من »مقشرة الثوم العصرية« وصولا الى »الجزيرة العائمة«، يزيد عدد الاختراعات المسجلة في لبنان عن الستة آلاف اختراع، تتراوح بين ما هو تجاري استهلاكي، او علمي صناعي او علمي تخصصي اي يتعلق بمهن محددة كالطب والبناء الخ... وعلى الرغم من ان معظم هذه الاختراعات ليست »ثورية«، إلا ان غياب التشجيع اولا، والحماية ثانيا، امر كاف لاحباط طموحات »المخترعين«، والتي من الممكن ان تؤدي في يوم من الايام الى تطوير انجازاتهم، كما يحدث في سائر دول العالم. »إن هذه البراءة تعطى من دون ادنى ضمانة في ما يختص بحقيقة الاختراع او فضله او ابتكاره لا سيما في ما يختص بأمانة وصفه او صحته«، جملة يقرأها بسام انطونيوس من اوراق البراءة الخاصة باختراعه ويتبعها ب: »تفصلي! قليلة؟« ثم بضحكة قصيرة حملها كل استيائه المنبثق عن شعوره بالعجز وعدم الحماية. فعندما انجز بسام الحائز على شهادة مهنية بالكهرباء والالكترونيات اختراعه الذي ينتج طاقة كهربائية بواسطة حركة مرور السيارات والآليات كان ينتظر ان تهتم به الدولة وان يحصل عبر تسجيله على الحماية اللازمة والجدية، فيدر عليه عمله ارباحه المتوخاة. »كانت المرة الاولى التي اسعى فيها بمعاملة من هذا النوع. كنت اظن انه سيكون هناك لجنة تتفحص الاختراع وتناقشه معي لكني اكتشفت انه يكفي ان اعرضه على شخصين معنيين في مصلحة الحماية الفكرية، سألاني بضعة اسئلة وانتهى الامر« يقول بسام الذي سافر بعد ذلك الى فرنسا ليسجل اختراعه هناك طلبا للحماية الدولية في حال »صار ما صار، لأن وزارة الاقتصاد عندنا لا تجري بحثا في العالم للتأكد من ان الاختراع غير مسبوق، وبالمقابل ما يسجل هنا ايضا لا قيمة له بالنسبة للجان من هذا النوع في الخارج«. تؤكد سلوى رحال فاعور، من وزارة الاقتصاد انه في الدول الصناعية، كفرنسا واليابان والسويد، توجد لجان فاحصة قد تضم اكثر من سبعمئة متخصص مزودين بكل ما يلزم من اجهزة كمبيوتر ومختبرات وآليات للتدقيق بأي اختراع، كما قد يستغرق البحث عن مثيل له في العالم شهورا وربما سنوات. اما في لبنان، فالتسجيل »ليس سوى عملية ادارية تتم على مسؤولية صاحب العلاقة«، تشرح فاعور المسؤولة في مصلحة الحماية الفكرية والادبية في وزارة الاقتصاد. وتوضح ان براءة الاختراع محليا تعبر عن »نظام ايداع، بمعنى انها تثبت ان فلانا انجز اختراعا بموضوع محدد في تاريخ كذا، ثم تنشر في الجريدة الرسمية على مسؤولية المخترع«، (علما ان كلفة النشر وحدها قد تصل الى ثلاثمئة الف ليرة). اما اذا وجد من يطعن بصحة الاختراع او يدعي انه مسبوق، عندها »يصبح القاضي هو الفاحص، فإما ان يقتنع بدعوى الطعن فيلغي براءة الاختراع، وإما ان يبقي عليها« بحسب فاعور. بم تعود براءة الاختراع اللبنانية اذن على المخترع غير فائدة »علم وخبر«؟ بعد قراءة أي براءة اختراع، يلاحظ ان المادة الاولى من المقررات المستندة لنظام حقوق الملكية التجارية والصناعية وتعديلاته (والذي يعود تاريخه للعام 1924) ان براءة الاختراع تمنح صاحبها امتيازا حصريا للانتاج لمدة 15 سنة تبدأ من تاريخها. لكن الانتاج نفسه مشكلة خصوصا حيث يتعلق الامر بالدعم الرسمي. »بعدما عدت من فرنسا، بدأت اهتم بإيجاد منتج لمشروعي، وعرفت ان انتاج الكهرباء في لبنان محصور بشركة كهرباء لبنان ووزارة الموارد، فبعثت بكتاب للوزير«، يقول بسام. وبعدما راجع بالطب وقيل له انه حول للمدير العام لكهرباء لبنان ولم يجده طلب رؤية مستشار الوزير ليشرح له تفاصيل الاختراع، فاهتم به كثيرا ونصحه بتقديم طلب ثان بالاضافة الى مجسم يمكن تجربته على الطريق. لكن هذا مكلف، كما يقول بسام الذي أنفق على اختراعه حتى الآن ما يقارب العشرة آلاف دولار بما في ذلك كلفة السفر لتسجيله في فرنسا، مشككا في قدرته على المتابعة. اخيرا، راجع بسام بالطلب في »كهرباء لبنان«: »قالوا لي تحول الى قسم الدراسة، فاتصلت بهم ليقول لي الموظف: نعم استلمناه لكن... لا اعرف، فقلت: يعني أنسى الموضوع، فقال: تقريبا«. يبدي بسام بعض الندم لانه وضع كل إمكانياته في مشروع كبير في حين انه كان باستطاعته تنفيذ اختراعات صغيرة يسهل انتاجها وتدر ارباحا، فقد عاد اختراع صغىر يتعلق بالارجيلة بمئة مليون دولار على صاحبه، لكن ما يسهل تصنيعه، يسهل ايضا تقليده، وهنا مشكلة اخرى. فعلى الرغم من انتاجه ل»مقشرة الثوم السحرية« (تقشر الثوم من دون الحاجة الى نزع الرأس فلا يخدش ولا تصدر عنه اية رائحة) في مصنع البلاستيك خاصته بعد تسجيلها، لا يملك فؤاد نصر شيئا حيال البضاعة المشابهة (او المقلدة) الموجودة في السوق. »الجمل عم يفوت على لبنان، وما حدا بيقول شي!« يقول فؤاد الذي لم ينفعه تسجيله للمنتج في ايطاليا. وهكذا، تباع مقشرة الثوم المقلدة »بمواد زبالة« (على حد قول فؤاد) بألف ليرة بينما ثمن »مقشرة الثوم السحرية« الاصلية في السوق يتراوح بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف ليرة. »يحتاج المخترع غير المقتدر الى مرجعية علمية تقر بصحة اختراعه والى مبلغ من المال لتسجيله (حوالى ستمئة الف ليرة) ولتنفيذ نموذج الاختراع، وتسويقه«، يقول عبدالله ضو رئيس اللجنة المؤقتة للمخترعين اللبنانيين والتي تأسست قبل سبعة اشهر فقط. وتصبو اللجنة لاتخاذ شكل جمعية قريبا مما سيتيح لها تأدية الدور الموكل عادة الى »مراكز الابداع« في الغرب وهو رعاية وتسويق الاختراعات بما يتضمن ذلك من مساعدة للمخترع على تقديم اختراعه بأسلوب علمي وجدي واقتصادي يمكن المستثمر من التعامل معه ضمن قواعد الاستثمار المالي. ويعتبر ضو ان التجربة السورية التشجيعية في مضمار الاختراع جديرة بالاهتمام وان اقتصرت مصادر تقديماتها على الدولة. وتتلخص هذه التقديمات بحصول الحائز على براءة اختراع على اعلان عن اختراعه بمختلف الوسائل الاعلامية 12 مرة ولمدة سنة مجانا، ومنحه قرضا من مصرف التسليف بقيمة عشرين الف دولار لتحويل الفكرة الى مجسم، ومشاركته مجانا في مختلف المعارض على حساب الدولة. وفي الوقت الذي تستعد فيه دمشق لإقامة »معرض الباسل« اوائل الشهر المقبل حيث سيعرض كل جديد بما فيه الاختراعات اللبنانية، تعمل اللجنة المؤقتة على تنظيم معرض المخترعين العرب خلال العام ألفين، وهو، بحسب ضو، الاول من نوعه في المنطقة تنظيما وحجما مما أمن للجنة رعاية رئيس الجمهورية. ربما يشكل هذا النوع من النشاطات حافزا للمخترعين العرب عموما واللبنانيين خصوصا للتعريف باختراعاتهم وانجازاتهم الا ان المشكلة تبقى دون حل، الا اللهم، حين يخرج قانون الملكية الفكرية والادبية من جداول اعمال مجلس النواب الى النور. وبالانتظار، يخشى المخترعون اللبنانيون الكلام عن ابتكاراتهم خوفا من ان تصبح عرضة للتقليد من قبل الشركات المصنعة خصوصا وانه يمكن الاطلاع على ملفات اي اختراع مسجل في مصلحة حماية الملكية الفكرية. »لان ذلك لا يشكل اي تهديد للمخترع، فالأسبقية في تسجيل الابتكار ترتب مسؤولية قانونية على كل من يحاول سرقته او تقليده«. بحسب فاعور. ومع ذلك، يتردد بشارة الياس بشارة، دكتوراه دولة في العلوم الطبية، في تحديد حتى الحالات المعنية بطريقته الجديدة في تركيب علاج لامراض الجهاز الهضمي المستعصية، »لأن مجرد معرفة شركات الادوية ممكن ىفتح العيون علينا«. يعي بشارة ان تصنيع اي دواء هو امتياز للصيدلي او لشركة مصنعة ومرخصة لكن هذا يضع المخترع تحت رحمتهم، كما يقول. »بيقلك ما فينا نشتري شي ما منعرفه، وبس يعرفه، بيبطل عايزك!« ربما تشبه حالة بشارة حالات اخرى كثيرة وفي اكثر دول العالم تطورا، اذ ما يزال يصر على ابقاء اكتشافه لنفسه منذ حوالى عامين، لأنه حتى اذا ربح من بيع الفكرة الآن، يكفي لأي شركة ان تغير حرفا واحدا في اسم الدواء لتعيد انتاجه وبيعه من دون ان يستفيد هو شيئا من ذلك. »يجب ان يحصل الاتفاق من خلال وزارة الصحة وبرعاية وزارة الاقتصاد، فتكون رخصة التصنيع باسم المخترع، لا باسم الشركة، طبعا بعد توفر الشروط اللازمة، لتبقى حقوقه محفوظة« واسفر اتصال بوزارة الصحة من اجل هذا الموضوع بأن حماية الملكية الفكرية هي غير حماية الدواء. وبانتظار تنظيم جذري وشامل لكل ملابسات الاختراع من حقوق الملكية الفكرية والحقوق المادية المترتبة على ذلك، تبقى الاتفاقات بين المخترع (الذي بات يختار الخروج عن صمته) وبين الشركة المصنعة دون شكل محدد اذ تعتمد على ما تؤول اليه المفاوضات والمساومات التي قد لا تفضي الى ضمانات حقيقية ماديا او معنويا. اما البعض الآخر من الاختراعات، او الابتكارات، فيعاني مشكلة عدم جدواه الاقتصادية او العملية محليا بالاضافة الى عدم قدرته على المنافسة عالميا مما يتركه عالقا بين ممولين (عالمي ومحلي)... لا يهتمان!