As Safir Logo
المصدر:

لا ذنب للأجيال

المؤلف: بزيع شوقي التاريخ: 2000-03-21 رقم العدد:8556

{ هل ساهم شعر الاجيال الجديدة في زيادة القطيعة عن الجمهور؟ ليس ثمة من حاجة لتكرار التأكيد على ان كل عصر من العصور ينتج قيمه ومفاهيمه وأدواته المعرفية بقدر ما ينتج ذائقته وحساسيته الجديدتين. ولا يمكن تبعا لذلك الا ان نعترف نحن الذين نغادر الاماكن نفسها التي تستعد لولوجها الاجيال اللاحقة ان الثوابت التي بني فوقها عالمنا الرومنسي القديم آخذة شيئا فشيئا في التحول او الانقراض. لقد بدأنا نشبه آباءنا الى حد بعيد وبدأت قناعاتنا وأفكارنا تترنح تحت الضربات الثقيلة لأزمنة لا تتوقف قطاراتها السريعة عند أية محطة. وحتى أولئك الذين اصطلح على تسميتهم بجيل الثمانينات والذين ثاروا بشدة ضد طريقتنا في الكتابة او تصوراتنا المثالية عن العالم بدأوا وقد وخّط الشيب رؤوسهم يشعرون بأنهم يزحفون مثلنا نحو كهولتهم المتسارعة وان ما استطاعوا ان يحققوه ليس بحجم ذلك الطوفان الهائل من التصورات والاحلام التي كانوا يختزنونها في دواخلهم. ان وضع الأجيال الشعرية بعضها قبالة الآخر بشكل عدائي او تصادمي ليس في حقيقته سوى تبسيط للحقيقة او حرف للسجال عن مساره الأساسي. ذلك ان الصراع بين الأجيال سواء على مستويات السياسة والاجتماع او على مستويات الفكر والثقافة والفن هو الممر الاجباري اللازم لأي تطور او تغيير. واذا كانت العلاقة بين الشاعر الفرد وبين نفسه هي علاقة صراع وقلق دائمين فالحري بالعلاقة بين الاجيال والمدارس والاساليب ان تحمل سمة التنوع والتباين والصراع من أجل الافضل. علينا اذا ان نترك لمن بعدنا الحرية الكافية لنلمس المناطق غير المكتشفة ولطرق الأبواب التي لم تطرق بعد، فنحن لسنا أحفاد أنفسنا، كما يقول سارتر، ولا نملك بالتالي الحق في توجيه عالم لن نكون من المعايشين له او المنتمين اليه الا بالقدر الذي لا يتجاوز الظن او التوقع او الترجيح. ففي العقدين الأخيرين من القرن المنصرم تغيرت الارض من تحتنا بشكل كامل ولا بد ان يلحق الشعر نصيب وافر من هذا التغير. وعلينا ان نعترف بمرارة كما بشجاعة بأن ما تغير لم يطل بنية الشعر او نظامه او إيقاعه فحسب بل طال كذلك وظيفته وطبيعته ودوره بحيث بات من الصعب على الكثيرين ان يتعاملوا مع القصيدة او الشعر الخالص ما لم يدخل في سياق فن آخر كالسينما والمسرح والتلفزيون والرواية وغير ذلك. لم يكن العزوف عن الشعر بالتالي نتيجة لتقصير الشعراء الجدد او قلة حيلتهم وموهبتهم بقدر ما كان نتيجة تغير مريع في قيم العصر وحساسيته وسلم أولوياته التي لم تعد تقيم وزنا يذكر لما هو خارج دائرة النفع المباشر واللذة الحسية وقيم الاستهلاك والربح والخسارة المجردين. والشعراء الجدد يشعرون أكثر ممن سبقهم بأنهم أتوا زمان الشعر »على هرم« كما يعبر أبو العلاء المعري وأن صلتهم بجمهورهم باتت أكثر تعقيدا وصعوبة من أي وقت مضى. لا أتحدث هنا بالطبع عن الطفيليين والطارئين على »المهنة« ولا عن الجاهلين باللغة والعاطلين عن العمل والباحثين عن الشهرة السهلة والنجومية العابرة بل عن الممسوسين الحقيقيين بلهب الكتابة والمكرسين أنفسهم لتطوير اللغة وشحذها بأسباب الحيوية والنماء والتجدد المستمر. فالتجريب والاختبار ليسا على الاطلاق سببا لهزيمة الشعر او انحداره بل ان هزيمة الشعر الفعلية لا تتم على يدي التختر والتأسن والاقامة في كنف المبتذل والمستهلك. ولكن المنوط بهذه المهمة المقدسة ينبغي قبل كل شيء ان يمتلك صفتين اثنتين: الفطرة العالية والمثابرة الرسولية. وهو ما لا نلحظه لسوء الحظ الا عند القلة من شعرائنا المميزين والموزعين بين الأجيال.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة