اعلن البابا يوحنا بولس الثاني امس في بيت لحم، حيث صلى في المكان الذي ولد فيه السيد المسيح، دعمه لتطلعات الفلسطينيين الى وطن، لكنه تجاهل الإشارة الى حق العودة لملايين اللاجئين، حتى بعدما زار مخيم الدهيشة في الضفة الغربية. وكانت اشارة البابا الى حق الفلسطينيين بدولة، خروجاً عن الطابع الديني الذي شدد عليه سابقا، وعلى الرغم من الارتياح الذي عبّرت عنه السلطة الفلسطينية، لم تكن الاشارة الى »الوطن« مغايرة لموقف الفاتيكان الداعم منذ سنوات لإقامة كيان للفلسطينيين، في حين ان اسرائيل هوّنت من شأن تصريحات البابا وقالت انها لم تفاجئها بتاتا. ونجح البابا طيلة الزيارة الغنية بالدلالات الى بيت لحم، وهي الاولى لرئيس الكنيسة الكاثوليكية لأراضي الحكم الذاتي الفلسطيني، في ايجاد البوادر والكلمات، وإن بحذر واضح، التي كان ينتظرها منه مضيفوه حول حق الدولة. وفي الخطاب الذي ألقاه اثناء مراسم استقباله في مقر إقامة رئيس السلطة ياسر عرفات، قال البابا ان الكرسي الرسولي »اعترف على الدوام بحق الشعب الفلسطيني الطبيعي في وطن وفي العيش في سلام وهدوء مع الشعوب الاخرى في هذه المنطقة« مشيرا الى ان »لا احد يقدر على ان يجهل كم هي المعاناة التي فرضت على الشعب الفلسطيني في السنوات الاخيرة. ان العالم كله يرى معاناتكم وقد طال بها الامر كثيرا«. وقد صفق عرفات وزوجته سهى عندما أشار البابا الى الحق بالوطن. وأكد البابا ان أي حل للصراع الاسرائيلي الفلسطيني يجب ان يعتمد على »القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة«. وقال »لن تتحقق التطلعات الفلسطينية المشروعة إلاّ من خلال سلام عادل ودائم غير مفروض بل يتم التوصل إليه من خلال التفاوض«. وذكر بأن »اسلافي وأنا شخصيا أعلنا مرارا انه لن يكون هناك نهاية للصراع الاليم في الارض المقدسة ما لم تكن هناك ضمانات ثابتة لحقوق جميع الشعوب المعنية«. واستهل الحبر الاعظم زيارة الحج الى بيت لحم ببادرة كان يأمل بها الفلسطينيون كثيرا، إذ قام لدى نزوله من المروحية بتقبيل حفنة من التراب الفلسطيني وضعت في إناء قدمته إليه فتاة صغيرة. وعلق المتحدث باسم الفاتيكان جواكين نافارو فالس على هذه اللفتة قائلا انها لا تعني الاعتراف بدولة لأن الاستقلال لم يعلن بعد مضيفا »انه سيكون شيئا غريبا لو لم يقبل البابا الارض التي ولد فيها المسيح«. وكان البابا الذي اعترف الفاتيكان في عهده بإسرائيل، قد قبل التراب لدى وصوله الى مطار بن غوريون، في حين اكتفى في الاردن بمباركة اناء يحوى ترابا بإيماءة من يده. ورأى الفلسطينيون في هذه البادرة التي يقوم بها البابا عادة عندما يزور دولة اجنبية، تعبيرا لا لبس فيه لدعم البابا لإقامة دولة فلسطينية. وكانت السلطة الفلسطينية اصرت في الكواليس لدى الفاتيكان في الايام الاخيرة على ان يقوم الحبر الاعظم بهذه البادرة التقليدية لتكون بمثابة اعتراف ضمني بتطلعاتهم لإعلان دولة فلسطينية هذا العام. وحاول عرفات من جانبه ان يستفيد الى اقصى حد من زيارة البابا الى المدينة التي ولد فيها المسيح قبل ألفي عام والخاضعة لإشراف السلطة الفلسطينية منذ العام 1995. وفي خطابه، رحب عرفات بمجيء البابا الى »القدس عاصمة دولة فلسطين الخالدة«. وكان ذلك ردا على كلمة الترحيب التي وجهها الرئيس الاسرائيلي عازر وايزمن للبابا امس الاول حين قال له ان القدس هي »العاصمة الابدية« لإسرائيل. وقال عرفات للبابا ان الشعب الفلسطيني يقدر بشكل كبير مواقفه المبدئية المساندة لقضية الفلسطينيين وحقهم الطبيعي في الوجود في وطنهم كشعب مستقل ذي سيادة. اضاف »هذه هي الارض المقدسة التي ما تزال تبحث عن خلاصها من ويلات الحروب والصراع واحتلال الارض واغتصابها ظلما وعدوانا«. ولم يكن تقبيل التراب الفلسطيني البادرة اللافتة الوحيدة، فقد وجه البابا برقية امس الى عرفات بينما كان في اجواء الاراضي الفلسطينية على متن الطائرة التي أقلته من عمان الى تل ابيب، وهي الاخرى بادرة تقليدية يعمد إليها البابا عندما يمر في سماء بلد ما، لكنها تكتسي هنا طابعا مميزا لغياب الدولة الفلسطينية. وفي هذا السياق اكد نافارو فالس في معرض رده على اسئلة الصحافيين ان »قداسته سيعترف بالدولة الفلسطينية عند إعلانها في اطار احترام القانون الدولي«، موضحا ان »الفاتيكان سيتبع معايير المجتمع الدولي«. واعتبرت سهى عرفات ان البابا اعلن بشكل ضمني دعمه قيام دولة فلسطينية خلال زيارته الى بيت لحم. وقالت ان »رسالة قداسته واضحة إذ إنه اعلن تأييده قيام دولة فلسطينية حرة«. وأضافت »حتى لو لم يعلن ذلك صراحة فإنه اشار الى قرارات الأمم المتحدة«. القداس وفي العظة التي ألقاها اثناء القداس الاحتفالي الذي اقيم في الهواء الطلق في الساحة الواقعة قبالة كنيسة المهد التي بنيت فوق المغارة حيث ولد المسيح، قال البابا »ان بيت لحم تشكل قلب الحج اليوبيلي الذي أقوم به«. وبسبب الإجراءات الأمنية الفلسطينية والإسرائيلية المشددة، لم يشارك سوى نحو 10 آلاف شخص في قداس بيت لحم بينما كان من المتوقع مشاركة 15 ألفا على الاقل. ووجه البابا دعوة للمسيحيين الفلسطينيين للبقاء في أراضي الحكم الذاتي، وقال وسط تصفيق الجمهور »ليكن السلام معكم، لا تخافوا من ان تحافظوا على وجودكم وإرثكم المسيحي في المكان الذي ولد فيه المخلص«. وأكد ان زيارته الى بيت لحم جاءت عن »امل كبير« في نفسه لتحقيق حلم لديه منذ ان اصبح حبرا اعظم في 1978. وتابع البابا »بسلام الله احيي كل الشعب الفلسطيني مدركا انها لحظة ترتدي اهمية خاصة في تاريخكم«، قبل ان يصلي »من اجل عصر جديد من التفاهم والتعاون بين كل شعوب الاراضي المقدسة«. وبعد ان دعا الى تعزيز علاقات الوحدة والسلام، حيا البابا المسيحيين من أتباع الكنائس الاخرى والمسلمين في بيت لحم. وقام البابا بزيارة استمرت ربع ساعة لمغارة المهد في بيت لحم وقد بدا عليه التأثر الشديد وركع البابا أولاً أمام المذبح الذي تعلوه نجمة فضية كتب عليها باللاتينية »هنا ولد يسوع المسيح من مريم العذراء«. ومن ثم انتقل الى صدر المغارة حيث طلب كرسياً ليتمكن من الصلاة منفرداً. واجتاز البابا لدى وصوله ومغادرته دير الرهبان الفرنسيسكان من كنيسة القديسة كاترين المحاذي للمغارة الصغيرة والمستطيلة الشكل (طولها 12 مترا وعرضها ثلاثة امتار وارتفاعها ثلاثة امتار ايضا) الواقعة تحت كنيسة المهد. وقبل بيت لحم قام البابا بزيارة خاطفة الى موقع قصر اليهود، حيث قال ان المسيح تعمد هناك، برفقة وفد صغير من الفاتيكان، وقد صلى جالسا في مروحية الجيش الاسرائيلي التي حطت عند ضفاف نهر الاردن. مخيم الدهيشة رغبة منه في إبراز مصير نحو 3،3 ملايين لاجئ فلسطيني، توجه البابا في زيارة رمزية، الى مخيم الدهيشة للاجئين الفلسطينيين القريب من بيت لحم حيث استقبلته بابتهاج جموع ضمت العديد من الاطفال. ويعيش معظم سكان مخيم الدهيشة وعددهم 9600 نسمة متزاحمين داخل اكواخ من الصفيح وشوارع يملأها طين ناجم عن المطر ومياه الصرف الصحي. ووجه البابا في المخيم نداءً الى قادة الشرق الأوسط والأسرة الدولية »ليتحلوا بالإرادة السياسية« من أجل وضع حد »لمعاناة« اللاجئين الفلسطينيين. لكن البابا لم يذكر مباشرة الحق الرئيسي للفلسطينيين، أي »حق العودة« الى الاراضي الفلسطينية التي طردتهم منها اسرائيل منذ العام 1948. وقال البابا في ختام تفقده مدرسة تتسع لألف تلميذ تشرف عليها وكالة الاونروا انه »طوال فترة سدة البابوية، شعرت على الدوام بأني قريب من الشعب الفلسطيني في معاناته«، مشددا على »المغزى العميق« لوجوده بين اللاجئين. اضاف امام سكان المخيم وممثلين عن منظمات خيرية »وحدها جهود يبذلها قادة الشرق الاوسط والأسرة الدولية برمّتها، مستوحاة من تصور اكثر سمواً للسياسة في خدمة الصالح العام قادرة على استئصال مسببات وضعكم الحالي«، رافعا بذلك المسؤولية المباشرة لإسرائيل عن التهجير الفلسطيني. ويعتبر العديد من الفلسطينيين ان زيارة البابا الى المخيم تشكل ذروة رحلة الحج التي تستمر ستة أيام، بحيث انها بدت بمثابة اعتراف بالنكبة التي حلت بهم عندما طردتهم اسرائيل العام 1948. وقال البابا مشيرا الى »الظروف المتدهورة التي غالبا ما يعيش في ظلها اللاجئون« ان »ندائي يهدف الى تحقيق تضامن دولي أوسع وإرادة سىاسية لمواجهة هذا التحدي«. وأضاف البابا »أطلب من جميع الذين يعملون بصدق من أجل العدالة والسلام ان لا تفتر همتهم. أدعو الزعماء السياسيين الى تطبيق الاتفاقات الموقعة والتقدم نحو السلام الذي يتطلع إليه العقلاء من الرجال والنساء، وباتجاه العدالة التي تعتبر أحد حقوقهم غير القابلة للتصرف«. ولدى وصوله الى المخيم، حيث سبقه عرفات، تجمعت الحشود للترحيب به وبينها أعداد كبيرة من الاطفال الذين حملوا صورا لعرفات والبابا ملوحين بأعلام الفاتيكان وفلسطين. وأعرب البابا عن أمله في ان تساهم »الزيارة الى مخيم الدهيشة بتذكير الأسرة الدولية بضرورة اتخاذ خطوة حاسمة من أجل تحسين وضع الشعب الفلسطيني«. وقال »لقد حرمتم من الكثير من الامور التي تعتبر حاجيات أساسية للكائن البشري مثل المسكن والعناية الصحية والتربية والعمل. لكنكم تحتفظون خصوصا بالذكرى الحزينة لما أرغمتم على التخلي عنه، وليس فقط الحاجات المادية، بل حريتكم والبيئة العائلية والتقاليد الثقافية التي كانت تغذي حياتكم الشخصية والعائلية«. وعلى جدران المدرسة، قام التلاميذ برسم مشاهد تمثل ممارسة التعذيب بحق فلسطينيين. وفي أحد الشوارع المؤدية الى المدرسة، رسم على أحد الجدران قفل ومفتاح مع شعار »نريد العودة الى وطننا«. وسار نحو 40 طفلا مرتدين قمصانا تحمل صور البابا عبر المخيم مقيدي الأيدي بسلاسل للتذكير بالمعتقلين الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية. وانتقد عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية المسؤول عن قضايا اللاجئين اسعد عبد الرحمن اسرائيل خلال كلمته التي رحب فيها بالبابا في المخيم. وقال ان اسرائيل صادرت حقوق الفلسطينيين وممتلكاتهم بنية خلق كيان مغلق أمام الجميع ما عدا اليهود وإقامة دولة يهودية تماما مليئة بالمتناقضات التي لا يمكنها الا ان تؤدي لمزيد من العنف وإراقة الدماء والحزن للجميع. وأضاف ان »أرض الميعاد« لن تكون أرضا مبشرة بالخير حتى يتم تنفيذ حقوق اللاجئين الفلسطينيين بالكامل بما فيها حقهم في العودة. إسرائيل امتنعت اسرائيل عن أي انتقاد لتصريحات البابا حول الفلسطينيين ولا سيما تشديده على »حق الشعب الفلسطيني ان يكون له وطن«. وقال وزير الأمن الداخلي الاسرائيلي شلومو بن عامي ان تصريحات البابا في بيت لحم حول الفلسطينيين لا تشكل أي مفاجأة. أضاف »لن نبحث عن أدق تفاصيل الزيارة باستخدام مجهر«. وأكد بن عامي في مؤتمر صحافي في القدس المحتلة »لا جديد في تصريحه، ألفت انتباهكم الى ان الرئيس جيمي كارتر استخدم في 1977 عبارة (وطن) (هوم لاند) في حديثه عن حقوق الفلسطينيين«. أضاف ان »ما هو جيد للرئيس الاميركي جيد لنا ولا أجد أي تناقض بين ما يقوله وما نتفاوض حوله في عملية السلام«. وقال بن عامي »كنا نعرف ان زيارة البابا برغم طابعها الديني، سيكون لها بعد سياسي ايضا«. وردا على سؤال يتعلق »بمعاناة الفلسطينيين« التي تحدث عنها البابا. قال بن عامي انها مسألة إنسانية. وأضاف »أعتقد ان البابا سيتحدث عن معاناة اليهود عندما سيزور نصب المحرقبة« ياد فاشيم في القدس المحتلة اليوم. ومن جهته، أشار الوزير الاسرائيلي من دون حقيبة حاييم رامون المكلف تنظيم زيارة البابا، الى ان اسرائيل أقرت في 1978 عندما كانت تتولى السلطة فيها حكومة يمينية ب»الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني« لدى إبرامها معاهدة سلام مع مصر. وتابع رامون أمام الصحافيين ان »الحكومة (العمالية) الاسرائيلية أقرت في 1993 بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير«. وأضاف ان »ما قاله البابا مقبول كليا من جانب الليكود (المعارض) ومن جانب الحكومات العمالية«. وقال رامون ان بإمكان عرفات ان يقول ما يريد لكن الحقائق على الأرض تتحدث عن نفسها »فالمهم هو من يسيطر على القدس ومن المسؤول عن القدس«. وشددت محطات التلفزة والاذاعة في اسرائيل على ان البابا لم يتطرق خلال زيارته لمخيم الدهيشة للاجئين الى حق اللاجئين الفلسطينيين ب»العودة« الذي تعارضه اسرائيل. عودة إلى القدس بعد زيارة مخيم الدهيشة، عاد البابا الى القدس المحتلة مباشرة، من دون ان يمر بقصر الرئاسة الفلسطيني حيث كان سيجري لقاء قصيرا على انفراد مع عرفات. لكن اللقاء تم في النهاية في مهبط المروحيات. وقبل مغادرة البابا قدم له عرفات ثلاث هدايا بينها ميدالية تذكارية حول احتفالات »بيت لحم 2000« فضلا عن لوحة تمثل ولادة المسيح. وقال البابا لعرفات أمام الصحافيين بعيد لقاء قصير بينهما في مبنى قريب »سررت كثيراً بهذه الفرصة التي أتيحت لي لأرد لكم الزيارة« في اشارة واضحة الى اللقاءات التي تمت بينهما في الفاتيكان. وقال »لقد بذل الكثير، لكن يبقى حل الكثير من المسائل حتى تتمكن شعوب المنطقة العيش بانسجام على أساس احترام حياة الجميع وكراماتهم، ان لقاءنا اليوم (أمس) يظهر بوضوح التزام الكنيسة الكاثوليكية لصالح تحقيق السلام الفعلي في الشرق الاوسط«. واستقل البابا المروحية عسكرية اسرائيلية »بلاك هوك« التي مثلما أقلته الى بيت لحم صباحا أعادته مساء الى القدس المحتلة. وكان عرفات قال في تصريح للتلفزيون الايطالي ان زيارة البابا الى بيت لحم »إشارة دولية للعالم أجمع«. وفي واشنطن، أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية جيمس روبن ان »الزيارة التي قام بها قداسته الى هذه الأماكن مهمة جدا بالنسبة إليه ونحن نقدم دعمنا الكامل الى رسالة المصالحة التي دعا إليها«. وأضاف »كلما ركزت شعوب المنطقة حول المصالحة بدلاً من التركيز على خصوماتها، ستكون الفرص التي تمكننا من تحقيق السلام كبيرة«. وأعرب روبن عن أمله في ان تؤدي زيارة البابا الى السلام. (أ ف ب، رويترز، أ ب، د ب أ)