الأقنية الفضائية العربية تلعب دورا جوهريا على صعيد اعادة انتاج الذوق الفني والثقافي للمشاهد. لم يعد خافيا طغيان برامج المنوعات في روزنامات الإرسال الفضائية والأرضية. ذلك ان عقلية إنتاجية تسود في الراهن، لم تسجل تراجعا ولو بسيطا على هذا الصعيد، لأسباب موضوعية من وجهة نظر إدارات الانتاج في الأقنية. وهي عقلية مضخمة وكاريكاتيرية، لدرجة ان من يشاهد الارسال الكثيف المنوعاتي يظن ان هناك ثأرا بين تجارب التعليم الجامعي وبين المنوعات. بحيث تبدو الغلبة في إعطاء تقييم موضوعي لخارطة الواقع العربي، لا تقوم على مناهج التعليم، بل على الإرسالات الفنية. إعداد بدأت برامج المنوعات مضبوطة الى هذا الحد او ذاك. اخذت الرهبة العاملين فيها، الى تملّي صورتها في مرآة قوة الاعداد التقنية. الآن، وبعد مرور سنوات طويلة على نجاح أول إرسال منوعاتي، سواء في لبنان او في العالم العربي، يلحظ الكثيرون ان هذه البرامج فقدت انضباطيتها، تلك التي شكلت حاجة ماسة للعاملين فيها في مرحلة اولى. كما انها فقدت الحوافز الى التجديد والتنويع في الحد الادنى، حتى غدت أوراقا متشابهة في كتاب واحد يعاد إصداره كلما نفذ من سوق الاستهلاك. أسماء لم تعد برامج المنوعات تختلف الا بأسماء ضيوفها. لم تعد حتى تُسلط ولو ضوء بسيط على تجربة الواقع الفني، لأنها تقادمت بسرعة، ولم يعد من همها سوى تعبئة الهواء بأقل الكلف الثقافية. »يا ليل يا ليل« على محطة "M.B.C" الذي يعرض الثامنة والنصف مساء كل خميس، نموذج على آخر الاعتبارات السائدة في الأقنية الفضائية على صعيد برامج المنوعات، التي فقدت ريادتها. انها برامج تقوم على استدراج عروض حضور عارضات أزياء، وعلى الحد الادنى من المعلومة، وعلى الكثير من الحضور الشخصي، ذلك الذي يطغى على كافة العناصر الضرورية. يا ليل يا ليل الزميلة ميراي مزرعاني حصري مقدمة البرنامج، صرّحت في إحدى الحلقات استنادا الى معلوماتها بأن محمد عبد الوهاب الموسيقار الكبير الراحل، لم يكن يعرف قراءة »النوطة«. قضية اشكالية لافتة تختزل في إطلاق بسيط يُلقي ظلالا كثيفة على واحدة من أنصع التجارب العربية الحديثة. صحيح ان عبد الوهاب استعان بموزعين خاصين كبار، يونانيين وأوروبيين. بيد ان هذا موضوع آخر، لأن قيادة أوركسترا تفترض هذا الحد دون الأدنى من العلاقة بالموسيقى. تنظيم هذه إشارة بعيدة من الامتاع، لمشاهد سمع أغنية واحدة لمحمد عبد الوهاب. ولكن الحكاية ليست هنا بعد. ذلك ان ما تفتقده برامج المنوعات هذه هي المنظم المنهجي الذي تنضوي فيه كافة الفقرات. لا بأس من إنحصار التسمية، كأن يطلق برنامج بعنوان »يا ليل يا عين« في المؤسسة اللبنانية للإرسال، وأن يطلق برنامجا آخر بعنوان »يا ليل يا ليل« في ال"M.B.C."، وان يُستعاد »الليل المفتوح« على شاشة »المستقبل«. فالليل هو الجامع على ما يبدو، في أقرب مفاهيمه، وأبعدها، لهذه البرامج. استلهام لا بأس بالتسمية، غير ان »الاستلهام« لا يمكن ان يقع موقعه المتداول راهنا في برامج المنوعات هذه. فاذا ما خرج اسم في محطة، تلقفته محطة اخرى، ما يحيله الى »صرعة« بعيدا من قراءة القيمة الفنية لهذا الاسم او ذاك. وآخر الأسماء الطائشة في سماء الأقنية التلفزيونية على صعيد المنوعات هو خالد عجّاج المطرب المصري الذي أدّى أغنية »فيه ناس« والذي ظهر في واحدة من حلقات مسلسل »يا ليل يا ليل« ليظهر بعدها مباشرة على الفضائية المصرية مع صفاء أبو السعود في »ساعة صفا« وليأتي اسمه مباشرة بعد ذلك كضيف في أحد حلقات برنامج على شاشة »المستقبل«. هي خفة يحملونها على محمل الجد. بات الوضوح في هيكلية هذه البرامج، في غياب الدقة والتأني. هكذا تغيب الاجتهادات لصالح الإعداد المتوفر السريع والطلة النجومية للمقدم او المقدمة. كما تقع في هذا المعطى، في المعجم الأحادي التعريف في غياب المحفزات الحقيقية والضرورية في ايجاد المقابل الضدي للسائد. لقد استسلم الجميع لهذا الحضور المنوعاتي الذي بات يمارس مهنة الترجمة عن بعضه، في ثنائيات وثلاثيات إرسالية. ولكن ما يفوت هذا الجميع هو ضرورة ترك النص المصدر، والعمل على إعادة صياغة تعريف برنامج المنوعات وصياغة معناه بعيدا من أكثر الطرق شيوعا في هذا المجال. * »يا ليل يا ليل« على شاشة ال"M.B.C" مساء كل خميس الثامنة والنصف إعداد ميراي مزرعاني حصري وجوزيان الزير، إخراج غي زحلان.