As Safir Logo
المصدر:

التحول الفقهي والتحول الثقافي (3) فقه الموازنات وفقه الأولويات

المؤلف: السيد رضوان التاريخ: 2000-03-24 رقم العدد:8559

I رأى الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه »فقه الأولويات(1)« الصادر حديثا، ان من بين أسوأ ما نزل بالمسلمين في حيواتهم العامة والخاصة إخلالهم بالأولويات، وتقديمهم الأقل اهمية على المهم، والمندوب على الواجب، والكمالي على الضروري. ثم ذكر سبعة مظاهر لهذا الاختلال: إهمال فروض الكفاية المتعلقة بمجموع الأمة مثل جعل الأمة مالكة أمر نفسها، ومثل التفوق العلمي والصناعي والحربي وإهمال بعض الفروض العينية مثل فريضة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والاهتمام ببعض الأركان في الدين من دون البعض الآخر مثل تقديم الصوم على الصلاة والاهتمام ببعض النوافل العبادية اكثر من العناية بالفرائض والواجبات مثل بر الوالدين، ورحمة الضعفاء، ومقاومة الظلم الاجتماعي والسياسي والاهتمام بالفروع من دون الأصول والاشتغال بمحاربة المكروهات على حساب تضييع الواجبات. والحق ان هذه ليست المرة الاولى التي يعرض فيها الشيخ القرضاوي لهذا الموضوع. فقد سبق له ان تحدث في عدد من كتبه في الثمانينيات عن »فقه مراتب الاعمال«، و»فقه الموازنات«. وكان يورد في مجال الاستدلال لاعتبار الشارع له آيات قرآنية (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله، لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين)، ونصوصا من »قواعد الأحكام« لابن عبد السلام، واخرى من عند ابن تيمية وابن قيم الجوزية واخيرا الشاطبي صاحب كتاب »الموافقات« الشهير. اما في الكتاب الاخير فهو يرمي للتقعيد لذلك باعتباره عملا اجتهاديا يرتبط او يتكامل مع »أنواع« اخرى من الفقه: فقه الموازنات، وفقه المقاصد، وفقه النصوص. لكن إذا تأملنا الامر بهدوء نجد ان كل ذلك بما فيه فقه الاولويات هذا مرجعه او سقفه مبحث »مقاصد الشريعة« او فلسفتها التي عني بها الفقهاء الاصلاحيون مطلع القرن العشرين، ثم أهملها الاحيائيون والسلفيون في عودة منهم الى »التأصيل« النصي، بل رأوا في الالتفات للمقاصد محاولة للتفلت من حكم النص ومشروعية. لكن، أيا يكن الامر، فان الشيخ القرضاوي يعني بالموازنات، الموازنة بين المصالح او المنافع وتقديم الأهم منها، كما يعني الموازنة بين المفاسد او المضار وتقديم أخف الضررين، ويعني أخيرا الموازنة بين المصالح والمفساد إذا تصادمت وتعارض بعضها ببعض. من ضمن فقه الأولويات في ما يرى القرضاوي: أولوية الكيف على الكم. وهو يضرب لهذا الاستنتاج أمثلة »كثيرة« من القرآن يتقدم فيها اعتبار الكيف مثل القلة المؤمنة التي تنتصر على الكثرة الكافرة، والعمل المتقن القليل المقدم على العمل الكثير غير المتقن. اما الاستنتاج او الاجتهاد الآخر فهو أولوية العلم على العمل، فعمر بن عبد العزيز يقول: من عمل من غير علم كان ما يُفسد اكثر مما يُصلح. ويضرب المؤلف مثلا على تقديم العمل على العلم سلوك الخوارج الذين أدى بهم جهلهم الى تعصب شديد في التصرف فانصرفوا لقتال أمير المؤمنين علي، واستحلوا دمه باسم الدين. وهذا معنى تقديم أهل الكفاية في المناصب العامة لأن ذلك احرى ان يقوموا بمهامهم على خير وجه بسبب معرفتهم. بيد ان الشيخ القرضاوي يعنيه التأكيد على ضرورة العلم لمن يتصدى للإفتاء وتعليم الناس. وهو هنا شديد الخيبة من الشبان المتحمسين الذين يقبلون على دعوة الناس الى أفكارهم وتعليمهم ما لم يتقنوه هم أنفسهم. بيد ان الشيخ يتجاهل ان هؤلاء الشبان ما فعلوا ذلك ويفعلونه بسبب الحماسة والجهل وحسب، بل للتعديلات التي طرأت على مناهج التفكير والاجتهاد في عصر الصحوة، حينما ساد ما عُرف بمنهج التأصيل. وقد عنى ذلك إمكان العودة المباشرة للقرآن والسنة على سبيل الاجتهاد المرغوب والمطلوب شرعيا! والطريف ان الشيخ يمر مرورا عابرا على قاعدتين: أولوية المقاصد على الظواهر، وأولوية الاجتهاد على التقليد. فالحق ان القاعدة الاولى هي لب الشرع كله في نظر فقه المصلحة وفقهائها. إذ معناها ان الشارع لم يشرع شيئا الا لحكمة، والتعرف إلى الحكمة او المقصد هو الذي يحدد الاولويات (تقديم الضروري على الحاجي، والحاجي على التحسيني او الكمالي)، عن طريق إجراء الموازنة المطلوبة من أجل الوصول لذلك. ولأن الكتاب موجه الى ذوي الثقافة الدينية، فان الشيخ القرضاوي يعطي »الأولوية« للمسائل الفقهية على الرغم من متابعة ابن الجوزي في نقده لأؤلئك الذين لا يهتمون الا بالفقه، اي بالفروع. فالأصول عنده مقدمة في كل الاحوال، ولا يجوز وضع »التقنية العملية« في مواجهة الاصول المفروضة او الضرورية. ففروض الأعيان مقدمة على فروض الكفايات، وحقوق العباد مقدمة على حق الله المجرد (تقديم وفاء الدين على الحج)، وحقوق الجماعة مقدمة على حقوق الأفراد. وفي مجال مقارب يصل المؤلف الى بحث طريف يتعلق بالموازنة بين »أنواع الكفر«! فهناك كفر مطلق هو أفظعها، ثم هناك كفر الشرك، فكفر النفاق، فكفر العصاة. والعصاة هؤلاء يظلون من المؤمنين حتى لو كان بينهم من هو تارك للصلاة او للصيام او للحج دونما استخفاف او إحلال. أوردت هذه الأمثلة على اجتهاد القرضاوي انطلاقا من فقه الاولويات للتعرف إلى منهجه المتجدد في معالجة المسائل العامة. وقد بدأ بذلك فعلا في النصف الثاني من الكتاب. فقد افتتح الحديث عن »أولويات الاصلاح« بإيراد القاعدة القائلة بتغيير الأنفس قبل تغيير الأنظمة. وهو يقصد بذلك ان الاسلاميين تسرعوا في طلب التغيير السياسي ولو بالعنف، بينما كان الامر يقتضي تدريبا وتعلما وإفادة من التجارب. فالنبي(ص) نفسه أقام بمكة ثلاث عشرة سنة مربيا، قبل ان يصير الى السياسة العملية في الفترة المدنية التي لم تستغرق اكثر من عشر سنوات. وفي هذا المجال يتحدث الشيخ للمرة الاولى بصراحة عن تقديم التربية والاعلام على التطبيق القانوني للشريعة. وهو لا يعلل ذلك بالاختلاف على فهم الشريعة، بل بالصورة السائدة عنها باعتبارها حدودا ومحرمات وتغريرات. II كتاب الشيخ القرضاوي هذا هو كتاب تسوية، ودعوة للتبصر والاعتدال. ولذلك يعلو فيه نفس الداعية على نفس المفكر او الفقيه. وهذا شأن كثير من كتبه، وشأن اكثر كتب الشيخ محمد الغزالي. وهو بهذا المعنى مهم للموقع المتميز الذي يحتله القرضاوي ضمن الحركة الاسلامية او حركة الصحوة منذ ثلاثة عقود ونيّف. وقد فصّل في مواطن أخرى مثل فتاويه، و»فقه الدولة«، و»الاجتهاد المعاصر«، و»شريعة الاسلام« ما أوجزه هنا. هناك قال بالتعددية السياسية والحزبية، كما قال بالحريات الأساسية للمرأة، وبأن النظام السياسي في الاسلام ذو طبيعة تعاقدية. ووصل به الامر في »الاجتهاد المعاصر« الى مواجهة سيد قطب بشكل مباشر عندما لم يُجز تسمية حالة المسلمين اليوم حالة جاهلية، بل رأى ان بعض المظاهر النافرة انما تعود للجهل لا للكفر او الجاهلية! وقد أفضى بالشيخ القرضاوي الى ذلك كله تطور طويل المدى في توجهاته ثم في آرائه التفصيلية. فقد بدأ إحيائيا وتأصيليا عالي النبرة في سلسلته »حتمية الحل الاسلامي« التي لم تفترق كثيرا عن التوجهات العامة لسيد قطب. وحتى دراساته الفقهية مثل »مشكلة الفقر«، و»الحلال والحرام« و»فقه الزكاة« في الستينيات كانت عالية الصوت في مواجهة الشيوعية والليبرالية على حد سواء. ومع ان مؤلفاته الحالية وكلماته لا تخلو من حملات على الملاحدة والماركسيين والغرب الظلامي، فانه انصرف منذ اواخر السبعينيات الى »ترشيد الصحوة«، اي التنبيه الى مخاطر التطرف باسم الاسلام، ثم اندفع لتشجيع الاسلاميين على المشاركة في الحياة العامة بتبني موقف وسطي يجمع كما قال بين الأصالة والمعاصرة، وبين الشورى والديموقراطية، وبين التشدد العقدي والانفتاح الاجتماعي والسياسي. على ان اجتهاداته ما تزال تئن تحت وطأة تأصيلية الستينيات وتحسيديتها. فقد كان أول من ترجم شعار الدولة الاسلامية والنظام الاسلامي الى معادلة حسابية تقول: الدولة الاسلامية= تطبيق الشريعة. وهو اليوم شديد الانفتاح في فقه الأفراد، والفقه السياسي، لكنه لم يتخل عن منهج التأصيل، ولم ينتبه الى النزعة الصراعية والفصامية والايديولوجية لشعار تطبيق الشريعة. فحتمية الحل الاسلامي في الستينيات (حقبة الحرب الباردة العربية بحسب تعبير مالكولم كير) كانت اجابة على حتمية الحل الاشتراكي، تماما مثلما كانت دعوة الحلف الاسلامي، اجابة على دعوة الوحدة العربية. هكذا كان الاسلاميون تحت وطأة الحصار والتوظيف يحوّلون الاسلام الذي نعرفه من »نمط حياة« الى ايديولوجيا نضالية بما يترتب على ذلك من تغيير في ادراك »الشريعة« باعتبارها دوغما او قانونا »إلهيا« (= شريعة السماء) في مقابل قوانين الأرض »الوضعية« (= الطاغوت). لكن الأخطر من هذه الأدلجة، المرجعية الجديدة التي انتزعت لنفسها حق »تحديد الشريعة« والامساك بها. انهم المستنفرون المتحمسون الذين اعتبرهم الشيخ القرضاوي في ما بعد جهلة ومتطرفين. لكن نهج التأصيل أداة سهلة الهضم والاستعمال: تنطلق الى القرآن فتحفظ آيات في الحكم والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم تمضي فتسوط بها »المسلمين« الذين لم يعودوا كذلك منذ غادروا فهمك وإدراكك للشريعة ومقتضياتها. ولقد انقضت الظروف التي أنتجت التأصيل، كما أنتجت هذه الأيديولوجيا في فهم الشريعة. لكن نزعات التأصيل ما تزال قوية، كما ان الفهم المستجد للشريعة ما يزال سائدا. فما يدعو اليه الشيخ القرضاوي منذ عقدين هو الهدوء والتدرج والمشاركة ومراعاة أحكام الضرورة وعدم اللجوء للتكفير وبالتالي عدم اللجوء للعنف. وهذا معنى حديثه الطويل في »فقه الأولويات« عن أنواع الكفر؛ فليس كل مذنب او عاص حلال الدم او مرتدا. اما الموضوعة الاساسية التي تعتبر الدولة غير اسلامية حتى تطبق »الشريعة« دونما إيضاح لماهية الشريعة، فما تزال قوية بل سائدة. والواقع ان المسألة تتعلق بالمعنى العميق بالمشروعية: ما الذي يهب المجتمع والدولة في أعرافنا وفقهنا نحن المسلمين، مشروعيتهما؟ لقد ارتعد المتدينون من المسلمين لزوال الخلافة عام 1924 برغم انها كانت قد فقدت كل سلطة، لأنها ظلت رمزا للمشروعية. وقد تعثر الفكر الاسلامي المعاصر طويلا حتى وجد مشروعية اخرى غير شخصنة في فرد او مؤسسة (أي لا يمكن الامساك بها بالسلب او الايجاب) وهي الشريعة. لكن ذلك لم يتم في ظروف عادية، بل في ظروف الانقسام التي ذكرناها. وهكذا تبقى مجتمعاتنا في نظر الاسلاميين دونما مشروعية ما دامت لا تطبّق الشريعة حسب فهمهم لها. بيد ان هذا الفهم المؤدلج للشريعة والمشروعية ما كان أبدا فهم العلماء ولا فهم عامة المسلمين. فالجماعة معصومة بعصمة الاسلام، وهي التي تحتضن الشريعة التي هي الاسلام نفسه (مجموعة من الرموز والشعائر والأعراف والأحكام ووجوه التواصل والتمايز والعيش)، ولذا فان المشروعية بداخلها وفي بقائها وحركتها وانتصاراتها وهزائمها لا يثبتها عدل عادل ولا يزيلها جور جائر، شأنها في ذلك شأن الايمان يزيد وينقص لكنه لا يزول. اما عند أبي حنيفة فانه لا يزيد ولا ينقص! والواقع ان هذا التوجس من زوال المشروعية ما بدأ لدى الاحيائيين (الذين يقدمون لهوية الهوية)، بل نعرف بداياته لدى الاصلاحيين في مثل المأثور عن الإمام محمد عبده او غيره من أنه رأى في فرنسا إسلاما ولا مسلمين، وفي مصر مسلمون ولا إسلام! ان اولى اولويات الحركة الاسلامية (ما دمنا نتحدث عن فقه الاولويات!) ينبغي ان تكون الخروج من هذا الفهم للشريعة، ومن هذا الفهم للاسلام، الاسلام الذي لا ينفصل عن المسلمين وحسب، بل يقف في مواجهتهم مشككا ومهددا بالردة والكفر، وفي أحسن الحالات: ضعف الدين او العصيان! اما منهج الشيخ القرضاوي الفقهي فما يزال انتقائيا يراوح بين التأصيل وفقه المقاصد، بحيث تبدو الطريقة القياسية الكلاسيكية مجرد أداة تقنية تستخدم احيانا ويجري تجاهلها في غالب الاحيان لصالح التأصيل. وقد أثبت الاصلاحيون وبعض المعاصرين أنه يمكن استخدام النهج القياسي (مسالك العلة، وبحوث تحقيق المناط وتنقيحه) بطريقة فعالة من أجل ضبط المنهج المقاصدي. ولا شك في ان علم الأصول القديم يمكن ان يكون مفيدا في ضبط التأصيل أيضا، لكن بعد ان يخرج التأصيل من الدوغمائية والايديولوجيا واعتبار النص صانعا للواقع او نابذا له.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة