تركز »تبادل الآراء« مؤخرا في قضية توقيع نائب رئيس مجلس الوزراء على بعض المراسيم، على جوانب تاريخية وعرفية بعد أن كان قد بدأ بالاستناد إلى نصوص وأحكام. وفي إطار هذا التبادل تثبت الوقائع التاريخية انه من بين إحدى وثمانين حكومة تشكلت في لبنان حتى اليوم باستثناء ما يعرف بحكومة العماد ميشال عون كانت سبع وأربعون منها تضم في تشكيلتها نائبا لرئيس مجلس الوزراء أي ان حوالى 40 في المئة من الحكومات اللبنانية كانت تفتقر الى وجود نائب للرئيس مقابل حوالى 60 في المئة حظيت تشكيلتها بوجوده. ومن الوقائع الثابتة أيضا ان بعض من كان نائبا لرئيس مجلس الوزراء في الحكومات المتعاقبة قد وقع على بعض المراسيم بالإنابة أو بالوكالة عن رئيس الحكومة وإن كان عدد هذه المرات قليلا جدا. ومن الحقائق في هذا المجال أيضا ما يتعدى إنابة الرئيس الى وجود رئيس بالوكالة، إذ ان الحكومة الأولى التي تشكلت بعد صدور الدستور اللبناني سنة 1926 كانت برئاسة اوغست باشا أديب الذي تعيَّن وكيل عنه هو وزير الداخلية بشارة الخوري (رئيس الجمهورية لاحقا) وذلك عندما اضطر الرئيس الأصيل الى السفر خارج البلاد. كما أن الرئيس الدكتور سليم الحص كان قد سُمي بعد استشهاد الرئيس رشيد كرامي في أول حزيران سنة 1987 رئيسا للحكومة بالوكالة. فهل يمكن القول إن هذه الوقائع التاريخية تشكل أعرافا بمكانة النص أو تعدل نصا؟ من الثابت ان شرط تكوين عرف ما ان يتكرر بصورة غير متقطعة، وفي هذا المجال يمكن الإشارة الى ان ظهور أول نائب لرئيس مجلس الوزراء كان في حكومة الرئيس أحمد الداعوق التي تشكلت في أواخر سنة 1941، ومن بين أعضائها نائب الرئيس فيليب بولس. إلا أن حكومة الرئيس الحاج حسين العويني التي تشكلت في شباط سنة 1951 لم يتضمن مرسوم تشكيلها وجود نائب لرئيس الوزراء وكذلك حكومة الرئيس خالد شهاب في سنة 1952، وحكومة الرئيس صائب سلام سنة 1953 وحكومتا الرئيس عبد الله اليافي في سنتي 1953 و1954 والحكومات الثلاث التي شكلها الرئيس سامي الصلح في سنوات 1956 و1957 و1958 وحكومتي الرئيس رشيد كرامي في 1958 و1965 و1966 وحكومة الرئيس عبد الله اليافي سنة 1968 وحكومة الرئيس رشيد كرامي سنة 1975. كما أن العرف لم يكن ثابتا ومستقرا لجهة مذهب نائب رئيس مجلس الوزراء. فنائب رئيس مجلس الوزراء في حكومة الرئيس رشيد كرامي التي تشكلت في 30 نيسان سنة 1984 كان الرئيس كميل شمعون الماروني. وكذلك كان نائب الرئيس في حكومة الرئيس سامي الصلح التي تشكلت في 27/7/1942 (موسى نمور ماروني). أما في حكومة الرئيس رياض الصلح التي تشكلت في 14/12/1946 فكان الرئيس صبري حمادة الشيعي وفي حكومة الرئيس فؤاد شهاب التي تشكلت في 18/9/1952 فكان الرئيس ناظم عكاري السني. ان هذه الاستثناءات التي »تقطِّع« تكرار حالة معينة بالنسبة لنائب رئيس مجلس الوزراء ووجوده في التشكيلة الحكومية لا تمنع القول بأن أكثرية من تولوا مهمة نائب رئيس مجلس الوزراء كانوا من الأرثوذكس وان أكثرية الحكومات كان بين أعضائها نائب لرئيس مجلس الوزراء. ولكن هذا الواقع لا يمكن أن يتجاهل مسألة لا ترتبط أصلاً بتكوين العرف شكلاً وإنما في مضمونه والغاية المتوخاة منه. فعندما تتشكل حكومة من دون أن يكون من بين أعضائها من يحمل صفة رئيس مجلس الوزراء، هل يمكن ان تكون حكومة غير دستورية أو ناقصة كما يكون الأمر فيما لو تشكلت حكومة لا يسمى منها من تناط به وزارة الداخلية أو الأشغال أو العمل؟ بالتأكيد لا. كما يمكن الجزم بأن أي حكومة لا تناط بأحد من وزرائها مسؤولية حقيبة وزارية لا يمكن أن تكون دستورية وأن تحظى بثقة مجلس النواب. ولعل هذا ما يفسر انتقال الحقائب فور شغور من يحمل مسؤوليتها الى أشخاص آخرين لأن استمرار وجود حقيبة وزارية من دون وزير ما أمر مستحيل. من هنا يتضح ان إمكانية تشكيل حكومة من دون وجود نائب لرئيس مجلس الوزراء فيها يعني في أبسط الأمور ان نائب رئيس الوزارة لا صلاحيات له مطلقا. ومن هنا يتضح ان القول بوجود عرف يقضي بأن يكون في الحكومة نائب لرئيس مجلس الوزراء، وأن يكون لهذا النائب صلاحيات ثابتة ما لم يؤدِّ عدم قيامه بها لمفاعيل قانونية هو قول خاطئ حتى لو تشكلت ألف حكومة ضمت نائبا لرئيس مجلس الوزراء ولا يوجد نص ما يحدد مهامه. ولا يقتصر هذا القول على حكومات ما قبل التعديل الدستوري المنشور في 21/9/1990 أو على الحكومات التي تشكلت بعد هذا التعديل، وذلك ليس لأن النص واضح لجهة من يقوم بأعمال رئاسة مجلس الوزراء حصرا، وإنما لأن ممارسة أي مهمة من وزير وحتى »ولادة هذا الوزير« تحتاج الى نص يحدد له حدود مسؤولياته وإطارها خصوصا ان الدستور يقول بمسؤولية جماعية وإفرادية يتحملها الوزراء. ولعل هذا ما أدى الى ان تناط بكل الذين توالوا على نيابة رئاسة مجلس الوزراء مسؤولية حقيبة وزارية كي لا يبقوا من دون عمل ويقتصر دورهم على المشاركة في أعمال مجلس الوزراء مجتمعا رغم أهمية هذه المشاركة. والاستثناء الوحيد الذي حصل في هذا المجال كان في حكومة الرئيس رفيق الحريري الأولى التي تشكلت في 31/10/1992 عندما سُمي المهندس ميشال المر كنائب لرئيس مجلس الوزراء فقط ولكن تمت تسوية هذا الخرق بإسناد وزارة الداخلية إليه بدلاً من الوزير بشارة مرهج. ولا تمكن المقارنة هنا بين »نائب رئيس مجلس الوزراء« الذي لا نص على وجوده ولا على صلاحيات ومهام يمكن ان يقوم بها وبين »وزير الدولة« فوزير الدولة أخذ موقعه الدستوري في معظم دول العالم. كما ان وجوده يرتبط بتحديد مهام محددة له كوزير دولة للشؤون المالية، أو الشؤون البلدية والقروية، بينما نائب رئيس مجلس الوزراء تتحدد مهامه في تسميته ولكن الدستور لا يمكن أن ينيب أحدا غير رئيس مجلس الوزراء ممارسة هذه المهام في الوقت الذي لا يوجد فيه أي نص يمكن ان »يعزز« بعض المهام المناطة بالرئيس ولا يوجد نص دستوري يمنع »التوكيل بها« لإناطتها بنائب الرئيس. فلماذا يتم تعيين نائب لرئيس مجلس الوزراء إذاً؟ تبيّن العودة إلى الحكومات التي كان في تشكيلها نائب للرئيس عدم وجود أي قاعدة اعتمدت لا من حيث وجود هذا النائب ولا من حيث عدم وجوده، فحكومة الرئيس أحمد الداعوق الأولى التي لحظت تسمية نائب رئيس مجلس الوزراء كانت عشرية أما حكومة عبد الحميد كرامي سنة 1945 فكانت سداسية أما حكومة الرئيس صائب سلام الأولى فكانت ثلاثية بينما لم يكن في حكومة الرئيس سامي الصلح (سنة 1958) نائب للرئيس رغم انها تشكلت من 14 وزيرا، وكذلك حكومة الرئيس رشيد كرامي (سنة 1958 أيضا) التي كانت ثمانية وهكذا دواليك... ومن اللافت للانتباه أيضا ان رئيس الحكومة نفسه كان يعمد الى تشكيل حكومات فيها »من ينوب عنه« وحكومات لا نائب له فيها. فالرئيس سامي الصلح مثلا سمى في الحكومات التي شكلها في سنوات 1942 و1954 و1955 نائبا للرئيس، أما في الحكومات التي شكلها في سنوات 1956 و1957 و1958 فلم يعمد الى تسمية نائب رئيس. وهكذا الرئيس رشيد كرامي والرئيس صائب سلام. إلا أن هذه العشوائية السائدة نتيجة عدم تطابق وجود أو عدم وجود نائب للرئيس مع شخص وسياسة الرئيس نفسه يمكن أن تجنح نحو »الانضباط« تحت قاعدة ما هي ارتباط وجود نائب الرئيس »مع العهد« ورئيس الجمهورية تحديدا بمعنى ان وجود نائب للرئيس كان يتحول الى شكل من أشكال المكافأة المعنوية خصوصا ان الأكثرية الساحقة من الذين توالوا على نيابة الرئاسة لا يمكنهم الوصول الى مركز رئاسة مؤسسة دستورية وفق الصيغة اللبنانية التي ما تزال مستمرة. ففي عهد الرئيس بشارة الخوري الأولى تشكلت تسع حكومات تولى فيها غبريال المر نيابة الرئاسة أربع مرات وصبري حمادة مرة واحدة وحبيب أبو شهلا مرتين. وفي عهد الرئيس شمعون تشكلت ثلاث حكومات كان من بين أعضائها نائب للرئيس وكانت حصة غبريال المر في المرات الثلاث مرتين. وفي عهد الرئيس فؤاد شهاب تشكلت أربع حكومات لحظت وجود نائب للرئيس كان لفيليب بولس منها مرتين مرة في حكومة الرئيس صائب سلام ومرة في حكومة رشيد كرامي. وفي عهد الرئيس شارل حلو تشكلت سبع حكومات لحظت وجود نائب للرئيس وتقاسم المركز فيها بمعدل مرتين كل من فؤاد بطرس، نسيم مجدلاني وفؤاد غصن. ففؤاد غصن كان نائبا للرئيس في حكومتي عبد الله اليافي ورشيد كرامي وكذلك فؤاد بطرس، أما نسيم مجدلاني فكان نائبا للرئيس في حكومتي حسين العويني ورشيد كرامي أيضا. أما الحكومات الست التي تشكلت في عهد الرئيس سليمان فرنجية فحظي منها فؤاد غصن بنيابة الرئاسة مرتين. وفي عهد الرئيس الياس سركيس تشكلت ثلاث حكومات كان فيها منصب نائب الرئيس محجوزا لفؤاد بطرس. وفي عهد الرئيس الياس الهراوي تشكلت ست حكومات كان نائب الرئيس في خمس منها رغم تعدد الرؤساء الذين شكلوا تلك الحكومات المهندس ميشال المر، وما يزال حتى اليوم يشغل هذا المركز في العهد الجديد. من هنا يتبيّن أن اعتماد وجود نائب لرئيس مجلس الوزراء كان أقرب الى ما يمكن اعتباره »وسام جوقة الشرف« الذي يتيح لصاحبه ان يتقدم الى الصفوف الأمامية في البروتوكول المعمول به في كل عهد ولكنه لا يتيح له فرصة تحديد موعد الاحتفال. ولعل ما يساهم في منح هذا الوسام اضطرار المراجع المسؤولة عن تشكيل الحكومة إلى إيجاد بعض أشكال التوازن بتسمية الوزراء مذهبيا أو تمييز وزير لسبب من الأسباب عن بقية الوزراء. ولكن هذا الواقع لا يعفي من التحسب لنشوء »خلل ما« في مسار عمل السلطة التنفيذية نتيجة مزاجية الرؤساء أحيانا أو بفعل سلخ النصوص والأحكام الدستورية عن طبيعة النظام التي يحكمها. ومن هنا يطالب البعض باعتماد قانون يحكم أعمال مجلس الوزراء وبذلك لا بد من ان يكون لنائب رئيس الحكومة فيه »ولادة قانونية« ومهام محددة. ويُعتبر رئيس مجلس النواب نبيه بري مطالبا قديما جديدا باعتماد مثل هذا القانون بعد ان أدت مطالبته هذه الى استقالته من الحكومة في أوائل العقد الماضي، إلا أن الرئيس بري، كما تنقل مصادر نيابية عنه، يضع شرطين أساسيين لا بد من الأخذ بهما في هذا القانون وهما: أولاً: ان لا يكون القانون سبيلاً لإجراء أي تعديل في صلاحيات رئيس الحكومة ومجلس الوزراء لا بصورة واضحة ولو بشكل ضمني. ثانياً: إمكانية لحظ وجود منصب نائب لرئيس مجلس الوزراء في هذا القانون يمكن أن يكلف من قبل رئيس مجلس الوزراء خطيا بمهام محددة حصرا على أن لا تمس هذه المهام الصلاحيات المحددة في الدستور.