في ختام الحفل قالت سيبوغيلك خومالو المتفق على أنها »أمبراطورة الأغنية في جنوب أفريقيا«: ها أنذا ماثلة أمامكم بملابسي العادية، لأنني كنت أظن أنني لن أعود إلى المسرح هذه الليلة. فمع فريقي أدّينا نصيبنا من الموسيقى والغناء هذه الليلة وانحنينا تقديرا لكم وودعناكم على أمل اللقاء. لكنها »استدعتني« الى المسرح لأشاركها تحيتكم. أعترف انني كنت أريد العودة لكن لا أعرف كيف. فأنا صديقتها لم أكن أعرف ان يوم أمس كان عيد ميلادها. وها هي على مسمع منكم »تصدر إليّ تعليماتها« بأن أغني لكم. عندما غنيت واحدة من أغانيها في »الوصلة« الأولى من هذا الحفل، فلأنني أحب تلك الأغنية ولأنني أحب صاحبتها. أما الآن فسأغني لها ولكم. وفي ختام »الوصلة« الثانية قالت كهي مالنغو، وهي مغنية الزولو الأولى: الليلة، هذا اليوم الأحد من أهم أيام حياتي، لأنها المرة الأولى التي أقف معها على مسرح واحد، هذا حلم كل مغنية أفريقية. كل ما في أفريقيا من غناء هي منبعه. وفي ختام الفقرة الثالثة والأخيرة من الحفل (والتي لن تلبث أن لا تكون ختاما) خاطبت ميريام ماكيبا الجمهور تشكره على الحضور، خصوصا في يوم أحد (حيث العادة أن تغلق المسارح أبوابها، فاليوم التالي يوم عمل) لكنكم جئتم. وهذا يزيد من فضلكم علينا. حتى أنني أحس أنكم دون أن تعرفوا أنكم أتيتم تشاركوني عيد ميلادي الثامن والستين الذي كان في الحقيقة يوم أمس. (وبغنج لا اصطناع فيه ولا افتعال ويكثر القول الصعيدي المأثور »جلع الكبار مثل حك الزيار«(*). استطردت: أنا الآن في حلاوة الثامنة والستين. ونورد انها كذّبت حكمة أهل الصعيد: باتت ميريام ماكيبا على المسرح في عنفوان الشيخوخة وأثبتت أن للشيخوخة عنفوانا (تطلع الى نلسون مانديلا). ما يقرب من الساعتين على المسرح لا واقفة ولا جالسة. إنما مغنية تقطع خشبة المسرح، مغنية ترقص. الرقص مع الغناء ليس حركة جسد مع إيقاع الموسيقى إنما هو لغة وحده، يقول قوله مستقلا عن الغناء والموسيقى ومتكاملا معهما. حركة الجسد تقول ما يقوله الصوت المغني إنما بلغته الأخرى، بينما تقول الموسيقى قولاً آخر لا يطابقهما إنما يقتضيانه: الجسد فرح. الموسيقى مرحة. الصوت غنوج. الجسد بشوش. الموسيقى سلسلة. الصوت يسرد. الجسد مأخوذ بنشوته. الموسيقى تهدهده. الصوت لعوب. الجسد حزين. الموسيقى تواسيه. الصوت نجوى. الجسد مفعم بالرضا. الصوت ناعس تربّت عليه الموسيقى. الجسد غاضب. الموسيقى حانية. الصوت جمجمة. حركة الجسد عطشى. الموسيقى تعابثه والغناء ثغاء. الجسد حرون. والصوت همهمة. الجسد في غيظ والموسيقى خرير والصوت هدير. الجسد في ألم والغناء أنين والموسيقى حنون. الجسد نداء والغناء مواء والموسيقى صهيل. غناؤها المسجل كقطر الندى تلتقطه شفاه عطاش في برية عز فيها الماء. أما على المسرح فتسمع وترى انبثاق النبع وخرير السلسال وجريان النهر وهدير الشلال وصخب المحيط. } } } عندما تشهد غناء ميريام ماكيبا ستعرف ان في الغناء كرما وبخلا. وهي مغنية كريمة. كان الحفل قد وصل الى ختامه. في طقوسه الأخيرة. الأضواء تنحدر بين منصة المسرح الى مقاعد الجمهور، لكن التصفيق لم يتوقف رغم التهاب الأكف. ثم وجد الجمهور حيلة. وكأنما بتواطؤ شامل بدأ الجمهور يغني »عيد ميلاد سعيد يا ميريام«. عادت. من أي موقع وركن وفج من القاعة الفسيحة (4 آلاف مقعد ليس منها واحد خال) تراها عاصفة إلى المنصة راقصة ترتعش. لم تفعل ما يفعله المغنون والموسيقيون عادة يغنون أغنية قصيرة أو يعزفون مقطوعة وجيزة تحية لتقدير الجمهور. عادت لتبدأ حفلا آخر. أغنيتها الأولى: تمضي بنا السنين ونحن نكبر، يتقدم بنا العمر لكننا لا نشيخ. إنما نعيش حياتنا من جديد. نرى الأولاد يكبرون وينضجون. عندما يقعون في الحب للمرة الأولى نتذكر حالنا عندما انتشينا تلك النشوة. الأولاد يعيدون لنا حياتنا. أولاد بطوننا وبطون غيرنا. الأولاد الذين أتوا بعدنا. بعد الأغنية حدثتنا عن »الأولاد« وذراعها يدور في قوس يحتضن أفراد فرقتها: تحدثت عنهم واحدا واحدا. واحد من الكاميرون. واحد من مدغشقر. واحد وواحد. خمسة من جنوب أفريقيا، وواحد قالت عنه انه »من كل مكان«. »هؤلاء الأولاد يقولون عنا اننا ديناصورات، على الأقل تعودنا على أنفسنا كذلك. لسنا مثلهم لا يعرفون ماذا يفعلون بأنفسهم لا تصدقوني. فأنتم ترونهم أمامكم يعرفون ما يريدون ويمارسونه. كانت تتحدث عن »الأولاد« مثل الأم التي تتصنع السخط على أبنائها غلالة تشف عن الرضا والزهو. أشارت الى واحد منهم زامو مبوتو هذا الفتى كتب بعض ما سمعتم من الأغاني. قال لي: طفنا العالم ثلاثين عاما نحكي للناس من أسانا في بلادنا. لم نكن نشكو. كنا فقط نقول لهم. ننفض ما يثقل قلوبنا. نبلغهم ليكونوا شهودنا. في ذلك الطواف لقينا ناسا كثيرين. عديدين، يستعصون على التعداد. ملايين فهمونا وكان هذا يكفينا لأنه كل ما كنا نريد. هم هم الذين فهمونا، قدموا لنا أكبر العون وأثمنه. ضغط إعدادهم أثقل صور الفصل العنصري حتى أزهق منه الأنفاس. قال لي: كتبت هذه الأغنية لنطوف بها العالم نشكر هؤلاء الناس. عاشت ميريام ماكيبا منفية ثلاثين عاما، لم يكن النفي اختيارها، إنما كان يخرجها من »العزل«. العزل كان عقوبة يفرضها الحكم العنصري في جنوب افريقيا على معارضيه. مقتضاه منع الناس من التعامل مع »المعزول« وأيا كان ما تربطهم به من وشائج، حتى الزواج وصلة الرحم. عقوبة من يخالف العزل أن يعزل. لا يبقى أمام المعزول ان كان يريد أن يفتح فمه في الصباح إلا مغادرة البلاد. عندما أفرج عن نلسون مانديلا في 1990، عدا عن ما هو ضمن مفاوضات الانتقال الى الديموقراطية، لم يطلب من الحكومة العنصرية غير شيء واحد. ان تعود ميريام ماكيبا. فعادت. وكان مانديلا على رأس استقبال شابَه استقباله. بعد الأغنية، عادت تتكلم: لن ننسى لكننا سنغفر. حقنا أصبح بيدنا. العفو أكرم من الثأر وأنقى من الضغينة. وهو أيضا احترامنا لأنفسنا. لن ننسى حتى لا يخالطنا وسواس ان نكرر في حق من كانوا خصومنا ما ألحقوه بنا. وعادت تغني وتحرض رفيقاتها ورفاقها على الغناء والعزف، حتى استحالت منصة المسرح مهرجان فرح ومرح، واستحالت قاعة المسرح برغم تلاصق المقاعد وتزاحم الصفوف الى حلبة ترقص. والرقص عدوى وسلطان. } } } في ختامها الأول للحفل، تهيأت لوداع الجمهور بواحدة من أغانيها القديمة يعرفها عارفو غنائها بأنها أغنية »التنفس«. إذ بديلا عن الكلمات، أنفاس متتابعة متلاحقة متسارعة متصاعدة... ثم متراجعة ثم مسترخية. الأنفاس أنفاس امرأة تعطي عشقها وتأخذ صفوه. الأنفاس استكشاف ثم اكتشاف. ارتياد ثم ارتشاف. ارتواء ثم انتشاء. ينظم إيقاعها إطلاق ما لم تعد تطيق من نشوة. قالت معابثة: أنا في حلاوة الثامنة والستين. } } } في نهاية الحفل يساورك شعور انك عرفتها عمرها كله، أو ما مضى من عمرك كله. (*) الزيار: جمع زير وهو إناء كبير من الفخار لتبريد الماء، لتنظيفه يحك بقطعة من الفخار فيصدر عنها صوت يجعل أسنانك تضرس ويتقلص جسمك فوراً منه.