As Safir Logo
المصدر:

تظاهرة الفيلم القصير في »المركز الثقافي الفرنسي« متاهات العزلة والأشباح في الأفلام الفرنسية والحرب والمجتمع في اللبنانية

سهل لناتالي سيرو
شكرا ناتكس لايلي خليفة
المؤلف: جرجورة نديم التاريخ: 2000-03-27 رقم العدد:8561

أحيت »البعثة الثقافية الفرنسية« في بيروت، بالتعاون مع »أفلام يونيفرانس الدولية«، »ليلة الفيلم القصير«، بين الرابعة والنصف من بعد ظهر السبت (25 3) والرابعة فجر الأحد (26 3)، في »صالة مونتاني« في »المركز الثقافي الفرنسي«، بحضور طلاب جامعيين وسينمائيين شباب ومخضرمين، الى وجوه ثقافية وفنية واعلامية، ومهتميّن. بدأت »الليلة...« مباشرة، من دون إلقاء كلمات احتفالية غالبا ما تكون عامة، في تظاهرات شبيهة؛ وعُرض خلالها خمسة وعشرون فيلما فرنسيا، من بينها أعمال مغاربية ذات انتاج مشترك مع فرنسا؛ وسبعة أشرطة مصرية، اختيرت بالتنسيق مع قسم الخدمات الثقافية في السفارة الفرنسية في القاهرة؛ وثلاثة انتاجات لبنانية حديثة. علما أن معظم هذه الأفلام حاز جوائز متنوّعة من مهرجانات عربية ودولية مختلفة. ارتدت »ليلة الفيلم القصير« أهمية كبيرة، كونها قدّمت أنواعا من المعالجات الدرامية والفنية والثقافية، في اطار تقنيات الفيلم القصير؛ وساهمت في ايجاد حيّز مطلوب في المشهد اللبناني: السعي الدائم الى تنويعات النتاج البصري، شكلا ومضمونا؛ وبلورة أدواته الفنية ومقوّماته الثقافية. ففي ظل نشاطات محلية تقدّم احتفالات سينمائية بالنتاج الوثائقي، مثلا، أو بأفلام الشباب والطلاّب المتخرّجين؛ بدت »الليلة...« وكأنها تحاول تفعيل تواصل ضروري، ليس فقط بين نتاجات عربية وأجنبية وبين المتلقّي اللبناني؛ بل أيضا بهدف تطوير لغة التعبير الابداعي للشريط السينمائي القصير، باكتشاف معطياته التقنية وامكانياته البصرية. على الرغم من ذلك، فإن »الليلة...« نفسها أثارت تساؤلات لدى البعض، نسوقها هنا في معرض النقاش وطرح الأسئلة؛ ذلك أن كثرة الأفلام المشاركة وتوقيت عرضها كلّها على مدى اثنتي عشرة ساعة، أدّى الى امتلاء الصالة، الى درجة لم يتمكّن معها كثيرون من مشاهدة الأفلام. لذا، ألم يكن ممكنا عرض الأفلام في برمجة تمتد على يومين، مثلا، مما يتيح اعادة عرضها لمرة ثانية على الأقل، كي يتسنّى للراغبين مشاهدتها؟ خصوصا وأن ثمن البطاقة الخاصة بكل جلسة، زهيد، يتلاءم مع امكانيات الجميع، مقابل تقديم عدد من الأفلام في كل واحدة من الحفلات الأربع؟ مثل هذه الملاحظات تنبع من الحرص على انجاح تظاهرة »ليلة الفيلم القصير«، وهي تقام للمرة الثانية في بيروت؛ بصرف النظر عن مدى التزام كل الأعمال المشاركة بالشروط التقنية والبصرية والفنية والثقافية. أفسحت »الليلة...« المجال أمام المهتمين بالفن السابع للاطّلاع على تجارب روائية قصيرة، أثار بعضها اعجابا وتقديرا، في حين أن بعضا آخر تطلّب نقاشا نقديا. نقاش فني لبناني بدأت »ليلة الفيلم القصير« بجلسة وُصفت في الكرّاس الاعلامي بأنها »مفاجأة«، عُرض خلالها شريطان مصريان: »آخر النهار« لأحمد ماهر (1996، 42 دقيقة) و»طيري يا طيارة« لهلا خليل (1996، 34 دقيقة). الأفلام الأخرى عُرضت في أربع جلسات، تخلّلها حفل كوكتيل التقى أثناءه بعض المشاهدين بالمخرجين الفرنسيين دلفين غليز (»أضغاث أحلام« و»أبناء زنى قذرون«) وفرنسوا بيرو (»1652«). يُذكر أن ثلاثة أفلام لبنانية فقط عُرضت في الجلستين الثانية والثالثة: »الدوش« لميشال كمون و»مبروك مجدّدا« لهاني طمبا و»شكرا ناتكس« لإيلي خليفة؛ علما أن جديد فؤاد عليوان، »الليلة الزرقاء« (1999 26 دقيقة) لم يعرض كما كان مقررا. أثبت السينمائيون اللبنانيون الشباب قدرة فنية وثقافية على امتلاك أدوات تعبير متميّزة، وعلى ابتكار أشكال مختلفة، تعكس الهواجس من دون ادّعاءات أو مواربة خبيثة، وتسعى الى قراءة الذات والواقع بأساليب تحث على النقاش الحياتي والنفسي والاجتماعي. أفلام تتحرّر من سطوة المباشرة في تشريحها الجمالي، وتختار حكايات تصنع حضورها بلغة شفّافة وحادة، تكشف ما تضمره بسياق درامي يرتكز على سيناريو (ذكي، غالب الأحيان)، وعلى بناء روائي متماسك؛ وتوحي بما تحمله في طيات نصها، من دون تسرّع أو سطحية، بل بتوازن لافت للنظر بين الشكل والمضمون. مثل هذه الأفلام تميّزت، أيضا، بمعاينتها نبضا انسانيا حيا، بخلفياته المتنوّعة، من دون تلقين أو مباشرة. ميشال كمون رسم، في »الدوش«، صورة الصراع الدائم بين الحياة والموت، عبر شخصية رجل (أدّى الدور ريمون حصني بشكل متيمز) ما ان يدخل الحمام حتى تنقض عليه المياه من كل صوب؛ تلك المياه التي ترمز الى نبع الحياة، والقادرة في الوقت نفسه على »قتل« طالبها. هاني طمبا استعاد في خلفية معمقة فصلا من الحرب، حين جعل الزوجين اللذين اقترنا في واحدة من لحظاتها المجنونة، »يتزوجان« ثانية من أجل التقاط الصُور الفوتوغرافية، التي لم يتسنّ لهما التقاطها بسبب شدة المعارك. كأن المخرج أراد، بكل ذلك، توظيف الهاجس الانساني في بحثه عن معنى العلاقة بالذاكرة والواقع والحاضر. أما ايلي خليفة، فكان ناقدا ساخرا وحادا في تصويره سلطة التلفزيون (الاعلام المرئي) على العقل الانساني، في »شكرا ناتكس«، ثاني روائي قصير أنجزه مع الكسندر مونييه، بعد »تاكسي سرفيس«. واقع انساني فرنسي على نقيض ما يوحي به عنوان فيلم ناتالي سيرو، »سهل«، فإن المسألة أصعب مما يُمكن أن يتصوّره المرء. واذا بدا الجميع غير مبال بمضمون »الكلمة التعبير« المطلوب منه قولها بإحساس فاقع، فإن البحث عن الجواب يبقى ملتسبا في طيات النزاع الانساني الداخلي بين القول والعقل، بين امكانية التعبير وحقيقة المشاعر. ذلك أن الاعتراف بالحب لا يعني (دائما) الاحساس به، والتلفّظ بهذه الكلمة التعبير (أنا أحبك) لا يكون (دائما) انعكاسا شفّافا لما يعتمل في الذات. هذا ما يصوّره الفيلم الذي كتبته سيرو ومثّلت فيه الى جانب صوفي مونيكو: امرأتان تجلسان في قاعة كبيرة، خالية إلاّ من طاولة وكرسيين، تستجوبان عشرات الشباب والرجال المصطفين خطا طويلا، ينتظر كل واحد منهم دوره للوقوف أمامهما، والتعبير عن: »أنا أحبك«. نماذج مختلفة ومتناقضة، تعكس استحالة الحب في الكلام، وتصوّر عجز الحبيبين (كل امرأة مع رجلها) عن التفاهم الانفعالي: في المنزل، تتهرّب كل امرأة منها، من سؤال الحبيب عن مدى حبها، في حين أنهما معا في الغرفة الخالية، تفرضان »أصدق« ما يُمكن من التعابير. ألكسندر غافراس اختار مادة مختلفة تماما، في »قاتل الأسماك الصغيرة« (كتب السيناريو عن فكرة لبرنار وربر): حياة جاك مثقلة بأشباح وهواجس كوابيس فرضت عليه استحالة العيش في سلام داخلي وطمأنينة شافية؛ يعمل في المشرحة، لكنه يقتل الأسماك الصغيرة ليستخرج منها مادة جعلته يتحوّل الى كيان بشري يفقد بشرته وجلده ويصبح »وحشا«. لكن المسألة أبعد من ذلك: الأزمة النفسية والعزلة الحادة والتماهي بالأسماك الصغيرة والتلصّص على المرأة الجميلة والهيجان الجنسي المكبوت، عوالم مختلفة تمزّق الذات الى درجة التلف الروحي والجسدي. مع »الابتكار الأخير« (اخراج وتمثيل لولو زازار، سيناريو زازار وفرانك ماين)، ندخل متاهة العزلة الفردية في مواجهتها تحوّلات غير متوقعة؛ يستخدم زازار تقنية بصرية مركبة ومشغولة بأدوات الكمبيوتر، لكنه يشرّح الذات الانسانية في صراعها مع نفسها وعزلتها، عبر رجل تتمرّد عليه أشياء منزله. باسكال لايتييه يستعين برسائل وضعها عاملون في شركات التأمين، ليبني عليها شريطه »حوادث سير«، الذي يروي تفاصيل (تقف في الحد الفاصل بين الألم والضحكة الساخرة، بين الحياة والموت أيضا) عاشها سائقون تعرّضوا لحوادث سير مختلفة. في »أبناء زنى قذرون«، صورة دلفين غليز موقع معاق جسدي وعقلي داخل عائلته التي ينبذه فيها غالبية أفرادها؛ فبن هور (المعاق) يواجه نفورا يصل الى حدود الرفض أحيانا، مقابل رغبة البعض الآخر في احترام مكانته، والتعاطي معه كفرد انساني. تستعد العائلة للاحتفال بزواج الابنة الكبرى، وهي تريد ابعاد بن هور، لكن سردين، الأخت الصغرى، تفرض على الجميع (أو هي تحاول عل الأقل) التعامل معه بطريقة مغايرة، خصوصا وأنه يفترض عليه أن يحتلّ مكان الأب المتوفي، فيرافق العروس الى المذبح.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة