأدب العربي في آن واحد معاً. فلا شك بأن لمهاجرة هؤلاء الأدباء أهميتها العظيمة، لأنها أتاحت الاتصال المباشر بالآداب الأجنبية. ونظرا لأن هؤلاء كانوا يقيمون ويبدعون في الولايات المتحدة، فإنهم اندمجوا بتيارات الآداب الأجنبية بشكل مباشر. كذلك فإن إبداعهم بالعربية، جعلهم يتميزو ن بصفة، لم تتوفر لغيرهم، إذ شكلوا صلة الوصل بين الدائرتين الثقافيتين: العربية والأجنبية. كذلك فإن المهاجرة، كانت قد مكّنت أصحابها من تحقيق استقلاليتهم للنشر في أماكنهم أو في البلاد العربية، بحرية شبه تامة، واستطاعوا أن ينشروا آراءهم بكل حرية، خصوصا ما يتعلق منها بالأدب، وهذا شيء مهم وبنّاء، نظرا لأن الأدباء في الأقطار العربية، كانوا يواجهون حملات التضييق عليهم، إذا تجاوزوا حدود التقليد للتراث القديم. فنظرية التجديد المهجرية، اتخذت إذاً، حيزها في الزمان كما في المكان، وكان لها صداها الواسع في العالم الأدبي والعلمي في الشرق، كما في الغرب. ولا شك بأنها كانت تصدر عن ينابيع فلسفية، شكلت مبادئها الأساسية، التي كانت شديدة التأثر بالتيارات الأدبية والفلسفية المعروفة في الغرب عصرذاك. أبولو على المفترقات ووسط تيارات التقليد والتجديد والاعتدال، برزت مدرسة أبولو الشعرية فشلكت طبقة من هذه الطبقات جميعاً، أكدت دعوة التجديد في الشعر العربي ودعمتها دعما قويا، ووقفت بخصائصها الفكرية والفنية، التراثية منها والحديثة، علما يضيء للشعراء الطريق ويدلهم على الآفاق البعيدة، التي يجب أن تحلق فيها أسراب الشعر بكل ألوانه وفنونه، دون أن تمنع شعراء التقليد والاعتدال من الظهور في صفحات مجلتها. فإذا كان أبولو إله كل شعر عند الإغريق، يضم تحت جناحيه جميع طيور الشعر، بكل ألوانها وأصواتها وفنونها المختلفة، فقد بدت جماعة أبولو، تندرج في معنى اسمها، فهي جماعة كل شعر مصري، سواء كان تجديدا أو تقليديا أو معتدلا، ويتضح لنا ذلك من خلال اختيار رئيس جماعة أبولو وأعضائها. ففيهم كثير من هؤلاء مثل شوقي وخليل مطران وأحمد محرم، وهم ينتمون كما نعرف الى تيارات مختلفة. وبرأي د. شوقي ضيف، ان جماعة أبولو كانت تفقد كل التخطيط الفني منذ أول الأمر. فقد ضمت شعراء ثورة 1919 مثل ابراهيم ناجي وعلي محمود طه، وشجعت الشعراء الشباب على النشر في مجلتها، مثل عبد اللطيف النشار ومحمود حسن إسماعيل وصالح جودت، دون أن تضع أمامهم منهجا معينا في صناعة الشعر ونظمه. ويصف الدكتور ضيف حركة أبولو، بأنها غير منظمة، لأن شعراءها غير منظمين أصلا، بل هم مشتتون، »وقلما جمعت بين طائفة منهم رابطة فنية صحيحة، بل لكل منهم اتجاهه، ولكل منهم طريقه«. وهذه النظرة صحيحة الى حد ما. ذلك ان جماعة أبولو أصدرت، فضلاً عن المجلة، الكثير من الكتب والدراسات ودواوين الشعر لأعضائها: مثل ديوان الينبوع وأطياف الربيع، والشعلة وفوق العباب، وأشعة وظلال، وكلها لأبي شادي؛ ومثل ديوان وراء الغمام لإبراهيم ناجي والألحان الضائعة للصيرفي، وديوان عتيق، وديوان مختار الوكيل. وأصدرت كذلك كتبا له بعنوان »رواد الشعر الحديث في مصر«، ونشرت دراسات أدبية أصيلة من مثل »أدب الطبيعة« للسحرتي. وليس في هذه المجموعات الشعرية أو في تلك الدراسات الأدبية ما يدل على التمسك بمنهج بعينه يجسد روح التجديد التي كان ينادي بها دعاتها في ذلك العصر، سواء في مدرسة الديوان أو في الحركة الأدبية المهجرية. وبرأينا ان تردد جماعة أبولو بين أمواج هذه التيارات الأدبية المتعددة، كان بسبب معاصرتها أو مجاورتها لهذه التيارات، بحيث كانت تتغذى من ضروعها، وتستفيد من نكهة ألبانها المختلفة. ذلك أن جماعة أبولو أفادوا من حركة البعث والإحياء التي كان البارودي رائدها، كما أفادوا من حركة الجيل الجديد، وما كان يذيعه طه حسين وهيكل والعقاد والمازني من آراء جديدة في الأدب والشعر. ثم جاءهم نموذج ثالث من شعراء المهجر، تمثل بجبران وإيليا أبي ماضي حيث نشرت مجلة أبولو مجموعة من أشعار الأدباء المهجريين. وهذا النموذج المهجري، يستلهم المنزع الرومانسي الغربي ويجري في آثاره، ويكثر من ذكر الطبيعة والحنين الى الوطن الذي فقدوه. وقد امتلأ شعرهم بالأسى والحزن، رغم الدعوة للإقبال على الحياة ومتعها، والتأمل فيها تأملا واسعا يفضي الى نزعة فلسفية تشي بالمذهب الصوفي. بالاضافة الى ذلك، فقد عاصرت حركة أبولو نماذج أدبية جديدة، عرفتها الأقطار العربية. فقد شهد لبنان في الثلاثينيات انبعاث حركة الشعر الرومانسي الغربي على نحو ما نجد عند الياس أبي شبكة وانفعالاته أمام الحب والطبيعة، كما شهد انبعاث حركة الشعر الرمزي الذي عرف عند شعراء فرنسا وأدبائها، وهو مذهب يقوم على الغموض والإبهام الشديد مع العناية بالألفاظ وصقلها على نحو ما نرى عند سعيد عقل ويوسف غصوب. وقد أحدثت هذه النماذج المختلفة، وكثرة ما كتب عن الشعر الغربي، ضربا من الاختلاط في نفوس شعراء أبولو، فلم نعد نرى ظهور الاتجاه الواضح المحدد، كما كنا نعهد لدى حركة الإحياء أو لدى حركة الديوان، بل غدا أمرهم الى تعدد في الاتجاهات والنزاعات، كما غدا شعرهم الى نماذج لا حصر لها. الاختلاط إن أحمد زكي أبو شادي، وهو مؤسس مدرسة أبولو والأمين العام لهيئتها، كان شعره، بدواوينه المعروفة، أشبه بدائرة معارف شعرية. ففيه من شعر الطبيعة ما فيه من شعر الأسواق والمدن والاجتماعيات والمناسبات. فبينما يتحدث أبو شادي عن التاريخ العربي والآثار القديمة، نراه يتحدث عن الباعة في الأسواق، »وبينما يتجه اتجاها وطنيا أو قوميا، إذا هو يتجه اتجاها فرديا. وبينما يتكلم في الإنسانيات والمثاليات، إذا هو يهبط الى سفح الحياة. فهو لا يستقر في موضوع ولا في اتجاه، بل يجري في كل الأنحاء حتى في لغته، فبينما يحافظ على الاطار التقليدي في بعض قصائده، يتخلى عنه مستخدما أسلوبا ضعيفا يحشوه بكلمات عامية. ومن هنا كانت شخصيته في شعره مشتتة لا ضابط لها ولا نظام، مع أنه كان مثقفا ثقافة واسعة بالآداب الغربية«. وأبو شادي نفسه، يشرح مذهبه في الشعر فيقول في حديث له: ان مذهب الشمول هو مذهب الوسط الذي ندين به ونطبقه على أنفسنا قبل غيرنا، وهو مذهب الإيمان بترقرق الشعر في كل شيء إذا وجد من يقطفه ويؤلفه. وهو مذهب لا يحد من ضروب الشعر موضوعا ولا أسلوبا« كما يقول في مكان آخر من حديثه: ان أساليب شعري كأساليب فني التصويري متعددة... وليس من مذهبنا أن نغفل الشعر الكلاسيكي القديم أو المجدد.. إننا ندافع عن حرية الشعر المطلقة موضوعا وتعبيرا. ندافع عن هذا الفن الرفيع، الذي متى بلغ الذورة بإنسانيته وبقيادته الجريئة الحرة، كان الرائد لحركات الإصلاح والتطهير والتسامي«. والحق أن أبا شادي زعيم مدرسة أبولو، قد اختلف فيه الناس اختلافا كبيرا، وتضاربت في أمر شاعريته الآراء. فقوم يقررون شاعريته، ويقولون إنه من أقدر شعراء الجيل الجديد، وقوم آخرون ينكرون عليه هذه الشاعرية، ويزعمون انه لا يراعي حرمة اللغة ولا يحافظ على رونق الديباجة العربية.. والواقع ان شاعرا كأبي شادي حقيق ان يثير مثل هذه الضجة، ذلك لأنه فاجأ الطبع العربي في جرأة عجيبة. وسيظل أبو شادي زعيم أبولو، مدرسة بنفسه مستقلة عن المدارس المألوفة، وإن جمع في شعره خصائص كثيرة معروفة بين المدارس المختلفة. انها مدرسة الواقعيين المعبّرين عن حقائق الحياة في صور صادقة من العاطفة والفكر والأدب. وإذا كان أبو شادي، صاحب الثقافة الواسعة بالآداب الغربية، لم يستطع أن ينضوي تحت لواء مذهب من مذاهبها، كما انه لم يستطع أن ينسجم مع أي تيار من التيارات العربية السائدة في عصره، سواء في مصر أو في لبنان وسوريا والعراق، انسجاما كليا، يفرغ فيه جهوده وطاقاته وإبداعاته، غير اننا نلاحظ ان بعض أصحابه في أبولو، كانت تغلب عليهم نزعات أدبية ذات صفة تجريدية طبعت آثارهم بطابعها، فعرفوا بها وعرفت بهم. فشاعر أبولو إبراهيم ناجي، ارتبط ارتباطا شديدا بنفسه، كما ارتبط بالمنزع الرومانسي الغربي الذي ارتبط به من قبله الجيل الجديد، والذي ظهر في انكلترا ثم في ألمانيا وفرنسا، ثم في إسبانيا وإيطاليا. والتيار الفلسفي الذي قامت عليه الرومانسية، هو التيار العاطفي. وجمهور الرومنسية هم الطبقة الأرستقراطية، ومن ثم نهضت الطبقة الوسطى في ظل الرومانسية، وبدأت تسترد حقوقها ومكانتها. وقد تلخصت دعوة الرومانسية التي عرف بها شعر إبراهيم ناجي، بضرورة تحطيم القيود الكلاسيكية ومحاولة التجديد ولو كان ذلك بالخروج عن المألوف. كذلك دعت الرومانسية الى ترك المدينة والذهاب الى الريف والعناية بالطابع الشخصي وما يتبعه من ألوان العواطف والشعور، وضرورة التحرر من العالم المادي الى العوالم المثالية. كذلك الدعوة الى البساطة في كل شيء، في التفكير والتعبير، وترك النفس على سجيتها واتباع الفطرة والطبع الخالص. وهذه الأمور اقتضت من الأديب الرومانسي ان لا يستوحي إلا نفسه وإلهامه وذوقه وصدى عاطفته. كما أصبح يستلهم أدبه من الطبيعة والعواطف الانسانية. ويبدو ان ناجي كان شديد الالتزام بالرومانسية وشروطها الفنية. فشعره وجداني، يصور نفسه وانفعالاته. أما نفسه فهي ظامئة دائما الى الحب، بل هي ملتاعة، لأنها تخفق في حبها. وهو لذلك يصرخ صرخات حادة، هي صرخات الهزيمة. وهي هزيمة تلقاه في كل جانب، في الحب والصداقة والعلاقات الاجتماعية. فإبراهيم ناجي كان أكثر شعراء أبولو تجديدا، لأنه كان رومانسي الطابع. وقد تكون معرفته الوثيقة بآداب الرومانسيين هي التي هيأت له ذلك. فقد كان يدمن قراءة الآثار الغربية، فتعلق بهذا الاتجاه، وظل ينميه. ومن أجل ذلك، تتضح شخصيته في شعره تمام الوضوح، بجميع ملامحها العاطفية، وقسماتها الوجدانية. وهي شخصية شاعر مجروح، دائم الأنين كثير الشكوى. وأكثر ما كان يشكو منه، هو إفلات سعادته منه بصورة شديدة الحزن. أما علي محمود طه، وهو أحد شعراء أبولو البارزين، فقد كان يعرف أطرافا من الآداب الغربية، ولكنه لم يكن يتعمقها، إذ كان حظه من معرفة اللغات الأجنبية محدودا، ومع انه ترجم من الشعر الفرنسي بعض نماذجه، إلا أن معرفته بهذا الشعر كانت ضئيلة جدا، ولذلك لم يستطع أن ينفذ الى مذهب فني يتبنّاه أو يحتذيه. واشتهر علي محمود طه بالوصف والتصوير، بالاضافة الى قصائده في الحب والجمال والوطنية. وقد اتسم شعره في الجملة بالطابع التراثي وبالأصالة، والشخصية الملهمة، وبالروح الغنائية الأخاذة وحرارة العاطفة الخالدة والذهن المشتعل والصوفية الحالمة، والذاتية المستقلة. الى ذلك، فقد أُعجب طه بموسيقى شوقي الرائعة، وسمع أو عرف ان أصحاب المذهب الرمزي في فرنسا، يعنون عناية واسعة بانتخاب الكلمات الشعرية ذات الرنين، فاستقر ذلك في نفسه، وإن لم يستقر المذهب بتفاصيله وأعماقه وجذوره عنده، كما استقر عن سعيد عقل مثلا، وإنما استقر ظاهره الخارجي فقط. ومرد عدم استقرار طه على المذهب الرمزي رغم انغماسه بتجربة الرمزيين، هو انه قرأ أدب الرومنسيين وتأثر الى حد ما بمدرستهم وما خلفته في الأدب من تعبير واضح عن الذات الإنسانية، وفناء في الطبيعة والحياة داخل الكل على حد تعبير »غوته«. كما قرأ الأدب الإغريقي والأساطير اليونانية والفرعونية وتأثر بذلك تأثرا واضحا. والشاعر »الأبولي« علي محمود طه لم يكن ينظم شعر الحب والجمال، ولم يكن ينظم الشعر الرمزي أو الرومنسي وحسب، وإنما نظم مجموعة عظيمة من الأشعار سجل فيها الكثير من القضايا الوطنية والمناسبات القومية. ونحن نجد في دواوينه الكثير من القصائد التي تصور الوطنية والكفاح، وتدعو العرب الى اليقظة والتحرر والتمسك بالعروبة والوحدة العربية والتكاتف والتآلف والانصهار في بوتقة الوطنية والقومية. وهذا إذا دل على شيء، فإنما يدل على عدم التزامه بمذهب واحد من مذاهب الأدب، رغم طغيان الطابع الرمزي على شعره، حتى أصبح يعرف به أكثر مما يعرف بغيره من المذاهب الأدبية. وبالنسبة لصالح جودت فقد مزج الشاعر في معظم قصائده، بين الحب من جهة وجميع الأغراض التي كتب فيها من جهة أخرى. وكان يؤمن بأن الشعر موسيقى، ولهذا آثر شعر شوقي على كل شعر، وتأثر بموسيقاه، وكان يحفظه عن ظهر قلب. فكان ان غلبت الموسيقى على كل شعره، وغدت في عمله الفني مرتكزا أساسيا من مرتكزاته، فكانت بالنسبة له أهم من التصوير الذي هو شرط أساسي من الشروط الفنية لدى مدرسة أبولو. باختصار، فقد تأنق صالح جودت في أسلوبه وصوّره غاية التأنق وكذلك حافظ على صياغته الكلاسيكية العمودية، مع اللمعة الذكية التي تسعفه في المناسبات الوطنية أو القومية الكبرى. فشعره اتسم بعد عدوان 1956 مثلا بالوطنية الفياضة، وقد كان قبل ذلك، عاطفي النزعة في أكثر تجاربه الشعرية. ولهذا يمكن لنا ان نقول إن ميزان شعره يتعادل في يديه بين العاطفة والوجدان والقومية. أما صياغته الفنية، فقد كانت جزءا أصيلا من لغة الشعب. وكما نوّه أبو شادي زعيم مدرسة أبولو بموسيقاه وروحه الشعرية، فقد نوّه مصطفى عبد اللطيف السحرتي بأسلوب صالح جودت السهل اللين المطواع العذب والموسيقيّ. في حين أن الدكتور محمد مندور وجد في أسلوبه الشعري ملامح من إسماعيل صبري في الحديث، وملامح من ابن أبي ربيعة في القديم. الالتباس حقا ان شعراء أبولو بزعامة أبي شادي كانوا يشكلون بمجموعهم عناصر مدرسة فنية، يمكن أن تكون متميزة عن مدرسة الديوان بزعامة المازني وعن مدرسة الإحياء أو البعث بزعامة البارودي. كما يمكن أن يشكلوا بمجموع تجاربهم المتمايزة في ما بينها عناصر مدرسة مميزة. وهذا الشيء الجديد الذي يمكن أن يكون قد عرفت به، لا سيما أننا اليوم على مسافة نصف قرن تقريبا من تأسيسها أو غيابها لا فرق، لأن عمرها كان قصيرا جدا وهو محصور بين عامي 1932 عام التأسيس و1936 عام إغلاق مجلة أبولو ورحيل أبو شادي عن القاهرة الى الاسكندرية بسبب التسييس. ولهذا فقد ظلت تجديدية »أبولو« ملتبسة علينا. فهي لم توحد شعراءها في إطار فني واحد، ولا استطاعت أن تجمعهم على مبادئ وشروط، يشكل الالتزام بها الحد الأدنى من التلاقي في بوتقتها. كذلك فإن شعراءها الذين طبع شعرهم ببصمات الرومانسية أو الرمزية أو الكلاسيكية المحافظة أو المعتدلة، لم يتعمقوا التيار الذي طغى على شعرهم، بل كانت لهم تجارب تلامس حدود التيارات الأدبية الأخرى التجديدية أو التقليدية أو المحافظة على حد سواء. فأبو شادي زعيم أبولو، كانت حياته الفنية غائمة في عينه، فلم يستطع تبيّنها، بل دار يبحث عنها في كل مكان. كذلك فإن إبراهيم ناجي، الشديد الانغماس في التجربة الرومانسية، كان حريصاً على الكلاسيكية المحافظة، المتمثلة في عمودية القصيدة، مع احتفائه بالأصالة والبساطة. وبدا شديد التأثر بمهيار الديلمي والبحتري والشريف الرضي وابن الفارض، مما جعله ينأى عن الالتزام بشرط الرومنسية فنيا على الأقل. أما علي محمود طه الذي إذا قرأت قصائده فوجدتها عقودا تتلألأ من الألفاظ الخلابة، فإنك في الوقت نفسه، سوف لن تجد تحت ذلك بنية فكرية عميقة ولا حتى غامضة، كفكر الرمزيين، ذلك لأن فكره مجلو مكشوف لا يستر أي شيء وراءه وهو وإن استطاع أن يحافظ على نمط من الجمالية المشعة، غير انه لم يرق الى جمالية سعيد عقل. ولعل ذلك هو السبب الحقيقي في انه ظل يتخبط ويتعثر في تجربته الشعرية. فإن اتصف بصفات الرمزيين بشكل عام، غير انه لم يكن شاعرا رمزيا مكتفيا بها. وصالح جودت، على رومانسيته التي عُرف بها، فوّض هو الآخر في جميع مدارس الشعر ومذاهبه وتياراته، وهو بالتالي لا يمكن أن نسحب نتاجه الفني على مسطرة واحدة، أو على شروط مدرسة بعينها. وهذه الحقائق، بجملتها، هي التي جعلتنا نقول إن التجديدية عند الأبوليين، لم تكن جلية واضحة، لا في دفتر الشروط ولا في دفتر التطبيق. وهي على العكس من ذلك تماما، كانت شديدة الالتباس، حتى بات أحدنا يتساءل، وهو على حق في تساؤله: هل كانت أبولو تجديدية أم كانت تقليدية محافظة. أم كانت معتدلة (بين بين). وبنظرنا كانت أبولو في برهة تأسيسها ملتبسة في نشأتها الفنية، لأنها كانت مساومة على التجديديين والتقليديين والمعتدلين على حد سواء. وهي ظلت كذلك طيلة عمرها القصير الذي لم يتجاوز السنوات الأربع، فانسحبت من السوق، بسبب هذا الالتباس الذي طغى عليها. وظل الأبوليون بعدها، كما كانوا في عهدها، كل يغني على ليلاه دون أن تجعل منهم أسرة فنية موحدة ولو ببعض الشروط! قصي الحسين