As Safir Logo
المصدر:

خاتمة عصر

المؤلف: بيضون عباس التاريخ: 2000-03-15 رقم العدد:8553

في أي عام وُلد محمد عبد الوهاب وفي أي يوم. لا يتفق مؤرخوه على عام وعلى يوم. مع ذلك فهي مئوية عبد الوهاب ولا ندري تماما اذا كنا نستبقها او نتجاوزها، اما الفرق، فنحن من قبل او من بعد سنحتفل. من أسابيع احتفلوا بأم كلثوم على شكل مسلسل تلفزيوني ولا تسل ماذا أحدث المسلسل، ليس اكتشافا متجددا لأم كلثوم، ولا سماعا متجددا فحسب، ولكن ايضا إحياء لحس قومي وحس مصري، ولم يكن هذا من شوق الى غناء كبير فقط ولكن الى عصر كبير، فالأرجح اننا لم نشعر بأننا في القاع كما نشعر هذه الأيام. ثمة الآن هذا الحس المحزن بالمرض والتراجع، وبكلمة واحدة الانحطاط، ولم يحصل ان شعر قوم بأنهم في أسوأ الازمنة كما نشعر نحن. لم يحصل ان ازدرى قوم زمانهم وأنفسهم فيه كما نفعل. أفكر احيانا بالمتنبي الذي بنى ملحمته في جانب كبير وحيّ منها على احتقار عصره وأناسه. لكن المتنبي لم يحتقر نفسه بل صانها من عبث الأقدار واعتدّ بها في مواجهة الأيام. اما نحن فلا ننجو من الشعور بأننا أبناء القاع ونتبع نداء القاع ونشيدنا أغنية القاع وانفاسنا هواء القاع، ولا نزال ننحدر من دون شرط ومن دون نهاية. وفي قرارتنا نيأس تماما من ان نقدر بعد على موسيقى او على شعر او على نهضة او على مجتمع ودولة ومكانة بين الأمم. في قرارتنا نشعر بأن لا سبيل لنا سوى الايغال في التهافت والشفاء من الطموح والبراءة من الخجل بالذات والسلوان عن عقدة العجز والدونية والحياة في درجة الصفر. في قرارتنا ندمن النسيان والتجاوز ونحسب ان ليس لقوم صغار ان يفعلوا شيئا آخر. احساس يجعل كل آخر كبيرا وكل زمن سوانا عظيما، وكل ماض جميلا، وكل عصر عدا عصرنا زاهيا. سيقتلنا الحنين بالطبع الى كل عصر والى كل ماض. وقد عرف التلفزيون ذلك فينا فانتظروا إبداعات التلفزيون، فسيكون علينا ان نرقص لغناء نسميه هابطا، ونتقطع حسرات في آخر السهرة لموسيقى نحسبها اليوم اكثر من البارحة عظيمة. ولا غضاضة في ان نرقص لموسيقى لا نحترمها ونتحسر على موسيقى هجرناها، فهذا شأننا اليوم في كل أمر، نزدري ذواتنا في ما نفعله ونتحسر على أمس كرهناه في حينه او اهملناه. ونحنّ الى كل أمس لأنه انقضى ونكره كل يوم لأنه لا يزال. على ان هكذا تنتهي الأعصر كما يظهر، او ربما هي طريقة مفهومة لنهاية الاعصر. فأنت لا تخلص عصرا من عصر، ولا تبدأ عصرا او تختم عصرا بدون هذا الحد المؤلم كالجرح احيانا. في أول القرن كان الماضي البعيد هو الهدف وتخلصنا منه بصيحة حداثة لم تلبث هي نفسها ان راكمت ماضيا. واليوم بات أول القرن وأواسطه مستودع هذا الماضي، وأمكن ان نجد فيه مجدا وتراثا وعمالقة وأشباحا وعصرا ذهبيا واصالة وأصولا. لقد خُتم عصر وبدأ عصر، والعصور تُختم بحد فاصل وتبدأ بتيه وقلق وجهل بالمصير وبحث عن النفس؛ وهذا ما نحن فيه اليوم، وقد يطول فنغدو من ضحايا ما بين العصرين، حيث يبدو الزمن أكذوبة، والذات سؤالا فحسب. ولد عبد الوهاب قبل مئة سنة، أتمّ قرنا. وها هو غناء قرن وموسيقى قرن في الميزان، اذا كان لنا ان نحمل معنا زادا ودثارا وماء الى القرن الجديد.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة