As Safir Logo
المصدر:

»السفير« تنشر كتاب محمد حسنين هيكل الجديد على حلقات (11) عندما كان فاروق الأكثر »وعياً« لتطورات المرحلة .. وكانت الولايات المتحدة تستغل الفرصة للسيطرة

محمد حسنين هيكل
المؤلف: هيكل محمد حسنين التاريخ: 2000-03-04 رقم العدد:8543

كان قيام دولة إسرائيل، وسط العالم العربى وفى قلبه هو الحدث الأكبر بالنسبة لشعوب الأمة وفوق أرضها على امتداد واتصال القرن العشرين. إن الأمة قضت النصف الأول من ذلك القرن تحاول بكل وسائلها اعتراض ومنع قيام دولة إسرائيل. ثم إن الأمة قضت نصفه الآخر تحاول وبكل طاقتها حصر هذه الدولة وضبط آثار وتداعيات قيامها. ولقد كانت الأمة العربية على حق، لكنه حق افتقد الوعى أحيانا، وافتقد الإرادة أحيانا، وافتقد كلا من الوعى والإرادة فى أحيان أخرى. وإذا كان غروب القرن العشرين قد حَلَّ والطوق العربى من حول إسرائيل مكسور، والآثار والتداعيات المترتِّبة على ذلك فوضى فى كل بُقعة ورُكن فإن التاريخ لم يصل إلى نهايته بنهاية قرن، مع أن هناك شرطين لازمين كى لا يتوقَّف الزمن العربى: الشرط الأول استعادة الوعى بوسائط المعرفة والشرط الثانى استعادة الإرادة بوسائل العقل. 61 الخرائط تتغير عندما تَوَقَّفَ القتال، كانت الخرائط كلها تَتَغَيَّر... تَغَيَّرَت الخريطة الإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط، فقد استطاع المشروع الصهيونى أن يقيم دولته المأمولة وأن يفسح لها بالقوة المسلحة موقعاً تستقر فيه، وتبنى عليه قاعدة قوة تُعَزِّز وجودها، وأكثر من ذلك تُحَوِّل قاعدة القوة إلى قاعدة تهديد تَقدر على تحقيق غَرَضَين رئيسيين: أولهما رَدْع المحيط العربى حول إسرائيل من أن يُفَكِّر أو حتى يَحْلم بإعادة الأمور إلى ما كانت عليه وثانيهما توفير الفُرَص الملائمة للتَوَسُّع ولدَفْع حدود الدولة كلما أمكن ذلك إلى ما وراء الخطوط التى تَوَقَّفَ عندها القتال، ومن هذا المنطق فإن »دافيد بن جوريون« رَفَضَ بَحْث وَضْع دستور للدولة لأن مثل ذلك الدستور ولأى دولة مُطالَبٌ بأن يحدد رقعتها الجغرافية، بينما رأى »بن جوريون« أنه »لسنوات طويلة مقبلة فإن حدود الدولة هى المسافة التى يستطيع أن يصل إليها السلاح الإسرائيلى«. لكن ما هو أهم من الخريطة الإقليمية التى تَغَيَّرَت كان ما طرأ على الخريطة العالمية من تغيير، فقد كان ذلك التغيير فى الخريطة العالمية بمثابة ستار ينزاح عن مرحلة جديدة من التاريخ الدولى المعاصر هى تلك التى اصْطُلِحَ على تسميتها بمرحلة الحرب الباردة . كانت القوة الأمريكية البازغة (ورأسماليتها المُنْطَلِقة بنَهَمٍ إلى موارد وأسواق العالم) قد شاركت فى الحرب العالمية الأولى (4191 8191)، ثم اضطَرَّت إلى الانسحاب عائدة عبر المحيط إلى أمريكا لأنها أحَسَّت أن إمبراطوريات أوروبا الكبرى، خصوصاً بريطانيا وفرنسا، ما زالت لديها بقية قدرة على الإمساك بقيادة العالم سواء من خلال تنظيم عُصْبَة الأمم أو مُسْتَغْنِية عنه، ثم أظهر تَحَدّى الشيوعية فى الاتحاد السوفيتى، ثم النازية والفاشية فى دُوَلِ المِحْوَر (ألمانيا إيطاليا اليابان) أن الإمبراطوريات القديمة اسْتَنْفَذَت قواها ولم تَعُد وحدها قادرة على ضبط الأمور لصالح نظام الاقتصاد الحُرّ (الرأسمالى فى الحقيقة). وهكذا فإن الولايات المتحدة عادت فعَبَرَت الأطلنطى مرة أخرى مُشارِكة فى معركة الحرب العالمية الثانية المُحْتَدِمة بشِدّة على أرض القارة الأوروبية. لكنها هذه المرة لم تكن على استعداد لأن تترك زمام الأمور فى يَدِ غيرها من الإمبراطوريات القديمة مهما قيل عن الأحلاف والحلفاء، وكانت مصادر القوة الأمريكية هى المُحَرِّك الأكبر لجهد الحرب ضد المِحْوَر حتى وإن وَقَعَت تكاليف الدم أكثر على آخرين (الروس مثلاً). وفى الواقع فإن الولايات المتحدة الأمريكية (وغيرها من حلفاء الغرب) لم يكن لديهم ما يمنع من أن تكون أعنف ضربات »هتلر« وهو يرى نظامه على حافة الهاوية مُوَجَّهة إلى الاتحاد السوفيتى قَتْلاً وتدميراً على أوسع نطاق، فالاتحاد السوفيتى هو الخطر الآتي بعد دُوَل المِحْوَر، ثم أن الشيوعية هى التَحَدّى المُنْتَظَر بعد الحرب فى مواجهة الرأسمالية، وهكذا فإن كل خَصْمٍ مُبَكِّرٍ من قوة الإثنين (حتى فى الدم) هو فى نفس الوقت إضافة إلى حساب الحِلْف الذى تقوده الولايات المتحدة سياسياً وعسكرياً، وتَتَصَدَّرُه رأسماليتها الطموحة واقعياً وعملياً. إن الولايات المتحدة كانت هى التى تَصَدَّرَت بالفعل عقب استسلام دول المِحْوَر للحرب الجديدة بغير مَدافِع ضد الاتحاد السوفيتى، وكانت فى الواقع حرب حَصْرٍ وتطويق. وقد توالت خطوات هذه الحرب بغير مَدافِع خطوة بعد خطوة كأنها جدول أعمال مرسوم (وكان ذلك صحيحاً بشهادة وثائق التخطيط الأمريكى الإستراتيجى حتى من قبل أن تتوقف عجلات الحرب العالمية الثانية). 1 حَوَّلَت الولايات المتحدة القيادة العليا لقوات الحلفاء ومقرها باريس إلى قيادة جديدة لحِلْفٍ أطلِق عليه وَصْف حِلْف الأطلنطى. وفى حين كانت قيادة الحلفاء العليا فى باريس مُكَلَّفة بقيادة الحرب ضد »هتلر«، فإن قيادة حِلْف الأطلنطى الجديدة أصبحت مُكَلَّفة بوقف تَقَدُّم الشيوعية فى أوروبا الشرقية، ومَنْعِ وصولها إلى أوروبا الغربية (بالذات فرنسا وإيطاليا) مهما كان الثمن. 2 إنشاء وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وتكليفها بأن تكون طليعة للعمليات السِرِّية الضرورية قبل اللجوء إلى سلاح حِلْف الأطلنطى، وتفويضها بسلطات واسعة، وتزويدها بوسائل طائلة من المال (وغيره من الوسائل) حتى تُنجِز مُهِمَّتَها. وبالفعل فإن الوكالة فى تلك الظروف تَوَلَّت مَنْع الشيوعيين فى إيطاليا وفرنسا من الوصول إلى الحكم مهما كانت أساليب وصولهم ديمقراطية، والحاصل أن السمة الغالبة على عمل الوكالة فى أوروبا تلك الأيام كانت مقاومة الديمقراطية سبيلاً إلى مقاومة الشيوعية. 3 وحين بدا واضِحاً أن البحر الأبيض وما حوله (وتلك منطقة قلب العالم) سوف يكون (كما كان عبر التاريخ كله) بؤرة الصراع على النفوذ والمصالح، فإن الولايات المتحدة دعمت وجودها فى البحر بخطوتين مهمتين: إنشاء الأسطول الأمريكى السادس دورية مسلحة ضخمة ودائمة فوق مياه البحر الأبيض من قاعدة عليا فى »نابولى« وقواعد فرعية مُسَيْطِرة فى فرنسا وتركيا وعلى أى شاطئ يمكن الوصول إليه (وكانت تلك هى الظروف التى سارعت فيها إسرائيل إلى عرض ميناء »حيفا« ليكون حَلَقة فى السلسلة البحرية التى تمدها الولايات المتحدة فى البحر الأبيض لتحجز حركة الأساطيل السوفياتية على أمواجه). 4 وحين حاول الاتحاد السوفيتى وهو يَسْتَشْعِر خطر الحَصْر والتطويق أن يَنْفُذَ عن طريق أحزاب شيوعية محلية فى إيران وفى اليونان، فإن الولايات المتحدة دفعت الأمور إلى حافة الحرب الأهلية، بل ولم تَتَرَدَّد فى الاشتراك مباشرة وعلانية فى هذه الحروب الأهلية فى إيران وفى اليونان. فى إيران قاومت الولايات المتحدة إنشاء جمهورية »مهاباد« التى يقودها »جعفر بتشفارى« وأرسلت إلى هناك قوة أمريكية يقودها الجنرال »فان فليت«، وقد قاتلت هذه القوة حتى سقطت »جمهورية مهاباد« واختفى زعيمها »جعفر بتشفارى«. ونفس الصورة تكررت فى اليونان حيث نشبت حرب أهلية قادها على الجانب الشيوعى الجنرال »ماركوس«، وأمامه إلى جانب قوات الجيش الملكى اليونانى قوة أمريكية كانت أيضاً بقيادة نفس الجنرال »فان فليت«، وكانت النهاية فى اليونان هى نفس النهاية فى إيران. ثم كان أن دعمت الولايات المتحدة سياستها بإصدار ما يسمى ب » إعلان ترومان«، وهو يضمن تعهد الولايات المتحدة بالتدخل العسكرى لحماية تركيا واليونان (بوابة إلى البحر الأبيض). 5 وكانت »موارد البترول« وراء البحر الأبيض هى الجائزة الكبرى المطلوبة من أطراف أى صراع دولى، وكان أن الرئيس »هارى ترومان« قَطَعَ الطريق على الجميع بإعلانٍ من أهَمِّ ما صَدَرَ عن إدارته، وهو إعلان بإلزام الولايات المتحدة أن تدافع بالسلاح عن مواقع ومصادر بترول الشرق الأوسط، وفى المقدمة بترول السعودية. وفي ما يتعلق بالسعودية فإن التعَهُّدَ الأمريكى بالحماية لم يقتصر على البترول وإنما امتد لكى يشمل النظام السياسى فى السعودية فى نفس الوقت وذات الإطار. 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 وفى هذا التَصَوُّر الشامل وحده، فإنه يمكن فهم التدخل الأمريكى المباشر لوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية التى نَفَذَت إلى عُمْقِ الأراضى المصرية طبقاً لخُطَطِ العملية »حوريف«. وكان واضحاً من هذه الخطوة أن الولايات المتحدة تركت حليفها البريطانى وراء ظهرها مشغولاً بألاعيب الإمبراطورية على الطريقة القديمة (وبينها هل يستجيب لطلب مصر بالمساعدة وِفْق معاهدة سنة 6391، أو على أى أساسٍ آخر تكون الاستجابة) ثم تقدمت واشنطن بعملٍ منفردٍ مباشرٍ فى تل أبيب وفى القاهرة وكان ذلك إعلانها الحقيقى عن أنها الآن تتحرك من شمال البحر الأبيض وتنزل نشيطة فى جنوبه داخِلَةً طرفاً قوياً وأصيلاً فى سياساته وفى مستقبله، ثم أنها الآن تدعم وجودها وعهودها فى منطقة صحارى شبه الجزيرة العربية والخليج باندفاعة مباشرة إلى العواصم العربية الكبرى فى وديان النيل والفرات ودجلة، فاتِحَةً بذلك باباً كبيراً للصراع على الشرق الأوسط وفيه. ومن اللافت للنظر أنه فى نفس الوقت الذى كان فيه السفير الأمريكى فى إسرائيل يطلب من »بن جوريون« وقف تقدم القوات الإسرائيلية نحو مدينة »العريش« بعد أن وصلت إلى مطار المدينة كان مندوبو شركات البترول الأمريكية يؤيدون انقلاب »حسنى الزعيم« فى دمشق، وكان السفير الأمريكى فى بغداد قد أصبحت له أسبقية على السفير البريطانى فيها. ... وكان ظاهراً للعيان، وأمام كل من يريد أن يرى الحقائق المُسْتَجَدّة، أن الإمبراطورية البريطانية تتراجع، وأن إمبراطورية أخرى شابة ومُتَحَفِّزة تتقدم وبسرعة إلى عُمْقِ الشرق الأوسط، ثم أنها تحاول أن تخترق النطاق العربى فيه من الأطراف إلى القلب. وفى القاهرة كانت نُذُر العصر الأمريكى الآتي ظاهرة، وكان أبرزها فى ذلك الوقت، وبعد التدخل الأمريكى ضد تقدم القوات الإسرائيلية وراء الحدود الدولية المصرية هو تعيين سفير أمريكى من وزنٍ خاص كى يمثل الولايات المتحدة فى القاهرة. فقد جرى نقل السفير الأمريكى »جيفرسون كافرى« من العاصمة الفرنسية باريس إلى العاصمة المصرية القاهرة. ولم يلتفت أحد إلى أهمية هذه الحركة ودلالاتها، ربما لأن القاهرة كانت لا تزال مأخوذة بالوجود البريطانى فيها، مُسْتَغرِقة بالكامل فى طلب جلاء القوات البريطانية عن أراضيها. وقد ساعد على عدم الالتفات إلى أهمية الدخول الأمريكى، أن الحكومة البريطانية وهى تتابع ما يجرى من تطورات الأيام الأخيرة فى ميدان القتال سارعت إلى إعطاء الإيحاء بأن تَوَقُّف العمليات العسكرية وعودة القوات الإسرائيلية إلى ما وراء حدود مصر الدولية لم يكن عملاً أمريكياً وإنما كان عملاً مُتَحالِفاً، وعلى مصر أن تقدره وتأخذ فى حسابها احتمالاته وهى تفكر فى مستقبل علاقاتها مع الحكومة البريطانية ومع الغرب عموماً بما فيه الولايات المتحدة وهكذا لم يكن هناك فى القاهرة وَعْىٌ كاف بعملية الانتقال الكبرى التى تَمَّتْ فى مواقع النفوذ الدولى فى المنطقة. ومن المدهش أن يتابع أى مراقب تصرفات جهتين من الجهات النافذة فى مصر تلك الأيام: أولاهما قيادة القوات المصرية فى الميدان، والثانية رئاسة مجلس الوزراء فى القاهرة. لم تكد القوات الإسرائيلية تعود إلى ما وراء حدود مصر الدولية حتى كَتَبَ القائد العام اللواء »فؤاد صادق« إلى رئيسه وزير الحربية الفريق »محمد حيدر« (باشا) تقريراً ينسب فيه إلى نفسه وإلى قيادته فضل انسحاب القوات الإسرائيلية. ويبدو أن القائد العام كان بالفعل فى عُزْلة عن التطورات السياسية الجارية بعيداً عن الخطوط، وهكذا فقد سهل عليه أن يكتب قائلاً: »الآن وقد تأكد أننا استطعنا تلقين المعتدين درساً قاسياً لن ينسوه فإن على كل هؤلاء المتخاذلين والمترددين أن يعرفوا أننى كنت طول الوقت على صواب عندما أيقنت أننى قادر على دَحْرِ قوات اليهود ورَدِّها على أعقابها«. 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 ثم مضى التقرير مُسافِراً فى الوَهْمِ إلى بعيد. وفي ما يتعلق برئاسة مجلس الوزراء فإن »إبراهيم عبد الهادى« (باشا) رئيس الوزراء تَصَوَّرَ أنه يستطيع أن يمد »خط التفاهم« الذى أدى إلى وقف تقدم القوات الإسرائيلية نحو مدينة العريش إلى ما هو أبعد، وبالتالى فإنه يستطيع فى هذا »الجو الجديد« الذى يشهد »بوادر من حُسْنِ النوايا« أن يتحدث مع السفير البريطانى السير »رونالد كامبل« عن المرحلة المقبلة من العلاقات بين البلدين، ومن ثم يفتح حديث استئناف مفاوضات الجلاء فى »أجواء جديدة« يسهل معها الوصول إلى اتفاق نهائى يَضَع العلاقات بين البلدين على أُسُسٍ »أصلب وأمتن«. والغريب أن رئيس الوزراء »إبراهيم عبد الهادى« (باشا) لم يقع فى هذا الخطأ (غير المقصود) فقط، وإنما أضاف إليه أيضاً أثناء حديثه مع السفير البريطانى السير »رونالد كامبل« أخطاء جديدة (غير مقصودة فى الغالب أيضاً ولكنها حدود علمه فى ذلك الوقت أو حدود تصوره) فقد ذكر للسير »رونالد كامبل«: »إن لنا الآن أعداء مشتركين فى مصر وبالقرب منها: 1 الإخوان المسلمون المتعصبون الذين يكرهون الغرب ويستعدون لقتاله بالسلاح. 2 الشيوعيون الذين يتحركون بأوامر من الشيوعية الدولية. 3 إسرائيل التى هى المركز المتقدم فى المنطقة للشيوعية الدولية. والخطر المحتمل فى هؤلاء الأعداء الثلاثة للطرفين المصرى والبريطانى كفيل بأن يدفعهما إلى العمل معاً بحُسْنِ نِيّة للوصول إلى اتفاق يفتح عهداً جديداً من التعاون بينهما.« ولم يكن وَهْمُ رئاسة مجلس الوزراء فى القاهرة بأقل من وَهْمِ القائد العام فى العريش. والغريب أن الشواهد عن تلك الأيام تشير إلى أن هناك رَجُلاً واحداً على القمة رأى الأمور بمنظور أقرب إلى الواقع من غيره (وإن لم يَخْلُ بدوره من أوهام) وكان هذا الرَجُل هو المَلِك »فاروق« ! وفى الواقع أنه يمكن تقسيم نظرة المَلِك »فاروق« إلى الموقف فى أعقاب تَوَقُّف القتال إلى مرحلتين: الأولى مرحلة تَصَوَّرَ فيها المَلِك »فاروق« أنه يستطيع أن »يفعل شيئاً« عن طريق اتصالاته مع بعض العسكريين البريطانيين الذين وَثَّقَ صِلَتَه بهم، خصوصاً فى الفترة التى ساءت فيها علاقاته بالسفارة البريطانية فى القاهرة (بالذات عندما كان فيها السير »مايلز لامبسون« [اللورد »كيلرن«] من 5391 5491) عشر سنوات. وأما المرحلة الثانية فهى تلك التى تَصَوَّرَ فيها المَلِك »فاروق«، بنصيحة بعض مستشاريه، أنه يستطيع أن يتحرك بسرعة لتدارك تَرَدّى الأوضاع فى مصر دون أن ينتظر فى ذلك مساعدة بريطانية تجىء من أصدقائه العسكريين أو الدبلوماسيين. وربما أن أكثر ما يُوَضِّح تفكير المَلِك »فاروق« خلال المرحلة الأولى (اتصالاته مع العسكريين البريطانيين) هو نصوص ثلاثة تقارير أرسلتها السفارة البريطانية فى القاهرة إلى وزارة الخارجية ووزارة الدفاع فى لندن عن مقابلات للمَلِك »فاروق« مع كلٍ من الماريشال اللورد »دوجلاس« من هيئة أركان حرب القوات البريطانية، ومع الماريشال »سليم« رئيس هيئة أركان الحرب الإمبراطورية نفسه وجاءت نصوصها كما يلى: »برقية من السفارة البريطانية فى القاهرة(*) تاريخ 91 يناير 9491 (سِرّى للغاية) أخبرنى اللورد دوغلاس بأنه خرج أمس مع المَلِك فاروق، وانتهت (السهرة) فى الساعة الرابعة من هذا الصباح، غير أن بعض السيدات انضممن إليهما بعد منتصف الليل بقليل، فأصبح أى حديث جدّى بعد ذلك مستحيلاً. وكان اللورد دوجلاس يتطلع إلى توسيع المطارات، غير أن مما يؤسف له أنه لم يصل إلى هذه النقطة فى الوقت المناسب. ويتوقع مقابلة المَلِك مرة أخرى مساء اليوم وسيتحدث معه إن أمكن حول هذا الموضوع. وسيكون سفره أول عمل يعمله صباح غد. وبالنسبة لجميع الأغراض العملية يتعين علينا فى اعتقادى أن نُسَلِّم بأن اللورد دوجلاس لم يتمكن من مساعدتنا فى هذا الأمر. وقد بَرَزَت من محادثات اللورد دوغلاس مع المَلِك فاروق النقط المهمة التالية: 1 يتوقع صاحب الجلالة محاولة انقلاب بين اليوم الثامن عشر واليوم الحادى والثلاثين من هذا الشهر يكون اغتياله شخصياً مدخلاً إليه. وقد اكتُشِفَت المؤامرة واعْتُقِلَ عَدَدٌ من الأشخاص، غير أن صاحب الجلالة يتوقع محاولة الاعتداء على حياته برغم ذلك. وهذا الأمر لا يفزعه بصورة خاصة، بعد أن اعتاد عليه شيئا ما، ولاعتقاده كما قال جلالته لدوجلاس فى مناسبات سابقة بأن القَدَرَ كَتَبَ له أن يموت شاباً. وبناءً على ذلك، فإن جلالته يعتقد بضرورة قضاء وقت طيب ما دام ذلك فى وسعه. وصاحب الجلالة يعلن بنفسه ويُؤمِن بأنه مُسْلِمٌ صالحٌ، وعندما صرح اللورد دوجلاس مازحاً فى مناسبة سابقة بأنه مُلْحِدٌ، انزعج المَلِك فاروق انزعاجاً شديداً وقال انه لا يستطيع أن يفهم كيف يتأتى لأحد أن يكون هذا شأنه. 2 بدا على المَلِك فاروق أنه متفائل إزاء نتيجة المفاوضات الجارية فى رودس. وتحدث عن إمكان »إجراء ترتيب« مع إسرائيل فى المستقبل. 3 تحدث المَلِك بحِدّة حول موضوع الحظر المفروض على الأسلحة. فإذا لم تستطع حكومة صاحب الجلالة رفع الحظر رسمياً، أفلا يستطاع جعل المواد تتسلل خارجاً ؟ وقال صاحب الجلالة إن بعض رعاياه يُقتَلون على أيدى رجالنا عند محاولتهم أخذ المواد الحربية من مستودعاتنا ومخازننا فى منطقة القناة. وبدا على صاحب الجلالة أن لديه اعتقاداً بأن هذا التصرف هو عملٌ سيئ من جانبنا. فهاهنا طريقة نستطيع بها تقديم المساعدة، أعنى بالتستر على هذه الإغارات. 4 وقال صاحب الجلالة وهو ما زال يتحدث عن الأسلحة أن لديه خطاباً بتوقيع اللورد وايفل فى سنة 1491 يشكر الحكومة المصرية على ألف بندقية من طراز برن وبعض معدات المدفعية وبعض دبابات قام الجيش المصرى ب » إعارتها«. وواقع الأمر أن هذه الأسلحة لم تتم إعادتها أبداً. لِمَ لا ؟ مؤكد أن إعادة الأسلحة المعارة لا تتأثر بالحظر المفروض. 5 صاحب الجلالة مقتنع بأن روسيا تقدم مساعدة مباشرة إلى إسرائيل. ومعلومات المخابرات التى عنده تقول إن هناك 08 ضابطاً روسياً فى فلسطين. وقد قابل سلاح الطيران المصرى طائرات مقاتلة من طراز ياك. وكرر صاحب الجلالة أنه عاجز عن أن يفهم كيف أننا فشلنا فى مساعدة أنفسنا بعدم مساعدة المصريين فى الاهتداء إلى مخرجٍ من الحظر المفروض على الأسلحة. 6 صاحب الجلالة مقتنع بأن روسيا ستقرر دخول الحرب مع الغرب فى ربيع هذا العام أو صيفه، وهو بالتالى يعتبر الموقف الفلسطينى مجرد مرحلة مؤقتة لن تلبث الحرب المقبلة أن تقلب كيانها. 7 صاحب الجلالة مقتنع اقتناعاً جازماً بأن الجيش والسلاح الجوى المصريين قد أبليا بلاءً حسناً، وما زالا يبليان فى فلسطين مع مراعاة التفاوت فى الأسلحة. 8 في ما يتعلق بالسودان، يحس صاحب الجلالة بمرارة شديدة، وهو يعتقد اعتقاداً جازماً بأننا قد رَتَّبْنا أمر الانتخابات باستخدام القوة .. إلخ، ولم يُبْدِ صاحب الجلالة أى تساهل بشأن هذا الموضوع. 9 صاحب الجلالة لا يدرك أن موقفه يفتقر إلى المنطق، أى أنه يختلف معنا حول السودان والاحتلال وهلم جرا من ناحية، وينتظر منا مساعدة مصر مساعدة شاملة ضد اليهود من ناحية أخرى. وصاحب الجلالة يعتقد بأننا نُضَيِّع فرصة كبيرة لكسب العرفان الذى لا يبلى للشعب المصرى بعدم رفع الحظر المفروض على الأسلحة الآن، أو على الأقل التستر على نقل الأسلحة. 01 في ما يتعلق بموضوع الوفد(*)، قال صاحب الجلالة إنه لن يذهب إلى أبعد من ذلك، فقد أتيحت للوفد فرصته ولكنه لم ينتهزها، وسيكون على صاحب الجلالة الآن أن يمضى بدونه فى سبيله بأفضل ما يستطيع. (الأحرف الأولى من اسم تشابمان أندروز) إى. أ. سى. أ. ملاحظة أطلعت اللورد (دوغلاس) على معظم هذه النقط مقدماً، فقال إنه رَدَّ عليها، وإنه جرت مناقشة مسبقة حول نقطة أو نقطتين.« 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 »برقية من السفارة البريطانية فى القاهرة تاريخ 4 نوفمبر 9491 تقرير المارشال سليم (رئيس هيئة أركان الحرب الإمبراطورية) قابلت صاحب الجلالة بمفردى بعد ظهر اليوم بعد أن استقبل السفير. وابتدأ الحديث بأن سألنى عن جولتى، وأبدى اهتماماً خاصاً بهونغ كونغ. وألمح إلى أن الرأى السائد هو أن كوننا مستعدين قد منع الشيوعيين من التذرع بذريعة لدفع جيشهم عبر حدودنا. كما تساءل صاحب الجلالة عن الموقف فى الهند الصينية الفرنسية، فقلت له إن الفرنسيين يحرزون تقدماً كبيراً، وأنهم يركزون الآن بصورة خاصة على الاستيلاء على البلاد بطول الحدود الصينية. وقال إنه يتوقع حدوث متاعب مع الشيوعيين هناك فى وقت مبكر جداً. كما استفسر عن الملايو فقلت له إننى أعتقد بأن العصابات هناك كان من الأرجح أن تكون قد حزمت أمتعتها لولا نجاح الشيوعيين فى الصين، وهو ما مكن زعماءهم من أن يعقدوا الآمال على الحصول على مساعدة صينية. واستطرد جلالته بعد ذلك فقال إنه يرغب فى رؤيتى للتحدث فى نقطتين على وجه خاص، أولاهما هى الحلف الدفاعى الأخير بين الأمم العربية. وقال إنه من ست سنين وهو يحاول تفادى قيام أى مشكلة خطيرة فيما بين الدول العربية تؤدى إلى تفرقة صفوفها وتُحْدِث صراعاً فعلياً. وقد نشأت الآن مشكلة من هذا القبيل هى وحدة العراق وسوريا. وهو شديد القلق من هذا الأمر، ولكنه قرر بعد تفكير ملى أن السبيل الوحيد لتفادى صراع خطير بين العرب هو أن يشير بوحدة دفاعية، وهو ما فعله الآن، وهم جميعاً متفقون على دخول مثل هذا الحلف. وسألته من يظن أنهم يدافعون عن أنفسهم منه، فقال: أولاً فلسطين (إسرائيل)، وثانياً روسيا. وسألنى عما إذا كنت أقره على أن لمثل هذا الحلف الدفاعى قيمة عسكرية لا للعرب وحدهم بل ولنا، فقلت إن مصالحنا من الناحية العسكرية تكمن فى وحدة البلدان العربية وقوتها، وأن هذا الحلف الدفاعى سيكون ذا فائدة، ولكن يشترط دائما أولاً أن يكون العرب واقفين فى صفنا فى أى حرب كبيرة، وثانياً ألا يتدخل هذا الحلف فى معاهداتنا والتزاماتنا الأخرى مع الدول فرادى. فرد جلالته قائلا إنه فيما يتعلق بالوقوف فى صفنا، فإن الدول العربية قد أعلنت بالإجماع فى المؤتمرات بأنه فى حالة قيام حرب عالمية، فستقف مع الدول الغربية، وأما فيما يتعلق بأحلافنا مع الدول العربية فرادى، فالمؤكد أنها ستكون داخلة فى أى إتفاق. وأوضحت له أن هذا كله حسن حتى الآن، ولكنه لم يتناول إلا العموميات، ومن تجربتى الخاصة أنك متى وصلت إلى التطبيق العملى لهذه المشروعات، بدأ الانقسام. فماذا يكون عليه موقف مصر ؟ ألن تتبين أنها تحملت كالمملكة المتحدة فى الاتحاد الغربى عبئاً ثقيلاً ؟ فوافق صاحب الجلالة على أن هذا سيحدث، وأن الجهد الأكبر للحلف كله سيقع على كاهل مصر. فقلت له أن من الأسباب التى تثمر كثيراً من الانقسام عملية تنظيم القيادة فى مثل هذا الحلف. فهل بحث هذا الأمر ؟ وهل يحذون حذو نموذج مماثل لتنظيم القيادة فى الحلف الغربى ؟ فأجاب بأن شيئاً من هذا القبيل فى ذهنه، ولكن لما كانت مصر هى التى ستتحمل العبء الرئيسى، فهو عازم على أن تكون القيادة المقامة من النسق الذى تطلبه مصر. ثم تحدث صاحب الجلالة عن موقف اليهود، فقال إنه يخشى من أن يقوم المتعصبون من اليهود بإقصاء الحكومة الحالية، وأن لديه من الأسباب ما يدعوه إلى افتراض أنهم يخططون للقيام بذلك. فإن فعلوا، فليس ثمة ريب فى أنهم سيهاجمون مصر وسيهاجمون دون إنذار، وأهدافهم هى سيناء والقناة. وهو عازم على ألا يُؤخَذ وهو فى غفوة. فالحدود الحالية كما رسمتها الأمم المتحدة حدود غير منيعة من وجهة نظره، وليس من الممكن الاحتفاظ بها. ولهذا سيكون على الجيش المصرى أن يتخذ موقعه فى المؤخرة، وأن يرد على الهجوم. ولهذا فإن مطلبه الأول يتمثل فى فرقة مدرعة. وقد أوضحت له أن الفرقة المدرعة مُكَلِّفة جداً، لا من حيث تكلفة الدبابات وحسب، بل من حيث الصيانة. فأجاب قائلاً إنه يدرك ذلك، غير أن لديهم فعلاً قِسْماً هاماً من الفرقة ولن يلزم إلا تشكيل بقيتها. فقلت له أن حتى هذه البقية ستكون مُكَلِّفة جداً، وسألنى عن تكلفة دبابة سنتوريون، فقلت له 00005 جنيه استرلينى. وقال إنه يدرك أن هذه عملية بطيئة، ولكن يتعين عليهم أن يكونوا مجهزين. ثم أوضحت له أن من رأيى أن أولويته الأولى تنصرف إلى التنظيم السليم للدفاع الجوى لا الدفاع البرى، وأن المال المتاح ينبغى بالأحرى إنفاقه على هذا الأمر فى المقام الأول. كما أوضحت له أن الذى يلوح لى هو أن لديهم ميلاً إلى تحبيذ سلاح الطيران تحبيذاً شديداً على حساب القوات البرية. وفى العام 0491 كسبت معركة بريطانيا لا لأننا نملك طائرات سبتفاير، وواقع الأمر أنه لم يكن لدينا إلا سربان، ولكن لأن تنظيمنا البرى للسيطرة على المقاتلات كان معدّاً إعداداً سليماً هو ومواصلاتنا. فأجاب قائلاً أنه يدرك قدراً كبيراً من هذا الأمر، ولكن لا بد لى أن أعرف بأنهم لا يملكون من المال ما يكفى لتكوين دفاع برى منظم تنظيماً كفؤاً حقيقةً، والحصول فى الوقت عينه على الطائرات الحديثة اللازمة، وهم إذن قد حبذوا بديلاً من هذه البدائل، ألا وهو الطائرات. وأوضحت له أن من المحتمل جداً ألا يتمكنوا من إنفاق كل المال المتاح فى شراء الطائرات، لأن الإنتاج ليس مرتفعاً ارتفاعاً يكفى لتوفير الأعداد المطلوبة، وبناء على ذلك، فإن الذى يستطيعون إنفاقه على الطائرات من الخير أن يستنصحوا بإنفاقه على بناء تنظيم أرضى. فقال صاحب الجلالة انه سيعمل على بحث هذا الجانب. فكررت أن من رأيى أن للدفاع الجوى، بما فى ذلك الدفاع المضاد للطائرات، أولوية تفوق حتى تجهيز بقية الجيش. ثم أثرت موضوع محادثات الدفاع بين رؤساء الأركان البريطانيين والمصريين، فأوضحت أننا لم نعالج حتى الآن إلا ما يطلبه الجيش المصرى، ولم يحرز أى تقدم فى شأن التسهيلات التى طلبناها. وأوضحت أن الدفاع ينبغى أن يكون دفاعاً مشتركاً. ففى وسع مصر أن تقدم ما لا يسعنا تقديمه، أعنى القواعد. وفى وسعنا أن نقدم ما لا يسعهم تقديمه، أعنى القوة الضاربة. ويترتب على هذا ضرورة وجود قوات ومنشآت بريطانية فى مصر. فرد صاحب الجلالة قائلاً إنه فهم هذا الأمر. وأوضحت أنه إذا كان يخشى تقدم اليهود داخل سيناء ومنطقة القناة فخير ما يحميه من هذا هو وجود قوات بريطانية فى مصر. وسألت عما إذا كان قد لاحظ تصرفنا عندما هُدِّدَت العقبة. فقال إنه لاحظ ذلك، وأن هذا التصرف كان ممتازاً، وإنه يدرك إدراكاً كاملاً مزايا بقاء القوات البريطانية فى مصر. وقال إنه يعرف ما نريده، وإنه يدرك الحاجة إليه، ولكن الصعوبات كبيرة من الناحية السياسية، وبصورة خاصة (صعوبة) أى إعلان علنى. وسيبذل قصارى جهده حتى يحصل لنا على ما نطلب. فهل هناك شىء معين وجدت فيه صعوبة ؟ فقلت أننى غير مطلع جيداً على جميع الإحتياجات المحلية، ولكن المؤكد أن الأرض المطلوبة للمستشفى هى واحدة منها. وقد طُلِبَ من رئيس الوزراء أن يعاوننا فى تقديم هذه الأرض فقا إنه موضوع محرج للغاية وينبغى ألا نضغط عليه. وقال صاحب الجلالة هل لى أن أطلب من السفير أن يعود إلى مفاتحة رئيس الوزراء ؟ كما قال إنه فيما يتعلق بأى مسألة مهمة من هذا النوع، هل لى أن أكتب شخصياً إليه ؟ وأنه سيعمل ما فى وسعه. ثم قال صاحب الجلالة إنه عرف من مصدرٍ مَوْثوقٍ جداً أن لدى البريطانيين خريطة لأفريقيا مرسومة عليها خطوط الدفاع، وهذه الخطوط جميعاً تقع وراء مصر، وتترك مصر فى أرضٍ لا صاحب لها. وكان على دراية من أن لنا نشاطاً كبيراً فى أفريقيا وأن لدينا مقر قيادة كبيراً ومنشآت فى طريق ماكينون. وقال إن الفيلد مارشال مونتجمرى هو المسئول عن الخريطة. فأجبت بأننى لم أر مثل هذه الخريطة وأن أى خطط لدينا للدفاع عن أفريقيا هى للدفاع عن مصر، ولكن هذا لا يتأتى إلا إذا ساعدتنا مصر وأعطتنا القواعد ومناطق المنشآت التى نحتاج إليها. وما وُجِدَ طريق ماكينون إلا لأننا لم نُمْنَح التسهيلات التى طلبناها فى مصر. فلو أعطتنا حكومته التسهيلات التى طلبناها، فسنقوم بإغلاق طريق ماكينون والإتيان به إلى مصر، وهذا الأمر رهن به. واستبد بصاحب الجلالة شىء من الأسى وقال إنه يأمل أن أدرك أنه يقف إلى جانبنا بالكامل. فقلت إننى واثق من ذلك، وأنه لا يوجد ملوك على الناحية الأخرى من الستار الحديدى. فابتسم. وقلت إنهم لا يوجدون، كما أن الروس لا يتعاطفون كثيراً حتى مع الذين يقفون على هذه الناحية. ولو كانت معى خرائط لما سألنى أن أطلعه عليها إذ سبق إتهامه بأنه أطلع الإيطاليين على مثل هذه الخرائط، وأعرب عن أمله فى أن أثق فى أنه لم يعمل أبداً شيئاً من هذا القبيل. فأكدت له من جديد أننى لم أر خرائط توضح خطوطاً دفاعية وراء مصر. أما إلى أى مدى أمامى تذهب إليه خطوطنا الدفاعية، فهذا أمر يتوقف إلى حد كبير على مصر نفسها. فقال صاحب الجلالة إن تصريحى أراحه من قلق شديد. ثم قال جلالته إن السبب الثانى لاستدعائى والسبب فى طلبه أن يرانى بمفردى هو أنه أرسل عن طريق سفيره رسالة لها أهمية وسرية خاصة. وفى هذه المرحلة أصبح صاحب الجلالة شديد الغموض، وقال إنه لن يشغلنى بما تحتوى عليه الرسالة فعلاً، ولكنه طلب رداً عليها عن طريقى لأنه يثق فىّ ولأن الموضوع عسكرى أساساً. وسألته إلى من وجه السؤال، فقال بالأسلوب المعتاد: إلى وزير الخارجية. فقلت أننى أرجو أن يدرك أن الرد الذى يتلقاه عن سؤاله، أيا كان، لن يكون ردى بل رد الحكومة، وأن من المؤكد أنه قد لا يكون مواتياً. فقال: سيان عنده، ويهمه أن يجىء الرد عن طريقى. وكان صاحب الجلالة ودِّيّاً إلى أقصى حد، وواضح أنه كان يتوق إلى أن يترك فىّ انطباعاً مواتياً. وقد وَدَّعَنى بعبارات تتسم بأشد حرارة.« 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 ملحق للوثيقة السابقة: »(لهذه البرقية طابع سِرّى خاص ويتعين على المُفَوَّض بتَسَلُّمِها أن يحتفظ بها ولا يقوم بتمريرها). شفرة / من القاهرة إلى وزارة الخارجية السير ر. كامبل رقم 5021 5 نوفمبر 9491 أرسلت الساعة 93ر1 مساء يوم 5 نوفمبر 9491 تسلمت الساعة 02ر2 مساء يوم 5 نوفمبر 9491 عاجل مباشر سِرّى للغاية إيماء إلى برقيتى رقم 2021 ما يلى هو (رسالة) شخصية من السفير إلى وزير الخارجية: 1 فى ختام حديث المَلِك فاروق مع الفيلد مارشال سليم أمس، أشار إلى رسالة سرية ومهمة بصورة خاصة بعث بها إليكم عن طريق السفير المصرى. وقال وهو يتوخى الغموض إنه لن يشغل رئيس هيئة الأركان الإمبراطورية بالمحتويات الفعلية للرسالة، ولكنه طلب رداً عليها عن طريق رئيس الأركان لأنه يثق فيه ولأن الموضوع عسكرى أساساً. فرد الفيلد مارشال قائلاً إن الرد الذى سيتلقاه أيا كان ليس رده هو بل رد حكومة صاحب الجلالة، وأن من المؤكد أنه قد لا يكون رداً مواتياً. فقال جلالته إنه مع ذلك يود أن يأتيه الرد عن طريقه. 2 حدثنى رئيس هيئة الأركان الإمبراطورية العامة بأنه خرج بانطباع بأن المَلِك فاروق كان عصبى المزاج (خوفاً على) عرشه، وأنه كان راغباً فى لون من ألوان الضمان، كالضمان الذى حصل عليه تشارلز الثانى (أو سعى فى الحصول عليه) من لويس الرابع عشر. فقلت لرئيس هيئة الأركان الإمبراطورية العامة (وأقرنى على ذلك) أن ظروف المقابلة إذ استقبل المَلِك رئيس هيئة الأركان بمفرده وأولاه كثيراً من الاهتمام وأعرب عن رغبة تتفق مع هذا تشير فيما يبدو إلى أن صاحب الجلالة، سواء اكان صادقاً أو خلاف ذلك، رغب فى أن يخلع على رسالته التى أرسلها عن طريق عمرو باشا، أيا كانت هذه الرسالة، جانباً عسكرياً. (كنت قد طلبت لقاءً لرئيس هيئة الأركان الإمبراطورية العامة ولى (مع المَلِك) فتلقيت رداً بتحديد مقابلة منفصلة لكلٍّ منا. وقد تبين من التحرى الدقيق أن هذا الترتيب لم يكن سببه أى سوء فهم من جانب كبير الأمناء بل كان مُتَعَمَّداً من جانب المَلِك. ومن وجهة نظر المراسم فمتى تم تقديم شخص عن طريق السفير وَجَبَ أن يصاحبه بعد ذلك). 3 أعد رئيس هيئة الأركان الإمبراطورية العامة، الذى سافر بالطائرة هذا الصباح، تقريراً وافياً عن حديثه معه. ولا ريب فى أنكم سترغبون فى الاستماع منه مباشرة عن انطباعاته. ويبدو أن الحديث فى الحدود التى ذهب إليها كان حديثاً باعثاً على تمام الارتياح. 4 سأرسل على حِدة تقريراً عما حدث فى مقابلتى الخاصة التى لم يَرِدْ فيها (أُكَرِّر: لم يَرِدْ فيها) أى ذِكْرٍ »للرسالة«.« الحلقة التالية بعد غد الإثنين

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة