As Safir Logo
المصدر:

»مقال في الرواية« ليوسف سامي يوسف الضمير يؤلف والذاكرة تقرأ

المؤلف: عيسى راشد التاريخ: 2004-01-17 رقم العدد:9699

في مقدمة كتابه »مقال في الرواية«، الصادر عن دار كنعان في دمشق، يباغت يوسف سامي اليوسف منتقديه المحتملين بضربة استباقية، حين يشير إلى ما يسميه عقدة الخواجا، التي تعني تمجيد كل ما يأتي من الغرب بصورة ببغائية. وبما أنه قد أعدّ العدة لصب جام غضبه على ثلاثمئة عام من الرواية، وهي فن أوروبي بامتياز على ما يقول، كان عليه أن يتسلح بالرد المناسب، ولو أنه كان من الأجدى أن يتحلى بالحجة والتروي سلاحاً أكثر جدوى. قبل أن يخوض في تاريخ الرواية يؤسس الكاتب لمعايير من شأنها أن تفصل الأدب الجيد عن الرديء، وهو يجملها في أربعة: أن تشعر ساعة القراءة بأنك في حضرة روح متفوق. وأن ترغب في العودة إلى النص بين الفينة والأخرى. ورسوخ النص في الذاكرة بعد مرور عشرات السنين على قراءتك له (من يعطيني عمراً لأقيّم كتابك هذا؟). ثم انتشار النص في الزمان والمكان. ولكن اليوسف نفسه يغادر لائحته الذهبية، ولوائح غيرها، متخذاً معياراً وحيداً وفاصلاً: »إن معيار الرواية المستخلص من غاياتها الأخلاقية، ينبغي أن يتحدد في قدراتها على صياغة الشخصية التي تصلح كي تكون قدوة«. لذلك سيعتبر »البؤساء« واحدة من نخبة الروايات، رغم عيوبها الكثيرة حسب رأيه، بسبب من شخصية جان فالجان، النموذج الأندر للإنسان الطيب، والذي يرى فيه »برهاناً حاسماً على أن النزوع الأخلاقي هو وحده القادر على إنجاز الأدب العظيم«. عمالقة الرواية يؤرخ الكاتب لفن الرواية ب»روبنسن كروزو« لدانيل دفو التي ظهرت إلى الوجود عام 1719، ثم لا يلبث أن يقفز إلى »كلاريسا« لصموئيل رتشاردسن، معتبراً إياها المؤسس الفعلي لفن الرواية الحديثة. ولكنه مع ديكنز يقول: »لولا الخوف من التطرف لزعمت بأن الرواية فن ابتكره تشارلز ديكنز قبل سواه من الكتاب في العالم«، والمعيار أخلاقي بالطبع، إذ »إن الضمير الحي هو البطل الفعلي... حتى ليسعك القول بأن ذلك الكاتب هو شاعر الوجدان في بداية طور الصناعة الخانق«. والكاتب لا يطيل التوقف عند روائي، إذ هو غالباً ما يستخدم عدداً قليلاً من العبارات في وصف رواية أحدهم مثل: هذه رواية متخشبة متليفة، وتلك تصلح للقراءة في زماننا. ولن يتعدى عمالقة الرواية أصابع اليد الواحدة؛ توماس هاردي، هنري جيمز، دستويفسكي وليو تولستوي، والسبب في كونهم عمالقة أنهم اتخذوا من الأخلاق والمثل محوراً لفن الرواية. و»دونما حاجة لاستثناء كافكا وبروست وجويس وفرجينيا وولف، وحتى لورنس الذي فوق هؤلاء جميعا«، فكافكا أسهم في تشويه الشكل الروائي، وهنا يكمن مقتله، لا في المحتوى. ومن الغريب أن الكاتب التفت مرة، بمعاييره الأخلاقية، إلى الشكل معتبراً أن رواية القرن العشرين ما هي إلا عبث شكلي. ولكن هل تاريخ الأدب والفن سوى تاريخ أشكال؟ لا أحد يعرف على وجه الدقة ماذا بين الفرنسيين وبين الكاتب؟ فرغم مدائحه القليلة المبثوثة هنا وهناك لرواياتهم يصر على القول إن »فرنسا طوال السنوات المئة والخمسين، التي تلت موت بلزاك حتى الآن، لم تنجب أي روائي يضاهيه أو يدانيه«، وكان قد ألمح من قبل بأن الكمية الضخمة من الكتب التي أنتجها بلزاك، ووصلت إلى مئة وثلاثين من الكتب في عمر لم يزد عن إحدى وخمسين سنة، تثير الريب لدى التفكير بالقيمة أو بالمستوى النوعي! ويضيف أن نقطة ضعفه هي النقص في كفاءة التعامل مع الروح وأزماتها المزمنة. فما الذي يبقى للفرنسيين بعد بلزاك؟! وفوق ذلك فإن »الأدب الفرنسي هو أقدر الآداب على ممارسة الثرثرة« و»في عدد لا يحصى من الروايات الفرنسية أن الرجال والنساء لا عمل لهم سوى ممارسة ذلك الحب الخياني المبتذل«. أما انحطاط الأدب العالمي الحديث ف»لا مراء في أنه قد أخذ يستطير على الأرض الفرنسية، حيث نشأت جميع أصناف الدرجات (بضم فسكون)«. الوصفة وإذا كان هذا شأن الفرنسيين فللأمريكيين حساب آخر حيث »المجتمعات المفرطة في العدوانية وإراقة الدم البشري، مثل آشور وروما واسبارطة والولايات المتحدة، لا تملك البتة أن تنجز أيما أدب عظيم قادر على الصمود في وجه الزوال«. وإذا كان الكاتب يحاكم الرواية حسب أخلاقية شخصياتها وصلاحيتها للتحول إلى مثال، فإنه يشدد الحساب على الكتّاب الأميركيين: »ولئن كان فوكنر شديد الولع بالشبق، فإن همنغواي مولع بالخمرة والحانات والفنادق. ولهذا، يحق للمرء أن يطرح على نفسه سؤالاً هاماً: »هل يمكن لكاتب مغرم بالملاكمة والصيد ومصارعة الثيران على هذا النحو المفرط أن يكتب رواية ناجية من الضحالة والزيف والاصطناع؟«! ولكن الكاتب لم يتحدث مرة عن المجتمع الذي يقف وراء رواياته الأحب في انكلترا وروسيا، وهل هناك وصفة ما لإنتاج أدب عظيم؟ وهل يمكن العثور على ملامح مشتركة بين مجتمعي البلدين المصدّرين للرواية، ومن جهة أخرى بين المجتمع الذي أنبت الآداب والفنون والفلسفة الإغريقية باعتبارها الفترة التي أسست لآداب وفنون أوروبا؟ في خاتمة كتابه يتذكر الكاتب، وكأنما على نحو مفاجئ، أن ثمة أدباً في أميركا اللاتينية، فيعرج على رواية ماركيز »مئة عام من العزلة« ليقول إنها بنية مصطنعة خالية من القدرة على استقصاء الحياة الباطنية. كما أنه يبرر تحفظه إزاء الرواية العربية بالقول: »مما هو مغاير لطبع الأشياء أن تتمكن هذه المدن الخمجة المذرة، المكظوظة بالأوساخ والضوضاء، والرازحة تحت أوزار الاستبداد والبطش القمعي، من أن تنتج أيما أدب جليل«. وكثيراً ما يستخدم الكاتب في وصف الناقد أو القارئ المتميز عبارة صاحب الذوق المعافى، وذلك كنوع من مصادرة الرأي، فمن يجرؤ حينها أن يجانب الذوق: »إن صاحب الذوق المعافى لن يرى لرواية »أولاد حارتنا« أو »الحرافيش«، أو »أمام العرش«، أية صلة بالفن الروائي كله، وذلك لأنها بعيدة كل البعد عن الحساسية التي من شأنها أن تتحسس الحياة بوصفها قدرة على إنتاج الرفعة والنبل«. نجيب محفوظ كان مثاله العربي الوحيد الذي يبدو أنه اضطر إليه اضطراراً بسبب من جائزة نوبل التي يحملها، بالضبط مثلما اضطر إلى ذكر رواية أميركا اللاتينية في بضعة أسطر. فهل كان سامي اليوسف مضطراً للتأريخ للرواية منذ نشأتها إلى اليوم في ما لا يتجاوز المئة والسبعين صفحة؟ من الواضح أن الرجل يكتب متعباً من الحياة، ساخطاً عليها، فكلما مرت كلمة الدنيا لا بد أن يلحق بها بكلمة الدنيّة، هكذا من دون أية مناسبة. فصار تكرارها أمراً مضحكاً، ومثلها تلك العبارات الكثيرة التي يستهل بها كلامه في كل مقطع، خصوصاً العبارات التي تتهم القارئ بالضحالة والغباء إذا لم يوافقها! (دمشق)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة