As Safir Logo
المصدر:

تحديد حق ملاحقة المجلس النيابي للوزراء يطرح أسئلة ويثير انتقاداً نيابياً اتهامية الجبل تتخطى نقاطاً دستورية أثارتها مذكرة الدفاع عن السنيورة في ملف »المحرقة«

المؤلف: خشان فارس التاريخ: 2000-03-11 رقم العدد:8549

يظهر جليا ان نأي المجلس النيابي بنفسه، عن تفسير المواد الدستورية الخاصة بملاحقة رئيس مجلس الوزراء والوزراء ومحاكمتهم، أتاح للجهات القضائية التي وضعت يدها على هذه المسألة الشائكة ان تحدد، كل من وجهة نظرها ووفقا لظروفها، دور المجلس النيابي ازاء هذه الملاحقة ومدى حقه في التدخل ومتى ينتهي دوره. وإذا كانت محكمة التمييز الجزائية برئاسة القاضي عفيف شمس الدين أفتت في قرارها الصادر بتاريخ 24 حزيران 1999 في قضية الوزير السابق شاهي برسوميان بالصلاحية المزدوجة للقضاء العدلي ومجلس النواب في الملاحقة، وجعلتها بالأفضلية لمجلس النواب، فإن قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان جوزف القزي أتاح لمجلس النواب، وذلك في قراره الذي رد فيه الدفوع المقدمة من الوزير السابق فؤاد السنيورة، ان يسحب أي دعوى، ومهما كانت طبيعتها، من القضاء العدلي ليمارس في شأنها صلاحيته. وأتى قرار الهيئة الاتهامية في جبل لبنان، وفي إطار نظرها باستئناف الدفوع المقدمة من السنيورة بواسطة وكيليه المحاميين سليم عثمان وصلاح الدين دباغ، لتقول بجواز الملاحقة في مجلس النواب، بشرط ان تبدأ هذه الملاحقة قبل ان تدعي النيابة العامة أمام القضاء العدلي. وبدا، بالنسبة لبعض المهتمين بهذه القضية، ان ما ذهبت إليه الهيئة الاتهامية انما هدف في الواقع الى قطع الطريق أمام مجلس النواب لاسترداد ملف السنيورة أو غيره، بموجب عريضة نيابية ترددت أصداء عنها في الآونة الأخيرة. وإذا كان هذا التفاوت في النظرة القضائية الى دور مجلس النواب قد بدأ يتفاعل سلبا في غير وسط نيابي ذي صلة بالموضوع الحقوقي، فإن ذلك يطرح لدى رجال القانون سلسلة أسئلة انتقادية لهذا المخرج القضائي المعتمد، أبرزها: } إذا كان حق مجلس النواب في تحريك الملاحقة قد حدد زمنه، بأنه قبل مباشرة النيابة العامة لهذه الملاحقة، فمتى يبدأ حق النيابة العامة في الملاحقة؟ } كيف يمكن لمجلس النواب وضع يده على ملف مدعوم بالوثائق يصلح لتكوين عريضة اتهام، سندا لقانون أصول الملاحقة أمام المجلس الأعلى لملاحقة الرؤساء والوزراء الرقم 13/90، إذا كانت الحكومة، مثلا، تحيل على النيابات العامة تقارير أجهزة الرقابة من ديوان محاسبة ومن هيئة التفتيش المركزي، وتأمر هذه النيابات الخاضعة لسلطتها بتحريك دعوى الحق العام؟ } كيف يستطيع النواب مثلا ان يقرروا الملاحقة أو عدمها، في محرقة برج حمود مثلا، طالما ان الملف الذي كوّنه التفتيش المركزي أحيل على النيابة العامة التمييزية مع مستنداته، وكان يفترض ان يبقى سريا حتى بدء المحاكمة، إذا لم يحفظ الملف؟ } كيف يمكن لمجلس النواب ممارسة حقه في الملاحقة إذا وضعت النيابة العامة يدها على قضية تتعلق برئيس مجلس الوزراء أو أحد الوزراء، من خلال إخبار يفرض القانون ان يبقى مضمونه كما أدلته سرية؟ أكثر من ذلك، فإن ما ذهبت إليه الهيئة الاتهامية في تحديد المدى الزمني لإسقاط حق مجلس النواب بملاحقة رئيس مجلس الوزراء والوزراء سندا للمادة 70 من الدستور، بات يحتم على النيابة العامة التمييزية ان تنظم محضر معلومات موثق بما يردها من إخبارات وتقارير ودعاوى بحق هؤلاء وترسله الى مجلس النواب ليوزع على سائر النواب ليقرروا ما إذا كان خمسهم (سندا للقانون 13/90) سينظم عريضة اتهام أم لا. تأسيسا على ذلك، هل يمكن ترك مسألة اختيار المرجع الصالح لمحاكمة الرؤساء والوزراء رهنا بإرادة الحكومة وأجهزتها التي تملك كل المعلومات وبالتالي القادرة على تكوين ملفات؟ وإذا صح ذلك، لماذا لم يسر المشترع الى ذلك، لا نصا ولا تلميحا، في أي مرحلة من المراحل؟ وحتى اتضاح صحة ما انتهت إليه الهيئة الاتهامية في جبل لبنان التي أسقطت، وبأسلوب قاس، صحة ما ذهب إليه قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان جوزف القزي بقولها »ان ما اعتمده لإيلاء القضاء العدلي صلاحية ملاحقة ومحاكمة المستأنف (الوزير السابق فؤاد السنيورة) يكون مفتقرا الى السند القانوني الذي يسوغه«، كيف تعاملت الهيئة مع الدفوع التي قدمها المحاميان سليم عثمان وصلاح الدين دباغ بوكالتيهما عن الوزير السنيورة؟ بدا واضحا ان القرار الصادر عن الهيئة الاتهامية أعاد، مع فارق وحيد لجهة تحديد صلاحية مجلس النواب بالملاحقة، سرد ما كانت محكمة التمييز قد اعتمدته من تعليل في قضية الوزير السابق شاهي برسوميان، إذا حصرت نقاشها لمسألة الصلاحية النوعية بإجراء مقارنة بين نصي المادتين 60 و70 من الدستور. ولم يتوقف القرار عند الحجج التي ساقها الدفاع عن السنيورة ضد قرار محكمة التمييز التي لم يتسن لها أن تطلع عليها لمناقشتها وتقديم الأجوبة المقنعة عنها، على اعتبار ان الحجج الانتقادية أتت في وقت لاحق لرفع المحكمة يدها عن الملف. وقد ركزت مذكرة عثمان ودباغ في هذا الاطار على نقاط بقيت من دون مناقشة أبرزها: } ضرورة تفسير المادتين 60 و70 من الدستور بشكل يتكامل مع تفسير المادتين 71 (يحاكم رئيس الوزارء أو الوزير المتهم أمام المجلس الأعلى) و80 (المجلس الأعلى مهمته محاكمة الرؤساء والوزراء) من الدستور. } ضرورة أن يأتي التفسير متلائما مع نية المشترع التي يمكن الاستدلال عليها بإجراء نظرة شاملة على القوانين المتعددة والمختلفة كونها تشكل كيانا واحدا، وهي قوانين تولي عناية خاصة للأعمال الإدارية والأعمال ذات الطابع العام، وتولي رعاية خاصة للقائمين بهذه الأعمال »باعتبار ان إنجازها يرتبط بالمصلحة العامة العليا، ويقتضي تأمين حماية مشروعة للقائمين بها، حتى يتمكنوا من ممارسة حقوقهم في التقدير، ومن اتخاذ المواقف والقرارات اللازمة عند الاقتضاء بحرية وباطمئنان، ومن دون خوف من التعرض لملاحقات كيدية أو غير جدية، تؤدي الى جعلهم يتخاذلون ويترددون في اتخاذ أي قرار أو أي موقف، وتؤدي بالتالي الى شلل في سير الأعمال وإلى إلحاق الضرر بالصالح العام«. وعددت المذكرة مآخذها على قرار محكمة التمييز الصادر في قضية برسوميان والذي أعيد اعتماده، مع بعض الفوارق وهي: } عدم جواز تفسير مادتين تأسيسا على فرق في حرف واحد. } ان إعطاء الحق لمجلس النواب بالملاحقة وعدم إلزامه، هو من باب منحة سلطة التقدير نفسها التي تتمتع بها النيابات العامة في القضايا العادية بحيث يحق لها في كل قضية ان تدعي أو لا تدعي. } ان إعطاء الصلاحية لمرجعين قضائيين مختلفين ومستقلين وتابعين لسلطتين دستوريتين مستقلتين ومختلفتين، هي نتيجة غير منطقية وغير عملية وتتناقض مع مبدأ فصل السلطات ومع روح الدستور ومع روح وثيقة الوفاق الوطني (باب المحاكم)، فضلا عن كونها خطرة ويمكن أن تؤدي الى البلبلة والتناقض في الأحكام والى إفساد جو المحاكمات والى المزاحمة على وضع يد. تستعرض المذكرة الاستثنائية التي سمح الدفاع بنشرها بعدما تم نشر القرار الصادر عن الهيئة الاتهامية ووزع نصه لاحقا عبر »الوكالة الوطنية للاعلام« الرسمية، عدم وجود أي مسؤولية فردية على السنيورة لتوقيعه اتفاقية مع الدولة الايطالية لأن ذلك تم بعد صدور قانون يجيز ذلك وبتفويض من مجلس الوزراء كما أن تنفيذه للاتفاقية لم يبدأ إلا بعد صدور مرسوم اقترن بموافقة مجلس الوزراء. هذه المسألة لم يبحثها القرار تماما كما لم يبحث مسألة في غاية الأهمية وتتعلق بعدم صلاحية القضاء العدلي أو غيره للنظر بالأفعال المدعى بها على السنيورة لأنها من الأعمال الحكومية المحضة. وإذا كان القرار اكتفى بالاشارة كما فعل قاضي التحقيق ان نظرية الأعمال الحكومية تعرض عادة أمام مجلس شورى الدولة، فإن المذكرة استعرضت هذه المسألة بالتفصيل. على أي حال ماذا جاء في مذكرتين رفعهما وكيلا السنيورة المحاميان عثمان ودباغ الى الهيئة الاتهامية؟ في ما يأتي أبرز ما ورد في المذكرتين، ولا سيما النقاط التي تجنب القرار القضائي مناقشتها او تفصيل جوابه عنها: عدم الصلاحية عملاً بأحكام المادتين 70 و71 من الدستور الأفعال المادية التي ادعت النيابة العامة بسببها على الوزير السابق الأستاذ فؤاد السنيورة، تقتصر على قيامه بتوقيع اتفاق تسوية ومن ثم على قيامه بوضع هذا الاتفاق موضع التنفيذ. وهذه الأفعال هي من الأعمال الادارية التي تدخل في صلب مهمات وصلاحيات الوزير والتي كما يحق للوزير، يجب عليه أيضا، القيام بها، والتي لا تتوفر فيها عناصر أي جرم يعاقب عليه القانون ولا يمكن ان تكون سببا لأي ملاحقة جزائية. ويقتضي، باعتبار المدعى عليه وزيرا، التوقف أمام مسألة قانونية أولية، هي تحديد ما إذا كان النظر في الدعوى الحاضرة يعتبر من صلاحية المحاكم الجزائية العادية، أم انه من صلاحية المجلس الأعلى وحده. لجهة النصوص الدستورية والقانونية المتعلقة بأصول ملاحقة الوزراء: تقتضي الاشارة اولا، الى ان المادة 70 من الدستور، ليست النص القانوني الوحيد المتعلق بموضوع اصول الملاحقات الجزائية بحق الوزراء وتعيين المرجع الصالح للقيم بهذه الملاحقات وللنظر فيها. فالى جانب النص المذكور توجد نصوص اخرى، اكثر وضوحا وجزما، تتعلق بنفس الموضوع، منها: المادة 71 من الدستور والمادة 80 من الدستور والمادة 42 من قانون اصول المحاكمات امام المجلس العدلي (القانون رقم 13/1990) التي تنص على وجوب ان يكون المجلس الاعلى مقيدا بالقانون في وصف الجنايات والجنح وفي العقوبات الممكن فرضها، ويحق له تعديل الوصف القانوني الوارد في قرار الاتهام. ولجهة المبادئ والقواعد العامة التي يقتضي العودة اليها في معرض تفسير النصوص المذكورة. لا بد من الاشارة الى: اولا: ان النصوص المذكورة اعلاه واردة في الدستور، الذي ادخلت عليه مؤخرا تعديلات بموجب القانون الدستوري الصادر بتاريخ 21/9/1990 تكريسا للمبادئ التي كانت قد اقرت في وثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف). وهذا الامر يدعو الى ضرورة ان تؤخذ دائما بعين الاعتبار، جميع المبادئ العامة التي اقرت في وثيقة الوفاق الوطني والتي تم تكريسها في الدستور، ومنها بصورة خاصة مبدأ الفصل بين السلطات، مع العلم ان هذا المبدأ مكرّس في الفقرة (ه) من مقدمة الدستور كما ان وثيقة الاتفاق الوطني تعرّضت لهذا المبدأ واكدت التمسك به، واوضحت الاسباب الداعية الى التأكيد على الفصل بين السلطات مع الاصرار في الوقت نفسه على التعاون بينها، واوصت انطلاقا من ذلك بتشكيل المجلس الاعلى المنصوص عليه في الدستور، واوضحت الغاية من تشكيله والمهمات المطلوبة منه، وقامت بذلك في البند المتعلق ب: »المحاكم« من باب »الاصلاحات الاخرى« من الاسباب الموجبة الذي نص على ما يلي: أ ضمانا لخضوع المسؤولين والمواطنين جميعا لسيادة القانون وتأمينا لتوافق عمل السلطتين التشريعية والتنفيذية مع مسلمات العيش المشترك وحقوق اللبنانيين الاساسية المنصوص عليها في الدستور: 1 يشكل المجلس الاعلى المنصوص عنه في الدستور ومهمته محاكمة الرؤساء والوزراء، ويسن قانون خاص بأصول المحاكمات لديه«. ثانيا: وانه توجد نصوص دستورية وقانونية متعددة تتعلق بموضوع ملاحقة الوزراء ومحاكمتهم. ومن المسلم به في قواعد تفسير النصوص القانونية، عند وجود نصوص متعددة بشأن موضوع واحد، انه: يجب عدم الاكتفاء بالاعتماد على نص واحد منها او على كلمة واحدة او حرف واحد من احد نصوصها، كما حصل في بعض الحالات، بل يجب استعراض النصوص المتعلقة بالموضوع كلها، وتفسيرها باعتماد المعنى الذي يستخلص منها كلها مجتمعة، والذي يؤدي الى المحافظة على الانسجام فيما بينها من جهة والى الانسجام بينها مجتمعة وبين المبادئ والقواعد القانونية العامة من جهة ثانية. وانه لا يجوز ويكون من الخطأ، تفسير المادة 70 من الدستور، دون اي سبب آخر سوى وجود حرف »اللام« في اول كلمة منها، بطريقة تؤدي الى جعل النصوص الدستورية الاخرى المذكورة بدون معنى والى ما يعني عمليا إلغاء هذه النصوص واعتبارها غير موجودة. ثالثا: وانه اخيرا، وفي معرض تفسير نص قانوني يتعلق بموضوع معين، يكون من الواجب ان تؤخذ سائر النصوص الاخرى بعين الاعتبار حتى لو كانت متعلقة بمواضيع مختلفة، لأن القوانين المتعددة والمختلفة في كل بلد تشكل بمجملها كيانا واحدا وتشريعا واحدا صادرا عن مشترع واحد، ويفترض فيها ان تكون مبنية على افكار وعلى نظرة للامور واحدة، مما يدعو للسعي عند تفسيرها الى المحافظة على الانسجام بينها، والى عدم تفسير احدها كأنه مبني على فكرة مناقضة ومعاكسة للفكرة التي تبدو القوانين الاخرى او بعضها مبنية عليها، وانطلاقا من ذلك، لا بد من الاشارة في الدعوى الحاضرة الى: ان المشترع اللبناني، في مجمل تشريعاته، يولي الاعمال الادارية والاعمال ذات الطابع العام عناية خاصة، ويولي القائمين بهذه الاعمال رعاية خاصة، باعتبار ان انجاز الاعمال المذكورة يرتبط بالمصلحة العامة العليا، وانه من الضروري تأمين حماية مشروعة للقائمين بها حتى يتمكنوا من ممارسة حقوقهم في التقدير ومن اتخاذ المواقف والقرارات اللازمة عند الاقتضاء بحرية وباطمئنان ودون خوف من التعرض لملاحقات كيدية او غير جدية، تؤدي في حال بقائهم معرّضين لها الى جعلهم يتخاذلون ويترددون في اتخاذ أي قرار او أي موقف، وتؤدي بالتالي الى الشلل في سير الاعمال والى الحاق الضرر بالصالح العام. وان القوانين اللبنانية تتضمن نصوصا عديدة ومختلفة تحمي القائمين بمهمات ذات طابع عام من الملاحقات غير الجدية او الكيدية، منها: ان كل موظف لا يمكن ملاحقته بسبب اي فعل يقدم عليه اثناء ممارسة وظيفة او بمناسبتها الا بعد الحصول على ترخيص من رئيسه، وان النائب لا تمكن ملاحقته إلا بعد ان يرفع المجلس النيابي الحصانة عنه، ورئيس البلدية والمختار تستلزم ملاحقته الحصول على اذن من رؤسائهما وكاتب العدل لا يلاحق إلا إذا أذن وزير العدل بذلك. وان القوانين اللبنانية تتضمن من اجل بعض الفئات المميزة من الموظفين انشاء محاكم خاصة لهم تراعى فيها قاعدة »ان المرء لا يحاكم الا من قبل انداده ومن هم بمستواه في المرتبة والمكانة«. ومن ذلك: ان للسادة القضاة محاكم خاصة، وان للعسكريين محكمة خاصة. وفي هذه الحالة، يعتبر من الطبيعي تماما ان يعامل الوزير وفقا لما هو منصوص عليه في الدستور، فلا يلاحق جزائيا الا بعد اتهامه من مجلس النواب، واذا اتهمه مجلس النواب يحاكم امام المجلس الاعلى المؤلف من ثمانية قضاة رفيعي الرتبة ومن سبعة من السادة النواب. وخلاف ذلك، يكون امرا غير طبيعي وغير عادل وغير انساني وغير مقبول، ولا يكون مؤتلفا مع مجمل التشريع اللبناني. ولجهة الاحكام القضائية الصادرة في ملاحقات كانت قد جرت بحق وزراء: نلفت النظرة الى انه منذ سنة 1989 وحتى الآن حصلت امام المراجع القضائية العادية في لبنان عدة ملاحقات جزائية بحق وزراء سابقين، وصدرت فيها قرارات، وهي: 1 قرار الهيئة الاتهامية في بيروت الصادر بتاريخ 18/12/89 وقرار محكمة التمييز الجزائية الصادر بتاريخ 6/5/1991، في دعوى كانت قد وجهت ضد وزير سابق خلال سنة 1989. 2 مطالعة النائب العام المالي المؤرخة في 16/1/1996 والتي كانت قد ابديت في دعوى اخرى موجهة ضد وزير سابق. 3 قرار محكمة التمييز الجزائية الصادر بتاريخ 24/3/1999، في دعوى وجهت ضد وزير سابق مؤخرا ولا تزال قيد التحقيق امام حضرة قاضي التحقيق الاول في بيروت. وتعليقاً على هذه القرارات، نوضح: اول: بشأن القرارات الثلاثة الاولى، مع قرارات اخرى صدرت في دعويين او ثلاث مشابهة وهي كلها صدرت خلال الفترة الممتدة بين سنة 1989 و1999. نلاحظ ما يأتي: } في جميع هذه القرارات، قُضي بأن الملاحقة بسبب جرم من جرائم الوظيفة مرتكب اثناء الوظيفة او بمناسبة القيام باعمالها تخضع للاصول المنصوص عليها في المادة 70 من الدستور ويكون المجلس النيابي هو المرجع الصالح للاتهام والمجلس الاعلى هو المرجع الصالح للمحاكمة بشأنها، وتكون خارجة عن صلاحية القضاء العادي. } والاسباب التي اعتمدت في هذه القرارات للتوصل الى النتيجة المذكورة، كما يتبين من مراجعة مجمل حيثياتها، تلخص ب: ان مسؤولية الوزراء عن الجرائم التي يرتكبونها اثناء وبمناسبة قيامهم بمهامهم الوزارية تعتبر امتدادا لمسؤوليتهم السياسية التي يخضعون فيها لرقابة المجلس النيابي، ولذلك كان من المنطقي ان يترك لمجلس النواب تقرير مسؤوليتهم وتقرير ملاحقتهم بشأنها ام لا. ان عبارة »لمجلس النواب ان يتهم الوزراء« الواردة في المادة 70 من الدستور لا تعني سوى الاقرار للمجلس بسلطة استنسابية لتقرير الاتهام او عدمه وفقاً لتقديره وفي ضوء الظروف المحيطة بالقضية. ان صلاحية مجلس النواب في الاتهام وصلاحية المجلس الاعلى في المحاكمة هي صلاحية حصرية مانعة لصلاحية أي مرجع قضائي آخر. } وكل ما تقدم يدل في مطلق الاحوال على ان الاجتهاد اللبناني كان طيلة عشر سنوات، منذ 1989 و1999 مجمعا ومستقرا على اعتبار ان ملاحقة الوزراء بجرائم من نوع جرائم الوظيفة تخرج عن صلاحية القضاء العادي وتدخل حصرا في صلاحية المجلس الاعلى. مناقشة »التمييز« ثانيا: واما بشأن القرار الاخير الصادر عن محكمة التمييز بتاريخ 24/3/1999، فانه بعد استقرار الاجتهاد طيلة عشر سنوات، جاء يخالف هذا الاجتهاد المجمع عليه والمستقر، وتضمن اقرار نظرية جديدة مبتكرة مفادها: ان صلاحية المجلس الاعلى بموجب نصوص الدستور ليست حصرية ولا ملزمة بل انها فقط ممكنة، وانه اذا كان الدستور يعطي مجلس النواب بالافضلية الحق في مباشرة الدعوى فانه لا يحصر ذلك بالمجلس وانه ما دام المجلس لم يستعمل الحق ويباشره يكون اقدام النيابة العامة المالية على الادعاء امام القضاء العادي قانونيا ومقبولا. وبرر ذلك بحجج اوردها في الحيثيات، كلها، مع النتيجة التي استُخلصت منها كانت في غير محلها، بحيث يقتضي عدم الانسياق معها وعدم التقيد بها والعودة الى الموقف الذي كان مقررا سابقا في الاجتهاد كما سنوضح ذلك في الفقرة التالية. } الخطأ في الحيثيات وفي الحجج التي بُني عليها قرار محكمة التمييز الاخير النتيجة التي انتهى اليها قرار محكمة التمييز الاخير الصادر بتاريخ 24/3/99، والاسباب والعلل التي توسلها للتوصل الى هذه النتيجة ليست في محلها القانوني الصحيح، فضلا عن كونها خاطئة وخطرة، وتتعارض مع المبادئ العامة وتخالف روح الدستور ووثيقة الطائف. أولا : فما استند إليه القرار المذكور من نصوص الدستور، اقتصر على مادة وحيدة منه، هي المادة 70، وذلك في حين: ان الدستور يتضمن ايضا المادة 71 التي تنص بشكل جازم ومطلق على انه: »يحاكم رئيس مجلس الوزراء والوزير المتهم امام المجلس العدلي« وانه يتضمن ايضا المادة 80 التي تنص على ان المجلس الاعلى: »مهمته محاكمة الرؤساء والوزراء« ولو ان القرار توقف امام هذين النصين الواردين بصيغة مطلقة وشاملة، اضافة الى نص المادة 70، لما وجد وسيلة للتهرب من حقيقة قصد المشترع بأن يكون المجلس الاعلى هو المرجع الصالح وحده ودون سواه لمحاكمة الرؤساء والوزراء ثانيا : وما استند إليه القرار من نص المادة 70 اقتصر على عبارة »لمجلس النواب ان يتهم...« التي فسرها خطأً بأن مجلس النواب لا يملك وحده حق الاتهام. وهذا في حين: ان عبارة »لمجلس النواب« تعني: ان لمجلس النواب الحق، وهذا ثابت على كل حال من ان النص الاصلي للمادة 70 في دستور 1926 الموضوع باللغة الفرنسية كان يتضمن: "La chambre de deputژs a le droitس، وقد اشير الى ذلك، على كل حال، في قرار محكمة التمييز نفسه. وان القول بأن »للمجلس الحق« بأن يتهم، يعني حتما: ان حق الاتهام هو للمجلس، وان المجلس له الحق كله وليس نصفه، وانه ما دام هذا الحق هو له فهو لا يمكن ان يكون لغيره. ثالثا : وعبارة: »لمجلس النواب ان يتهم...« الواردة في المادة 70: تعني فقط، ان مجلس النواب ليس ملزما بالاتهام في كل قضية، وان له في كل قضية، تبعا لمجمل الظروف المحيطة ببها، الحق في ان يتهم او لا يتهم، وانه في ذلك يتمتع بنفس سلطة التقدير التي تتمتع بها النيابات العامة في القضايا العادية، بحيث يحق لها في كل قضية، بموجب القاعدة المعروفة ب: "Lصopportunitژ des poursuitesس ان تدعي او ان لا تدعي. وهي لا تعني اي شيء آخر. رابعا : والنتيجة التي انتهى إليها قرار محكمة التمييز الصادر بتاريخ 24/3/1999، باعتماده موقفا يبقي فيه امر النظر في نوع معيّن من الدعاوى عائدا لصلاحية مرجعين قضائيين مختلفين ومستقلين وتابعين لسلطتين دستوريتين مستقلتين ومختلفتين، هي، في مطلق الاحوال، نتيجة غير منطقية وغير عملية، وهي تتناقض مع مبدأ فصل السلطات ومع روح الدستور وروح وثيقة الوفاق الوطني، فضلا عن كونها خطرة ويمكن ان تؤدي الى البلبلة والتناقض في الاحكام والى افساد جو المحاكمات. فإقرار الصلاحية في امر واحد لمرجعين مختلفين يفسح المجال للتسرع وللتسابق والتزاحم بين المرجعين الذي يمكن ان يصل الى درجة التخاصم والتصادم والتلاحم وأن يؤدي الى افساد جو المحاكمات. وعندما يكون المرجعان تابعين لسلطتين دستوريتين مختلفتين، يكون هذا الموقف متعارضا مع مبدأ الفصل بين السلطات، ويكون منافيا حتما لروح التعاون والتوازن التي حرص المشترع اللبناني على ان يكون مبدأ الفصل بين السلطات مقترنا دائما بها، ويمكن ان يؤدي الى التصادم بين السلطتين الدستوريتين المذكورتين والى تعكير الجو السياسي العام، ايضا في البلد. وخير حل يتوافق مع المبدأ المذكور ومع نصوص وروح الدستور وروح وثيقة الطائف ويؤدي الى تحقيق الفصل بين السلطات مع الحفاظ على التعاون والتوازن والتوافق بينها، هو في اعتماد الموقف الذي كان الاجتهاد اللبناني قد استقر عليه في ما بين 1989 و1999، وذلك خاصة، ان المجلس الاعلى يتألف من سبعة نواب وثمانية قضاة ويكون برئاسة قاض، وانه، بالتالي، مؤلف من اعضاء يمثلون السلطتين التشريعية والقضائية مع تغليب الطابع القضائي في تأليفه. الادعاء والعقاب لجهة الدفع الثاني كون الأفعال المنسوبة إلى المستأنف »لا تستوجب عقاباً« * قبل بيان الأدلة على انتفاء الصفة الجرمية كليا عن الافعال المنسوبة الى المستأنف في الدعوى الحاضرة، لا بد من ابداء ملاحظتين: الاولى: إن التذرع بعدم توفر عناصر الجرم المدعى به وعدم توفر عناصر اي جرم يعاب عليه القانون في الافعال المادية المنسوبة الى المدعى عليه، يشكل واحدا من الدفوع المنصوص عليها في المادة 74 أ.م.ج.، بدليل عبارة: »او بكون الفعل لا يستوجب عقابا« الواردة في نص هذه المادة. وانه، بالتالي، ولأننا ندلي حاليا بهذا الدفع، يجب الفصل فيه على حدة، قبل المباشرة بالتحقيق، عملا بنص المادة المذكورة الصريح. والثانية: ان الافعال المادية المدعى بسببها في الدعوى الحاضرة، كانت قبل ادعاء النيابة العامة المحترمة بها، موضوع تحقيق اولي موسع ودقيق يتم فيه استجواب كل من يجب استجوابه وأبرزت فيه صور عن جميع المستندات المتعلقة بالموضوع، وملف هذا التحقيق الاولي احيل مع ورقة الطلب الى دائرة حضرة قاضي التحقيق الاول، وان ما هو متوفر في ملف التحقيق حاليا، بالتالي، يكفي تماما لتكوين القناعة الاكيدة بما هو ثابت وما هو غير صحيح من الافعال موضوع الدعوى، ويكفي، تبعا لذلك، لتكوين الرأي القانوني حول ما اذا كانت الافعال الثابتة المدعى بها على المستأنف بالصفة الجرمية ام لا وما اذا كانت تستوجب او لا تستوجب عقابا ومن الوقائع الثابتة يتبين اذن: 1 ان الاستاذ السنيورة لم يقم بتاريخ 26/7/1997 بتوقيع اتفاقية التسوية بشأن معمل النفايات مع الجانب الايطالي، إلا بعد صدور القانون رقم 653 تاريخ 24/7/1997، الذي يجيز ذلك، وهو قام بذلك وفقا لما أجازه القانون المذكور تماما. 2 وانه لم يضع الاتفاقية المذكورة موضع التنفيذ إلا بعد ان كان مجلس الوزراء قد وافق على الاتفاقية بتاريخ 20/8/1997 وإلا بعد صدور مرسوم بتاريخ 30/8/1997 يحدد آلية التنفيذ، وهو في ما قام به لهذه الجهة، تقيد بكل دقة بآلية التنفيذ المحددة في مرسوم 30/8/97 3 وان العبارة الواردة في ادعاء النيابة، والمتضمنة ان الاستاذ السنيورة قام بتوقيع اتفاقية التسوية »دون ان يلزم الجانب الايطالي المقابل بإنشاء المعمل« (كذا)، تنطوي على تجاهل كامل للواقع وللظروف التي تم فيها توقيع الاتفاقية. فمن الثابت بشكل قاطع بما تضمنه ملف التحقيق الاولي نفسه: ان التفاوض الذي ادى الى اتفاقية 26/7/97، لم يكن جاريا مع شركة »دانيكو« التي كانت قد التزمت إنشاء المعمل وتجهيزه، بل كان جاريا مع الحكومة الايطالية، وان شركة دانيكو كانت قد قامت بتنفيذ ما تعهدت به وأنشأت المعمل وجهزته وانتهت من ذلك في سنة 1989 ولكن الحوادث العسكرية في سنة 1990 أدت الى تهديم المعمل ونهبه وزواله من الوجود. وان شركة دانيكو، كانت، قبل سنة 1992، قد قبضت من مؤسسة »ساتشي« الحكومية الايطالية، كامل ما استحق لها عن إنشاء وتجهيز المعمل الذي تعرض للهدم والنهب، وكانت قد خرجت نهائيا من الموضوع. وان ما كان يجري التفاوض عليه في سنة 1996 كان مقتصرا فقط على مطالبة الحكومة الايطالية بالدين المتوجب لمؤسسة ساتشي على اتحاد بلديات المتن. وان موضوع اعادة انشاء المعمل، كان بحاجة لقرار جديد ولدفع نفقات جديدة، ولم يكن مقررا، ولم يكن امره واردا، ولا ممكنا. 4 وان العبارة الثانية الواردة في ادعاء النيابة العامة والمتضمنة ان الاستاذ السنيورة وضع الاتفاقية موضع التنفيذ »دون ان تكون الاتفاقية قد اقترنت بالتصديق من المجلس النيابي« (كذا)، هي، بكل بساطة، عبارة خاطئة من اساسها. ذلك: ان الاستاذ السنيورة لم يوقع الاتفاقية بتاريخ 26/7/97 إلا بعد صدور القانون رقم 653 تاريخ 24/7/97 الذي يجيز توقيعها، ووفقا لأحكام هذا القانون. وهو لم يضع الاتفاقية موضع التنفيذ إلا بعد صدور المرسوم المؤرخ في 30/8/1997 الذي يحدد آلية تنفيذها، ووفقا لهذه الآلية. وأما اذا كانت العبارة الواردة في ادعاء النيابة العامة تشير الى مشروع قانون آخر كان قد احيل الى مجلس النواب وبقي فيه دون ان تتم مناقشته ودون ان يوضع على جدول الاعمال، فإن مشروع القانون هذا لا اهمية ولا قيمة له على الاطلاق، وقصته هي: انه لم يحل الى مجلس النواب الا في أول تشرين الاول 1997، أي: بتاريخ لاحق لتاريخ صدور القانون رقم 653 في 24/7/97 ولتاريخ توقيع الاتفاقية في 26/7/97 ولتاريخ تصديق مجلس الوزراء على الاتفاقية بتاريخ 30/8/97 وتاريخ صدور مرسوم 30/8/97 الذي حدد آلية تنفيذ الاتفاقية. وانه، بالتالي، ارسل في وقت متأخر، ودون وجود اي حاجة له، وأهمل. ان ارسال مشروع القانون هذا الى مجلس النواب لم يقرر الا بتاريخ 1/10/97، وتقرير ارساله عندئذ حصل عطفا على وقائع جلسة مجلس الوزراء المنعقدة بتاريخ 5/3/1997 والتي اطلع فيها المجلس على الاتفاقية الاولية الموقعة موقتا بتاريخ 25/11/96، والمتضمنة انها لا تصبح ملزمة إلا بعد صدور القانون بإجازتها. ومعلوم، ان الاتفاقية الاولية المؤرخة في 25/11/96 لم تكن ملزمة، وانها، على كل حال، ألغيت وزالت بنتيجة توقيع الاتفاقية النهائية بتاريخ 26/7/97، وان ارسال مشروع القانون بشأنها لم يكن لازما، وان ارسال مشروع القانون هذا، الى المجلس، تأخر كثيرا، ولم يرسل إلا بعد صدور القانون رقم 653، عندما لم تبق اية حاجة له. ومجمل ما تقدم يعني ويترتبب عليه: ان الاستاذ السنيورة كان، في كل ما قام به في القضية موضوع الدعوى، متيقظا ودقيقا في ممارسة مهماته الوزارية وشديد الحرص على المصلحة العامة، وان جميع الأفعال التي قام بها كانت بعلم مجلس الوزراء وتنفيذا لقراراته وتنفيذا لأحكام القانون ولا تتوفر فيها عناصر جرم المادة 363 عقوبات ولا عناصر اي جرم جزائي آخر، ولا يستحق بسببها الملاحقة بل يستحق التقدير والثناء. وانه، بالتالي، ولأن الافعال المنسوبة الى الاستاذ السنيورة لا تستوجب عقابا، يقتضي فسخ القرار المستأنف، وقبول هذا الدفع، وبالاستناد إليه، تقرير ابطال التعقبات بحق المستأنف الاستاذ السنيورة. المسؤولية الفردية لجهة الدفع الثالث عدم ترتب أي مسؤولية فردية على المستأنف يتبين ان المستأنف في كل ما قام به وما يتعلق بالقضية الحاضرة: كان يتصرف بصفته وزيرا وعضوا في مجلس الوزراء وكان يقوم بتنفيذ القرارات التي يتخذها مجلس الوزراء ووفقا لتعليمات وتوجيهات هذا المجلس، وكان عند قيامه بأي عمل يبلغه الى مجلس الوزراء فيصادق هذا المجلس عليه. وذلك يعني: ان المستأنف لم يقدم على اي عمل ولا على اي تصرف، بناء على قرار او رأي او موقف متخذ منه او عائد له شخصيا، لكنه، في كل ما اقدم عليه، كان ينفذ قرارات مجلس الوزراء باعتباره عضوا فيه وملزما بتنفيذ قراراته، انه لا مجال لترتب اي مسؤولية فردية عليه، وانه بالتالي يقتضي تقرير فسخ القرار المستأنف لهذه الجهة، وإبطال التعقبات بحق المستأنف لهذا السبب. الأعمال الحكومية عدم الصلاحية لان الافعال المدعى بسببها على المستأنف هي من نوع »الاعمال الحكومية«. اولا: مما اصبح مسلما به، بشكل كامل ونهائي، وفقاً للنظرية الحديثة التي انضجها مجلس شورى الدولة الفرنسي، والتي تبناها الاجتهاد اللبناني، انه انطلاقا من مبدأ الفصل بين السلطات المكرّس في الدستور، ومن ان للحكومة المتمثلة في لبنان بمجلس الوزراء دورا سياسيا تقوم بموجبه بتسيير دفة الحكم، ودورا اداريا تقوم بموجبه بتسيير الاعمال الادارية. استقر العلم والاجتهاد نهائيا، في فرنسا وفي لبنان، على اخراج قسم من الاعمال التي تقوم بها السلطة الاجرائية لا سيما منها الاعمال التي يغلب عليها الطابع السياسي من دائرة الرقابة القضائية، وعلى تسميتها »اعمالا حكومية«، واعتبارها مشمولة بحصانة قضائية كاملة. وان مما استقر العلم والاجتهاد على اعتباره »اعمالا حكومية actes de gouvernement« بصورة خاصة. الاعمال المتعلقة بعلاقات الحكومة مع الحكومات الاجنبية، والاعمال المتعلقة، بالتفاوض مع الحكومة الاجنبية على المعاهدات وعلى الاتفاقات المختلفة المواضيع والغايات، وبإقرار هذه المعاهدات والاتفاقات وابرامها وتنفيذها. ثانيا: ومما يؤيد ذلك، على سبيل المثال. * لجهة تمتع الاعمال الحكومية بالحصانة القضائية الكاملة: 5.1 La juridiction administrative et la juridiction judiciare sont ژgalement incompژtentes pour conna”tre d'un acte de gouvernement. Toute action portژe devant elles ˆ raison dصun tel acte est rejetژe sans examen au fond: elle est irrecevable, comme lصaffirment expressژment les arrets.... (E. DALLOZ- D.A. dm.- acte de gouvernement- p: 52) وبالمعنى نفسه: - A. DE LAUBADERE- Dr. Adm.- p: 922 - B. ODENT- Contentieux Adm.- p: 951 - R. CHAPUS- Dr. Adm. General- n 299- 399. وفي الاجتهاد اللبناني: قرار مجلس الشورى رقم 124 تاريخ 7/12/1995 مجلة القضاء الاداري صفحة: 192. قرار مجلس الشورى رقم 74 تاريخ 16/11/1995 مجلة القضاء الاداري صفحة: 111. * ولجهة الافعال التي تعتبر اعمالا حكومية: 561- La liste des actes de gouvenement... Ce sont: 1- les actes de lصexژcutif pris dans ses rapports avec le parlement: exercice du droit dصinitiative, dژcret de promulagation de la loi... 2- Les actes de lصexژcutif en matiژre de relations avec les puissances ژtrangژres. a) les actes relatifs ˆ la nژgociation et ˆ la conclusion dصun traitژ international, mگme dans la mesure o‌ ils ژmanent du gouvernement franچais seul (signature, ratification), ژchappent ˆ tout recours. b) Les actes relatifs ˆ lصpplication des traitژs. (J. RIVERO- J. WALINE- Dr. Adm.- 61 e ed. 6991) وفي الاجتهاد اللبناني: »... تعتبر اعمالا حكومية الاعمال الصادرة عن رئيس الجمهورية »والوزراء وعلاقاتهم المتبادلة بينهم ام في علاقاتهم مع مجلس »النواب او الاعمال المتعلقة بعلاقات الحكومة مع الدول الاجنبية« »(قرار مجلس القضايا رقم 189 تاريخ 3/1/1995). ثالثا: وفي القضية الحاضرة، كما اوضحنا ذلك اعلاه، * من الثابت بشكل قاطع في الملف: ان الافعال موضوع الدعوى تتعلق باتفاقيات أُجريت بين حكومتين: حكومة لبنان وحكومة ايطاليا، وان هذه الاتفاقيات تناولت، في وقت واحد، حلاً لمسألة تتعلق بدين تطالب به الحكومة الايطالية من جهة، واتفاقا على تسهيلات مالية قدمتها الحكومة الايطالية الى لبنان، من جهة ثانية، وان التداخل والترابط فيما جرى عليه التفاوض بشأن هذه الاتفاقيات، كان قائما وظاهرا في النصوص التي جرى التوقيع عليها، وان التفاوض بشأن هذه الاتفاقيات واقرارها بالنتيجة، حصل انطلاقا من علاقة الصداقة بين البلدين ومن الرغبة بالمحافظة على العلاقات الودية بينهما وبتعزيزها، ومن رغبة لبنان بإثبات صدقيته الائتمانية دوليا، ومن رغبة ايطاليا بتقديم المساعدات الممكنة للبنان، ومما هو، بالتالي، متعلق ومرتبط بالمصالح العامة العليا، السياسية والاقتصادية والمالية، بالنسبة الى البلدين. وان التفاوض بشأن هذه الاتفاقيات واقرارها وتنفيذها من قبل الجانب اللبناني، حصل بناء لقرارات بالموافقة صادرة عن السلطات الدستورية العليا في لبنان، وبموجب قرارات من مجلس الوزراء منها قرار 16/7/96 وقرار 20/8/97، وبموجب مراسيم متتالية منها المرسوم رقم 8777 تاريخ 17/7/97 والمرسوم رقم 19025 تاريخ 30/8/97 وبموجب القوانين رقم 653/57 ورقم 25/99 و26/99. * وانه لجهة دور المستأنف في هذه الاتفاقيات بشكل خاص، من الثابت: ان المستأنف، بصفته وزيرا للشؤون المالية ووزيرا للمالية بالوكالة، لم يقبل حتى مبدأ التفاوض، عندما كان سفير ايطاليا يراجعه طارحا موضوع الدين المتوجب على اتحاد بلديات المتن وحده، واستمر متمسكا بهذا الموقف طيلة نيف وثلاث سنوات فيما بين 1993 و1996. وانه لم يبد اهتماما بالامر الا بعد طرح الجانب الايطالي موضوعاً آخر يتعلق بالبروتوكولات المالية وبعد اصراره على الربط بين الموضوعين، وانه، عندئذ، لم ينفرد باتخاذ اي قرار او اي موقف بل انه رفع الامر الى مجلس الوزراء، وانه بعد ذلك، لم يقم بأي تحرك او اي تصرف الا تنفيذا لقرارات وتوجيهات مجلس الوزراء ومع التقيد بأحكام القوانين الصادرة عن مجلس النواب. * وهذه الافعال تتوفر فيها جميع شروط »الاعمال الحكومية Actes de gouvernement« وفقا لما هو مبين اعلاه، ويترتب على ذلك، ان هذه الافعال لا تخضع لاي رقابة قضائية، ادارية او مدنية او جزائية. وان النظر فيها، بشكل خاص يخرج عن صلاحية القضاء العادي المدني والجزائي ويخرج، بالتالي، عن صلاحية حضرة قاضي التحقيق. وقضى القرار المستأنف برد هذا الدفع بذريعة: اننا لم نبين الاساس القانوني الذي نستند إليه فيه، وان نظرية العمل الحكومي تعرض عادة امام مجلس الشوري، وتعليقا على ذلك نبدي الملاحظات التالية: } بمجرد تذرعنا ب: »العمل الحكومي« مع وضع التسمية التي تطلق عليه بالفرنسية "acte de gouvernementس، وباعتبار ان نظرية »العمل الحكومي« معروفة، وتوجد بشأنها مئات المؤلفات القانونية، ونوقشت شروطها ومفاعيلها في سلسلة طويلة من القرارات القضائية الصادرة في فرنسا وفي لبنان، واصبح امرها وكل ما يتعلق بها من البديهيات لدى رجال القانون، نكون قد بيّنا، بشكل كاف، الاساس القانوني الذي نستند إليه في هذا الدفع } القول بأن نظرية العمل الحكومي تعرض عادة امام مجلس الشوري، لا يؤثر على وجوب قبول هذا الدفع وعلى وجوب الاخذ به وتقرير عدم صلاحية قاضي التحقيق للنظر في الدعوى الحاضرة، بسببه، ذلك: انه اذا كانت نظرية العمل الحكومي تُعرض عادة امام مجلس الشوري، فلا شيء يمنع من عرضها امام اي من المحاكم الاخرى، وعندما تعرض النظرية المذكورة امام مجلس الشورى يكون ذلك في معرض نزاع معروض على هذا المجلس، وهذا يعني انه، عندما يكون النزاع معروضا على محكمة اخرى، يكون من الواجب عرض نظرية »العمل الحكومي« على هذه المحكمة التي تنظر في النزاع، نفسها، مهما كان نوعها ودرجتها. } وأخيراً، وعلى سبيل الاستزادة في العلم، ومنعا لاي جدل في الموضوع، نلفت النظر الى القرار رقم 189، الصادر بتاريخ 3/1/1995، عن مجلس القضايا في مجلس شورى الدولة، بهيئته المؤلفة من حضرة رئيس المجلس وحضرات رؤساء الغرف في مجلس الشورى، الذي تطرق بدقة وبشمول وبعمق لكل ما يتعلق بما يعتبر اعمالا حكومية، وبالقواعد القانونية المتعلقة بها، لجهة: نظرية الاعمال الحكومية، والاعمال المشمولة بهذا الوصف، وتمتّع هذه الاعمال بالحصانة القضائية الكاملة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة