كان ذوو الضحايا الأكثر حضورا في قاعة المجلس العدلي، ثيابهم سوداء ووجوههم مسكونة بالحزن المقيم. العديدون منهم كأنهم وصلوا لتوهم من الحفل الجنائزي. نظراتهم معلقة في سقف البناء المرتفع. كانوا يستحضرون صور أقربائهم الضحايا، ضحايا صندوق تعويضات أساتذة التعليم الخاص مضرجين بالدماء، أو في لقطات من شريط حياتهم معهم. بعضهم، او بعضهن بالأصح كن لا يستطعن النظر الى وجه احمد منصور الماثل أمامهن، وكأنه غير معني، وحوله عدد من العناصر الامنية. القضاة على القوس. الملفات الكبيرة امامهم وفيها كل التحقيقات. محامو الادعاء الى اليسار ومحامي الدفاع الى اليمين. وراءهم ذوو الضحايا، بينما الصحافيون الى جهة اليسار قرب المدعي العام التمييزي. لم يحضر ذوو احمد منصور سوى مرة واحدة. مرة واحدة يتيمة. كانت الاجهزة الامنية المولجة بحراسة سير المحاكمة ساهرة حتى حدود مبالغ فيها. حرصت على تزنير المكان بقبضة من حديد من المدخل وحتى الحمامات في الداخل. تدخلت والدة ضحية لتطلب من أحد الجنود ان يحجب بجسده وجه احمد منصور وفعل.. كان ذوو الضحايا الى جهة اليسار وراء محامي الاتهام وعندما حضر ذوو منصور تلك المرة الوحيدة جلسوا (الأصح جلسن) الى اليمين. أن تجلس في قاعة المجلس العدلي، فأنت امام قضية كبرى. وهي كذلك. ارتجت البلاد عندما سقط موظفو الصندوق الستة وهم في غمرة عملهم، ومعهم مواطنان كانا يتابعان معاملاتهما لدى الصندوق.. وكان من البديهي أن ترتج. وكانت صورة الضحايا مضرجين بدمائهم ماثلة امام كل منا، ومعها الاسئلة الكبرى: ماذا تعني جريمة من هذا الوزن والعيار؟. ما هي دلالاتها؟ هل تعتبر مدخلا ممهورا بدم هذا العدد للسلم الاهلي المضطرب؟ ماذا عن الدلالات الطائفية للمذبحة؟ ومن وراء أحمد منصور؟.. اسئلة وأسئلة وأنا أتملى وجوه ذوي الضحايا وفي الذاكرة برك الدم وموظفون جاؤوا الى مكاتبهم للقيام بعملهم كما في اليوم الذي سبق أو الذي يأتي كما كانوا يعتقدون فإذا بالنار تطاردهم، لا تترك منفذا امام أجسادهم، حتى ولو لجأوا الى الشرفات، يستصرخون الخارج مذبحة الداخل.. احمد منصور امامك بوجهه القاسي.. اتهامات اتهامات وحشد من محامي الادعاء والرجل لا تقاطيع له، كأنه بلا وجه حتى.. قطعة من الحجر التي ينزلق كل الكلام الذي يقال عنها، وكأنه لم يكن. لم يتصرف مرة واحدة انه معني بما يقال ويكال.. ظل مشغولا بعالمه الداخلي عن تلك التي اوقع نفسه فيها ومعه عائلته في اللوبيا.. »الاستاذ« و»الوجيه« يتجرد من صفاته ويقف او يجلس وحيدا.. لا يبدو عليه فعل الندم... تستمر المحاكمة وتطول، وكلما ذكر اسم من اسماء الضحايا، كانت وجوه في القاعة تبكي بصمت مرير. تكر الاسماء وتتتابع الدموع. أحدهم يحضن اخرى الى جانبه، يشد من عزيمتها. في القاعة، وأمامك المتهم قبل ان يصح اطلاق صفة المجرم عليه، لا تملك الا ان تتضامن مع هذه العائلات التي نسفت حياتها في لحظة انتقام من غرور كاذب، كالذي عرفه اللبنانيون خلال مرحلة الفوضى الاهلية، حيث لا قانون الا قانون الأكثر قدرة على ارتكاب الجريمة.. ليذهب أحمد منصور الى الاعدام، لترتفع المشنقة حول رقبة واحد لم ترتعش يداه وهو يطلق النار من رشاشيه، ليصبح عبرة لمن لا يعتبر.. ثم ماذا بعد صدور الحكم.. لا شيء.. لا شيء. كأن احمد منصور لو عاد الى حريته ثانية لفعلها من اجل ادعائه المكابر، من اجل تلك الوجاهة التي تتطلب مالا لا يملكه، وعندما يطالب باسترداده يستحضر سلاح الحرب الأهلية ليقضي على هذا العدد بدم بارد وقلب من الجليد... ثم ماذا بعد؟.. ما صدر قد صدر.. حكم بالاعدام وتنفيذ الحكم لا يغير فيه الكلام شيئاً. معه لا يصبح الأمر عندها أمر احمد منصور، بل امر اكبر. صحيح مصرع ثمانية اشخاص من لحم ودم لهم حياتهم وعلاقاتهم وأحلامهم لا يمكن ان تنسى ولكن هل اعدام احمد ينهي القتل، ينهي هذا الوحش الكامن في داخل هذا المركب المتناقض الذي نعيشه ويجعل القتل امرا ممكنا بل خيارا. أقدم نقدا ذاتيا، أعترف أنني كنت مع اعدام منصور عقابا على الجريمة التي ارتكب.. لست الآن مع إعدامه.. بل مع ما هو أصعب من ذلك، من أجل ان يخرج هذا المجتمع، كل منا، من تراثه »الدموي« ليقبل الآخر، ليعترف بأخطائه وخطاياه.. عندها لن يكون هناك أحمد منصور آخر باسم مختلف.. بين قرار الاعدام وقرار مواجهة كل »طائفة« لذاتها مسافة كبرى.. ألم يكن احمد منصور هو نتاج تلك البنية التي تهدد بمزيد من النبتات القاتلة. السؤال الذي يجب ان يؤرق كلا منا.. كيف نخرج من الحرب الأهلية.. ألم يقرر احمد منصور ان هذه هي حربه الأهلية.. وأن عفوا عاما عن جريمته قد يصدر؟!.