عمد المجتهدون المسلمون منذ مطالع القرن الى ممارسة التجديد الفقهي بإحدى طريقتين: بالعودة الى المنهج القياسي التقليدي وإعادة إعماله وقَوده الى أقاصي حدوده وإمكانياته، او بالتركيز على مقاصد الشريعة باعتبار ذلك نهجا لإلقاء أضواء جديدة على القياس من جهة، وإعطاء مشروعية لمستجدات فكرية ومؤسسية لا يمكن إفادتها او تسويغها بالطريقة القياسية. بيد ان منهج المقاصد الذي بدا واعدا سرعان ما بان قصوره لعدم القدرة على تطوير آليات جديدة له تشبه في وظائفها آليات المنهج القياسي، ثم لأن القائمين عليه سرعان ما انكمشوا أمام هجمات التأصيليين ليعتذروا بأن المقاصد ليست أكثر من شكل من أشكال التعليل القياسي الممارَس من خلال بحوث وممارسات »تنقيح المناط«. وقد عاد الفقهاء المسلمون في الثمانينات لاستخدام فقه المقاصد وسيلة للتغيير. لكن تلك العودة ما كانت نتيجة نقد للمنهج القياسي او لنهج التأصيل، بل انهم اعتبروا الطريقة التأصيلية (العودة الى القرآن والسنة، والى السنة بالتحديد) أصلا او مظلة يستخدمون في ظلها او تحت عباءتها وبطريقة انتقائية القياس الفقهي تارة، وفقه المقاصد تارة اخرى. اما ما قام به لؤي صافي في كتابه: »إعمال العقل، من النظرة التجزيئية الى الرؤية التكاملية«(*) فأمر جديد نسبيا لوقوعه خارج وعي التأصيل تماما. فهو يرى أن التجديد الفقهي اليوم محتاج الى نقد اولي لعلم الأصول او للطريقة القياسية، ومحتاج أكثر الى نقد النزعة النصوصية التأصيلية التي سادت في أعمال الفقهاء، وفي كتابات الإحيائيين المسلمين المعاصرين. يقول صافي ان النزعة التوليفية لدى الفقهاء قديمة، وقد تفاقمت اليوم، في تجاهل للاختلافات المنهجية القديمة والحديثة: »وهكذا ينتهي الأمر بالطالب الى حفظ تعريفات وتمييز خطوات دون فهم العلاقة بين القياس والاستحسان، ودون إدراك ان المقاصد الشرعية منهجية متميزة عما سبقها من المنهجيات تهدف الى تجاوز المنهجية القياسية وان الدلالات النصية طريقة ابتكرتها المدرسة الحنفية في القرن الهجري الرابع تفاديا للاصطدام مع التيار الحنفي المتنامي لدى تقديم القياس على العمل بالسنن والأخبار وان القواعد الفقهية منهجية ابتكرت لضبط العمل بالمصالح المرسلة«. يختبر لؤي صافي المنهجية التقليدية التي آل بها الامر الى تهميش عمل العقل في النص وصولا للقول بالتعارض فيما بينهما، كما انتهى بها الامر الى اعتبار السنة مقارنة للقرآن وصولا للاعتماد عليها من دونه. في المسألة الاولى ينطلق الكاتب من مقولة ابن تيمية في »درء تعارض العقل والنقل« والتي لا ترى إمكان وجود تعارض حقيقي بين القطعيات النقلية والعقلية، وبالتالي ضرورة دفع المعارض العقلي حال قيامه والحكم عليه بالفساد. والمقولة الرئيسية هذه في كتاب ابن تيمية رد على أطروحة فخر الدين الرازي التي ذكرها في كتابه: »أساس التقديس« والتي ترى أنه اذا تعارضت الأدلة السمعية والعقلية او العقل والنقل، فاما ان يُجمع بينهما وهو محال لأنه جمع بين النقيضين، واما ان يُرد جميعا، واما ان يقدم السمع، وهو محال: لأن العقل أصل النقل فلو قدمناه عليه كان ذلك قدحا في العقل الذي هو أصل النقل، والقدح في أصل الشيء قدح فيه، فكان تقديم النقل قدحا في النقل والعقل جميعا فوجب تقديم العقل...«. اما ابن تيمية فيرى انه »اذا تعارض الشرع والعقل وجب تقديم الشرع، لأن العقل مصدّق للشرع في كل ما أخبر به، والشرع لم يصدّق العقل في كل ما أخبر به«. وهكذا لا يتنبه ابن تيمية الى أنه لا يمكن رد القطعي العقلي لأنه مناط التكليف او مداره، اي ان الشرع يتأسس عليه. حتى اذا تنبه لذلك في تضاعيف كتابه عاد للقول انه »يستحيل« ان يتعارض قطعيان أحدهما نقلي والآخر عقلي، ليعود فيقع فيما حاول الهرب منه! على ان اشكالية التعارض بين ابن تيمية وخصومه من متكلمي الأشاعرة (الرازي والغزالي والجويني) لا تعود الى تشكيك اولئك في أهمية الوحي في توجيه الحياة البشرية كما يتهمهم ابن تيمية. فكلا الفريقين مسلّم بذلك، وبضرورة اتباع الأحكام القطعية سواء أنتسبت الى الوحي او العقل.. بل تتعلق الاشكالية بتعارض منهجي في التفكير والاستدلال. وإذا كان ابن تيمية يُظهر افتراقه منذ البداية، فان الغزالي ايضا لا يتمكن من متابعة الطريق كما فعل الجويني شيخه من قبل، والرازي من بعد. بل انه يقسّم العلوم الى دينية وعقلية فيهمّش الثانية رغم اعترافه بصحتها (مثل الطب والحساب والهندسة) لعدم الحاجة اليها في الآخرة (نعوذ بالله من علم لا ينفع!)، ويمضي قدما ليس باتجاه النقل، ليس باتجاه النص السمعي، بل باتجاه النور الذي يقذفه الله في الصدر! وليس هذا ما يُزعج لؤي صافي في الغزالي والمتكلمين، بل ما يزعجه أنهم صاروا في الأصل الى رؤية للعقل ودوره وأحكامه مستمدة من القرآن، وهي تفهمه بطريقة شاملة وتقسّمه الى قسمين: غرَزي ومكتسب حسبما ذكر المحالبي في القرن الثالث الهجري. وبذلك كان هناك تناغم بين الوحي المسطور، والعالم المنظور (العقل الغرزي والمكتسب)، لكن الغزالي مضى في نقده للفلاسفة الى الأمد الأقصى في إنكار العقل حين أسقط العلاقة العقلية بين السبب والمسبّب، فشكك من جهة في صحة المشاهد والمتعقل، لكنه فعل ما هو أكثر من ذلك إذ أدى مذهبه هذا الى جعل »التعليل« في الطبيعة والشريعة غير مضمون ولا مطرد رغم مخالفة ذلك لقطعيات النص القرآني. فاذا كانت عقلانية الفلاسفة الاسلاميين صورية، فان عقلانية المتكلمين المسلمين هشة. ما كان إبن تيمية في مواجهته للعقل بالنقل يخشى على القرآن بقدر خشيته على السنة، التي لا تتوافر لها قطعية الثبوت في كل الحالات، ولا قطعية الدلالة في بعضها. وكانت التطورات الفقهية منذ القرن الثالث الهجري قد حكّمت المدرسة الفقهية في اختيار نصوص السنة المعتبرة، كما حكّمت الأحاديث في عملية اختيار نصوص الكتاب وتحديد حكمها. ويذكر المؤلف أن نزعة تقديم السنة على القرآن او تحكيمها فيه تتبدى من عبارتين إحداهما منسوبة ليحي بن أبي كثير ( 113ه)، والاخرى منسوبة للأوزاعي ( 157ه). الاولى تقول: السنة ماضية على الكتاب، وليس الكتاب بقاض على السنة. والثانية تقول: الكتاب أحوج الى السنة من السنة الى الكتاب. وفي تصور المؤلف أنه في عصر الصحابة والتابعين فان السنة كانت تبعا للكتاب كما يذكر في عدة أمثلة. اما بعد ذلك فقد ارتفع تطور جعلها مقارنة للكتاب الإمام الشافعي مسؤول عنه، ثم صار الامر الى أنها صارت لدى المحدثين والحنابلة (الخبر الواحد، والخبر الضعيف) وبعض الفقهاء الآخرين حاكمة على القرآن في كثير من الحالات المذهبية. ما فعله الإمام الشافعي انه جعل السنة (في رسالته) مقارنة للكتاب باعتبارها أصلا تشريعيا مثله، ثم انه فصل بينهما عندما لم يُجز نسخ السنة بالقرآن وبذلك صارت مصدرا تشريعيا مستقلا، على الرغم من أنها كانت دائما ظنية الثبوت وظنية الدلالة. ولا يأتي المؤلف بأسباب مقنعة لحدوث هذا التطور. لكنه يذكر أسباب اعتراضه على منهج استقلال السنة بالتشريع: ان تصرفات رسول الله(ص) كانت أحيانا اجتهادية، وان السنة لم تُخفظ كما حفظ القرآن، وان طرائق نقد السند والمتن ليست كافية لجعل حجيتها مقارنة لحجية الكتاب، وان كثيرا من الأحاديث الصحيحة المستخدمة في تخصيص نص قرآني او تقييده تتناقض مع مقاصده الكلية (يذكر الكاتب مثلين لذلك من عند الشافعي: عدم قتل المسلم بالكافر، وتعليل فرضية الجهاد بالكفر). اما الإحيائية الاسلامية المعاصرة التي تعتمد منهج التأصيل، اي العودة المباشرة للكتاب والسنة، بل وللسنة على الخصوص، فلؤي صافي لا يعتبرها نصوصية الا في الظاهر والشكل، اما في الواقع فهي تتبنى منهجية إسقاطية يمثّل لها صافي بمفهومي سيد قطب للمجتمع والحضارة. يقول سيد قطب: »وحين يبلغ المؤمنون بهذه العقيدة ثلاثة نفر، فان هذه العقيدة ذاتها تقول لهم: أنتم الآن مجتمع إسلامي مستقل، منفصل عن المجتمع الجاهلي الذي لا يدين لهذه العقيدة«. ويتساءل صافي: كيف يكون الأنفار الثلاثة مجتمعا؟ وما هو هذا الفهم للمجتمع الذي يملك نظما وأعرافا وعيشا متصلا بمجاورين ومجتمعات اخرى؟ ثم يناقش مفهوم قطب للحضارة باعتبار المجتمع المسلم ذي الأنفار القليلة هو المتحضر وحده أما الآخرون فلا يصحّ إطلاق هذا الوصف عليهم. وما لم يدركه لؤي صافي أن سيدا هنا كان ينشئ جماعة مسلحة تتصدى للمجتمع الجاهلي! وسيد قطب ليس نصوصيا حتى بالمعنى الشكلي، بل هو تأصيلي أي أنه يقرأ في آيات قرآنية قليلة كل التصور الذي يرغبه لمجتمعه وحزبه. اما النصوصيون التأصيليون فهم تيار آخر من تيارات الإحيائية الاسلامية هو التيار السلفي. وقد قام السلفيون المحدثون والمعاصرون بنشر آلاف المجموعات الحديثية عشرات المرات، وعنوا ببحوث نقد السند عناية كبيرة، لكن غير ذوي الثقافة الفقهية منهم يحتكمون فعلا الى الأحاديث أكثر مما يحتكمون الى القرآن. والمعروف ان الإمام أحمد كان يقدم الخبر الضعيف وقول الصحابي الذي ليس له مخالف، على القياس المستند الى نص قطعي والسلفية تقول بالاجتهاد، لكنهم يقلدون الإمام أحمد عمليا عندما يتبنون تلك النزعة التأصيلية القوية. * * * ما اكتفى لؤي صافي بنقد الرؤية التقليدية لعلاقة العقل بالنقل، ولا لعلاقة الكتاب بالسنة. فقد قدّم بمقدمة طويلة في رؤية القرآن للعقل، وفي نقد »العقل الوضعي« لدى المفكرين العرب: حسن حنفي ومحمد عابد الجابري. اما العقل والنقل، والكتاب والسنة فقد نقد الأفهام الكلاسيكية لهما تحت عنوان: العقل التراثي. ثم درس »نظام الخطاب« لدى علماء أصول الفقه القدامى دراسة نقدية، وعاد لقراءة »نظام الطبيعة« في القرآن، ثم في منظومات الفقهاء والمتكلمين والفلاسفة. وفي فصله الاخير حول »نظام المجتمع« عرض طويلا نصوصا خلدونية، وانتهى الى نقد منظور سيد قطب. وأنا أرى أن فصوله حول »نظام الخطاب« هي الأفضل في مجال نقد القياس الفقهي، لكن لا يمكن عرضها في صحيفة يومية. اما رأيه النظري في السنة فيمكن فهمه واعتباره، لكن تفاصيل النقد تعني أن السنة العملية هي الاولى بالاعتبار. على انه يقول من ناحية اخرى ان تصرفات النبي(ص) كثيرا ما كانت اجتهادية: فما هي حقيقة رأيه في السنة؟! لا ندري. اما ما أدريه فان هذا النقد للمنظومة الكلاسيكية الكلامية والفقهية، ومن موقع الحب والتقدير والتجاوز، أمر مفيد. وقد يكون ضروريا لتجديد علوم الشريعة. قرأت للؤي صافي من قبل كتابه: »العقيدة والسياسة، معالم نظرية عامة للدولة الاسلامية« (1996). وهو يتضمن نظرات عميقة في جوانب من الخبرة التاريخية الاسلامية في المجال السياسي. لكن كتابه الجديد أكثر تماسكا ودقة. وهو يشبه في توجهه العام ما صارت إليه أطروحات مفكري »المعهد العالمي للفكر الاسلامي«، والذين قدموا قراءات لافتة للقرآن الكريم، وللتحديات التي تواجه الفكر الاسلامي والمجتمعات الاسلامية في الحاضر. (*) لؤي صافي: إعمال العقل، من النظرة التجزيئية الى الرؤية التكاملية. دار الفكر، دمشق، 1998.