الكتاب: الفردوس اليباب (رواية) المؤلفة: ليلى الجهني (السعودية) الناشر: منشورات الجمل (ألمانيا) ليست »الفردوس اليباب«، رواية الكاتبة السعودية »ليلى الجهني«، الاولى، محاولة لكتابة شيء، يقف على تضاد ما مع قصيدة ت. أس. اليوت »الارض اليباب«. صحيح ان في العنوان ما يحيل الى ذلك، بيد ان الروائية الشابة (من مواليد العام 1969، في مدينة تبوك السعودية) تكتب عن أرض تقف فوق جفافها، وتحيل الكائن الذي يعيش فوقها، الى مجرد شيء، يفقد شروطه الانسانية، ليغور عميقا في رمال تلك الصحراء التي شيّدت فوقها المدن. المدينة التي تختارها ليلى الجهني، ليست الا مدينة جدة، التي كانت تعتبرها »أجمل مدينة في العالم« قبل ان تعود في نهاية الرواية لتكتشف »ان ليس هناك أجمل ولا أقرب ولا أتعس، هناك حبنا الذي يمنح الأشياء ملامحها وأسماءها وألوانها«. هكذا كانت صَبا، بطلة الرواية، الشابة ايضا، التي دخلت في علاقة غرامية مع عامر، لتهبه كل شيء ولتمنحه كل جمال جسدها وصباها، ولتحمل منه، بيد ان عامرا، لم يرغب في الزواج منها لأن التي تهب نفسها لرجل قبل الزواج به، تستطيع ان تهب نفسها، لغيره، بعد الزواج منه ففضل عليها صديقتها خالدة، التي هي في الوقت عينه، إبنة خالته. ما من »أحداث روائية« في »الفردوس اليباب«، إذ تختار الكاتبة، مفهوما آخر للرواية، ذلك الذي يعتمد على الاستبطان، وعلى المونولوغ وعلى كتابة الأحاسيس التي تظهر من عمق الكائن.. أي كأننا أمام شخص يقف قبالة مرآة، ويبدأ الحديث مع صورته، لكنه لا يخبرها تفاصيل وأحداث، وانما يُعبر عن مكنوناته.. وغالبا ما تظهر هذه المكنونات، بأسلوب شعري: أي تنحو ليلى الجهني، في كثير من الأحيان، وعبر صفحات الرواية (100 صفحة من القطع الوسط) الى اللجوء الى الشعر، وكأن الشعر هنا (أقصد العبارة والمناخ الشعريين) يلعب دورا مزدوجا، الاول هو وسيلة للهروب من الوقوع في تفاصيل السرد العادي، والثاني، كأنه الصورة الاخيرة للدراما الانسانية، بحيث ان العبارة الشعرية تستطيع ان تكثف لحظة القول، وبحيث انها تختزن العبارة وتحيلها »أقوى« وأكثر تعبيرا عن هذا المكنون الداخلي.. طريقة، ليست جديدة، في الأدب العربي. عديدون هم الروائيون الذين لجأوا الى هذا الاسلوب، لكن ثمة سؤالا لا بد وان يطرح نفسه، حول اللغة الروائية واللغة الشعرية؟ هل من جامع بينهما؟ أين تبدأ الرواية وأين ينتهي الشعر؟ اسئلة تطرحها الكاتبة بشكل غير مباشر، لكن علينا أيضا، ان لا ننتظر منها أجوبة مباشرة، اذ ان الجواب الوحيد، هو انحيازها الى طريقة التعبير هذه التي تزاوج بين لحظتين ومناخين و... صوتين. الصوتان هما صوت صبا وصوت خالدة. لا تقدم الشاباتان، تأويلين مختلفين للرواية (او القصة)، بل ان هذين الصوتين، يشكلان في النهاية، امتدادا واحدا، حيث يكمل الواحد، الثاني.. ما أقصده، ان رواية »الفردوس اليباب« تجيء على لساني صبا وخالدة، فبعد ان تتحدث الفتاة الاولى في الفصول الاولى، تأتي الثانية، لتكمل القصة، في الفصول اللاحقة، وسبب توقف صبا عن متابعة قصتها، عائد لموتها.. ماتت صبا من جراء نزف داخلي، إثر تعرضها لعملية إجهاض من قبل سيدة، تبدو وكأنها كانت معتادة على مثل هذه الامور، حيث حولت قسما من بيتها الى شبه عيادة، تستقبل فيه اللواتي أوقع بهن الدهر.. ربما لم تكن هذه السيدة، المسؤولة المباشرة عن هذا النزف، لأن صبا، بعد خروجها من المنزل، وعودتها الى بيتها، نزعت بنفسها الأنبوب الذي وضعته مجهضتها، وكأنها اختارت، لا ان تقتل نفسها، وانما محاولة ان تنقذ ما تبقى من أعضاء هذا الجنين الذي تحمله. هل هو الشعور بالإثم؟ هل كانت فعلتها محاولة لتتحدى المجتمع والأهل والقبيلة والعائلة، بترك الطفل في بطنها دون زواج؟ اسئلة مفتوحة، تمر على بال القارئ، في محاولة منه لفهم هذه المونولوغات المنسابة، احيانا، بنبرة عالية. إذ غالبا ما تأتي العبارات وكأنها تحاول ان تنحو الى لغة الخطابة، من حيث أنها تحمل في طياتها درسا ما. هل تريد ليلى الجهني تلقيننا درسا ما؟ لا أعتقد ذلك. ربما كانت تقدم لنا وثيقة حقيقية عن شريحة اجتماعية (الشبان) تعيش خلف أسوار المملكة. من هنا قد تفاجئنا هذه الرواية، قليلا، من حيث قوة طرحها، أي من حيث اختيارها لهذا الموضوع، وبخاصة ان كاتبته، هي روائية شابة. ربما ما قصدت قوله، هو وقوعنا جميعا في تلك الاستيهامات التي تلف عقولنا، نحن الذين نسمع عن تلك البلاد، الذين لا نعرفها، ولم نعش تفاصيلها، ولا نعرف أي شيء عن علاقات الأفراد فيها، الا الشيء الظاهر. موضوع ليس بجديد أبدا، حتى في الرواية العربية، التي تطرقت اليه اي الرواية في العديد من الكتابات، بيد ان ما يشدنا اليه، انه يأتي على لسان روائية شابة، سعودية، مع كل ما يثير ذلك من استيهامات كما أسلفت. عالم المعيش صحيح ان »الفردوس اليباب« (وهي الرواية الاولى لليلى الجهني الحائزة بكالوريوس لغات أجنبية من جامعة الملك عبد العزيز في المدينة المنورة، والتي نشرت العديد من القصص القصيرة، كما فازت بعض أعمالها في عدة مسابقات أدبية محلية) تقتحم واقع الشبان المعيش وترسم صورة ما عن الواقع النسائي »الحقيقي«، الا انها لا تسقط أبدا في خطاب النسوية. وهذا هو الأهم. كما انها لا تسقط أبدا في غيّ كتابات بعض مدعيات الأدب، اللواتي يبدأن بحفلات الندب والتأوه. لا شك، ان »الفردوس اليباب«، رواية أولى تلفت، بشكل ما. من هنا، هل اننا أمام رواية »عظيمة«؟ لا أعرف ان كنا نقع على ذلك. لكن من المؤكد، اننا أمام »وثيقة« حقيقية لحياة لا نعرف عنها شيئا. باستطاعة الأدب، احيانا، ان يكون ليس وثيقة فقط، بل شهادة عن كائن تغرقه السياسة والممنوعات والرمال المتناثرة التي نجدها على أيدينا وأفواهنا وعيوننا، فيما لو حاولنا ان ننظر، الى خارج الخطوط المرسومة.