دمشق »السفير« أخيرا وبعد طول انتظار وسيل من التقديرات والترشيحات، حسم الرئيس حافظ الأسد الامر بخطوة أولى تمثلت بقبول استقالة الحكومة السورية التي رئسها طوال 12 عاما المهندس محمود الزعبي، وكلف محافظ حلب الحالي الدكتور محمد مصطفى ميرو تشكيل الحكومة الجديدة. وفي حين قدرت أوساط سياسية مطلعة ان هذه الخطوة الأولى على طريق التغيير توحي بتوفر معطيات جديدة ترجح احتمال استئناف المفاوضات السورية الإسرائيلية قريبا، نتيجة لدور أميركي جدي وحاسم في تحويل اعتراف إيهود باراك »بوديعة رابين« إلى التزام ثابت، فإن الحديث عن خطوات أخرى جوهرية في استكمال إعادة بناء المؤسسات، لا سيما القيادة القطرية لحزب البعث القائد للجبهة الوطنية التقدمية، لم يعد الآن مجرد تقدير بل بات ينتظر تحديد الموعد لانعقاد مؤتمر الحزب المرجح ان يكون في مدة لا تزيد عن شهرين. ولا تستبعد أوساط قيادية مطلعة إعلان الحكومة الجديدة يوم السبت المقبل، خصوصا وان اليوم (الأربعاء) عطلة رسمية في سوريا (عيد ثورة الثامن من آذار التي تسلم فيها الحزب قيادة الحكم)، وعلى هذا كلف الرئيس الأسد الحكومة المستقيلة بتصريف الأعمال ريثما تعلن الجديدة. وقد عقدت هذه الحكومة آخر مجلس وزراء، أمس، برئاسة الزعبي، لم يستغرق أكثر من ثلاثة أرباع الساعة، وكان واضحا انه وداعي.. أما ملامح التشكيلة الحكومية الجديدة فقد حدد صورتها العامة الرئيس حافظ الأسد في خطاب »البيعة« التي منحته ولاية سادسة في رئاسة سوريا قبل عام، كما أعاد توضيح هذه الملامح الدكتور بشار الأسد، في عدد من اللقاءات، ثم أعلنها في أكثر من تصريح صحافي، مشددا على ضرورة اعتماد الكفاءة والنزاهة والحداثة في التفكير واعتماد لغة العصر بمختلف وجوه التقدم العلمي وأبرزها ثورة الاتصالات والمواصلات وسقوط الحدود والشفافية والحركة الحرة للرساميل والاستثمارات، وما يوفره الكومبيوتر من قفزات هائلة في مجال المعلوماتية وتوظيفاتها المتعددة. وفي حين يسود الاجماع حول ثبات بعض الوزراء الأساسيين في مواقعهم، وبالتحديد العماد أول مصطفى طلاس في الدفاع وفاروق الشرع في الخارجية والدكتور محمد حربه في الداخلية، فإن أسماء المرشحين لدخول الحكومة الجديدة كثيرة جدا، وإن كان التقدير أن نصيب أساتذة الجامعة سيكون الأبرز (ستة على الأقل)، كما أن السمة الغالبة ستكون »الشباب«. بين الأسماء التي ترددت بقوة: عدنان عمران للإعلام، وهو سفير سابق ومندوب سوريا لدى الجامعة العربية ثم معاون وزير الخارجية، بسام لحام للتربية (وهو الآن المدير العام لمركز المعلوماتية الذي أسسه الراحل باسل الأسد ويشرف عليه الآن الدكتور بشار الأسد)، مكرم عبيد للاتصالات، وهو حاليا مدير عام مؤسسة الاتصالات، السيدة مهى قنوت للثقافة، نبيه الخطيب للعدل، وهو الآن رئيس محكمة الأمن الاقتصادي. مَن هو مصطفى ميرو؟! مَن هو رئيس الحكومة الجديدة؟ في المعلومات الشخصية انه من مواليد بلدة التل، القريبة من دمشق، 1941، وان له خمسة أولاد (ثلاثة من زوجته الأولى التي قضت في حادث سيارة، واثنان من زوجته الثانية وهي مهندسة). بعثي قديم، بدأ حياته العملية مديرا لمدرسة الحرس القومي للحزب في بلدته التل، ثم دخل قطاع التعليم، وصار نقيبا للمعلمين وممثلا لسوريا في اتحاد المعلمين العرب قبل ان يتم اختياره محافظا للجزيرة (7 سنوات) ثم لحوران (7 سنوات) قبل تسميته محافظا لحلب قبل ست سنوات. ويشهد عارفو محمد مصطفى ميرو له بالكفاءة الإدارية وبالديناميكية وسرعة البديهة، وبأنه قائد ورشة ميداني. تابع دراسته في الأدب العربي، وهو موظف، فأنجز أطروحة عن المفكر والكاتب اللبناني الكبير أمين الريحاني، ونال الدكتوراه من جامعات الاتحاد السوفياتي. ولمحمد مصطفى ميرو صلة نسب بالأمين العام للقيادة القومية لحزب البعث عبد الله الأحمر. أما حول شخصيته، وفي موقعه كمحافظ، فقد كتبت الزميلة عناية جابر، التي شاركت في تغطية مهرجان الغناء العربي في حلب، الانطباعات التالية: المسافة التي قطعها رئيس الحكومة المكلف الدكتور مصطفى ميرو ليست مسافة عادية. ذلك أن الرجل الذي تخطى خمسينياته، بدت اهتماماته متميزة حين شغل منصب محافظ حلب. اختيار ابن مدينة التل شبه الملاصقة لدمشق التي توسعت فانفلشت بعيدا عن »ميدانها« لشغل هذا المنصب في المدينة التاريخية، أو مدينة الحرير بالمفاهيم المتوسطية، كان ناجحا بكل المقاييس. فالرجل وظف خبرة متراكمة في كل من محافظتي حوران والجزيرة، قبل ان يصل الى الشهباء مزودا بتجربة مدورة مكتملة، ومزايا مازجت بين الثقافة والسياسة، تشيد بها تصريحات المثقفين والفنانين في مدينة حلب التي استضافتنا الى مهرجان أغنيتها، والتي راعى فيها حضور كافة أنشطته وفعالياته ومعرضه التشكيلي وندواته الموسيقية مستقرئا وراعيا ارتقاء المهرجان في دوراته كافة بحضور أديب غنيم (معاون محافظ حلب) ومحمد صافي أبو دان (أمين فرع حلب لحزب البعث العربي الاشتراكي) وعادل اليازجي (مدير عام التلفزيون)، بالاضافة الى مدير المهرجان الفنان دريد لحام. حضوره منشط، يهوى القراءة بعين ومزاج مختلفين، مستلهما قراءاته لصوغ حضور إنساني مختلف، تحفزه الهموم الثقافية وقضايا اللغة. ثم انه واحد من الذين استطاعوا تحويل علاقتهم النظرية التجريدية بالعلوم الى علاقة عملية وتطبيقية. فمصطفى ميرو مهتم ومنفتح على المجال المعلوماتي وعلى التحديات التي تطرحها المكننة وأجهزة الكومبيوتر. وسائطه ليست تنفيذية فقط بل مسنودة الى متابعة روحية محصنة بعلاقة مباشرة بالمثقفين والمبدعين.