الكتاب: الغائبون الحاضرون. الكاتب: هليل كوهين. المترجم: نسرين مغربي. الناشر: مؤسسة الدراسات الفلسطينية. مصدر الاهتمام بكتاب »الغائبون الحاضرون« جنسية كاتبه. فتناول الاسرائيلي »هليل كوهين« لمسألة »اللاجئين الفلسطينيين في اسرائيل منذ سنة 1948« يشكل واحدة من معالجات اسرائيلية اخرى بدأت بالتجرؤ على فتح ملفات تأسيس »الكيان اليهودي«، فبكسر جدار الصمت الذي سوّر أهل الأرض »الاصليين« بمظالمه وبإجراءاته التعسفية. هذه المقاربات، تتلمس طريقا للاعتراف بالخطأ، من خلال عرضها المتدرج »والملتوي« للوقائع التاريخية، وانطلاقا من الاعتراف هذا، نحاول ان نرفع الصوت بالمطالبة بمصالحة تاريخية ما بين الفلسطينيين وغزاتهم، الذين صاروا حكامهم وأصحاب الشأن في ما بعد... يستعيد الكاتب تاريخ »الدولة الاسرائيلية« من زاوية العصب الاساسي للمشروع الصهيوني الاصلي: الاستيلاء على الارض، ونفي شعبها، كخطوة اولى، ومن ثم إنكار هوية الارض وإسقاط هوية مالكيها، اذ انه من دون النجاح في ذلك، يستحيل فرض مزاعم اسرائيلية وافدة، على حقيقة فلسطينية مقيمة، يقتضي نفي أحد طرفي المعادلة، أو تحويله، كي تنهض المعادلة الجديدة كحقيقة مكتملة القوام. يحفل الكتاب بسرد موثق للاجراءات الاسرائيلية التي تصب في خدمة هذا الاتجاه. اذ بعد الاستيلاء على القسم الفلسطيني الذي أتاحه قرار التقسيم الصادر عن الامم المتحدة، استكملت »اسرائيل« الوليدة اغتصاب ما أتاحته حرب 1948، وأعملت في ميدان قتالها، سيف القتل اولا، ثم »سيوف« الطرد بوسائل وقرارات متنوعة. »تعريف الغائب« وفقا للمفهوم الاسرائيلي كان واحداً من أساليب مصادرة الممتلكات. إعلان هذه المنطقة أو تلك منطقة عسكرية، كان مسوغاً لطرد السكان، وغطاء »قانونيا« لمنع من غادر بيته من العودة إليه. استباق بعض قرارات المحكمة العليا الاسرائيلية »المنصفة«، بالنسف والتدمير. كان مظهرا من مظاهر تطويع القوانين في خدمة الهدف الاساس: مصادرة الارض واستيطانها. وكي توضع اليد على مشكلة اللجوء من أساسها، يشير الكاتب الى مبادرة اسرائيل، وبمساعدة أميركية، الى وقف خدمات وكالة غوث اللاجئين، وتولي مسؤولية الملف بنفسها. وضع اليد هذا سيكون مقدمة ضرورية لتجنب التدخل الدولي »الانساني« في الشأن الداخلي الاسرائيلي، وتمهيداً لمحاولة إلغاء »اللجوء« ونفي وجوده. يعرض »كوهين« في هذا المجال لمسلسل من الضغوطات مرفقة بشيء من الاغراءات. لقد عرض على »اللاجئين« في أرضهم مبدأ التعويضات مقابل التنازل عن ملكياتهم الاصلية. ووضعت خطة إسكانية لاستيعابهم، وقدمت لهم عقود ضمان أرض لاستثمارها... كان كل »مكسب« مشروطا ببند وحيد: القبول بالتعويض. وكان الرفض لذلك، معبراً الى التهميش، ومدخلا الى الاستقرار فيه. كان ذلك »مبدأ« السياسة الاسرائيلية، وهو ما زال مستمراً، حتى كتابة سطور الكتاب، هذا على الاقل ما يصرح به الكاتب. الممانعة من الطبيعي، ألا تجري الوقائع، ضمن لوحة سكونية، فتاريخ القمع والمنع، تطور في اسرائيل وتجاوز شيئا من وسائل زمانه، فألغى بعضها وطور أو عدّل في اخرى. ومن الطبيعي ايضا، ان تتطور معادلة الممانعة الفلسطينية داخل »الكيان« فتصرف شيئا من الاندماج، وألواناً من الاستقرار وتعديلا في لوائح المطالب. إلا ان الامور جرت لدى الطرفين، على خلفية ثوابت كانت تكمن وتخبو احيانا، ثم تعود فتحضر بقوة عندما تتوافر لها ظروف مؤاتية. على هذا نقرأ لدى الكاتب: سياسة اسرائيلية ثابتة في رفض الاعتراف بالخطأ التاريخي الذي أحاط بنشوء »الدولة«، ونقرأ ايضا رسوخا فلسطينيا في المطالبة بحق العودة الى البلد الاصلي. في حقل هذه الثوابت تجري مياه المنازعة الفلسطينية الاسرائيلية، ضمن »الدولة الواحدة« وفي وسط اصطراع المنازعة، ما زال تبلور الهوية لدى كل طرف، وعلى نحو جامع، مستعصيا. فلا الاندماج »الفلسطيني« متحصل، ولا الاحادية »اليهودية« قادرة على الانفتاح. اتفاق أوسلو، واندلاع الانتفاضة، محطتان متناقضتان لدى الكاتب، لكن استعراضهما على خلفية وعودهما الفلسطينية، يعيد حقيقة الترابط بينهما ويجلوها. توج اوسلو مسيرة فلسطينية كفاحية في الداخل والخارج، قرأ البعض ذلك كنهاية مطاف، وقرأه بعض آخر كافتتاح لمسيرة. لعل القراءة الاهم من الجانب الفلسطيني كانت قراءة »الهوية«، التي آنست فرصة لانبعاثها، باتجاه تكريس حلها وفق مركبين: هوية في دولة مستقلة، فلسطينية، وجزء من هوية اخرى في دولة اسرائيلية تضع حدا للتناقض السائد لدى لاجئي الداخل، المعبر عنه في مقولة »أنا من هنا، أو أنا من هناك« حسب ما يورد الكاتب. ما حصل وقائعيا كرّس حتى الآن عسر ولادة التوقعات وتحققها. ولذلك عبّر العسر عن نفسه في اندلاع العنف مجدداً من الضفتين: الانتفاضة رد آخر على الاصرار الاسرائيلي على »نفي« الفلسطيني، والعنف الاسرائيلي تمسك متجدد بالنفي الاصلي للشعب والارض، وإعلان العجز عن تجاوزه. لعلها مناسبة للقول، ان ما يورده الكاتب حول تحركات الفلسطينيين منذ النكبة عام 1948 وما تلاها، يشير الى مستوى الصمود والمقاومة اللذين أبداهما الشعب الفلسطيني، مما يدحض مقولة »الايكال والاتكال والتفريط أحيانا« التي وجدت من يرددها طوال سنوات طويلة، ويعد جلاء حقيقة المعاناة الفلسطينية المستديمة. المعالجة لكن »هليل كوهين« لا يقف عند حدود الاستعصاءين: الفلسطيني من ناحية والاسرائيلي من ناحية اخرى، وهو لا يريد من عرضهما على »مسرح« دراسته إسدال الستار عليهما فقط، دون اقتراح وجهة محددة، أو الاشارة الى وجهة عمل. على هذا الصعيد، يؤكد الكاتب على ضرورة توافر مناخ ملائم للمصالحة، والعمل على إيجاد ظروف مناسبة، تسهم في تحقيق السلام، الذي سيكون حاسما في هذا المجال. هكذا رؤية، تقول، من حيث لا تريد، ان اسرائيل محكومة بالسلام، وان استقرار هويتها مرهون بقدرتها على استيعاب وقبول الآخر العربي في داخلها، وفي جوارها بحيث تصير اسرائيلية بدل ان تظل »يهودية«. بكلمة: الانبعاث الفلسطيني المستقل المتجسد في دولة واضحة الهوية، شرط لانبعاث الاسرائيلية المستقلة واستقرارها. لا يفوت الكاتب ان يؤكد ان دون ذلك أسباباً اسرائيلية أخلاقية وايديولوجية وعملية، وهذه تتفاقم، طالما استمر في الحكم من يماثل شارون، أو يتفوق عليه، ممن ما زال يخوض »حرب الاستقلال« المفتوحة منذ العام 1948 وحتى الآن. السياسة وعد، والكتابة أمل بوعود اخرى. لا تعدنا مقاربة »هليل كوهين« بشيء لكنها تدعو الى إعمال الفكر من على »جانبي الموعودين« ومن ضمن مسيرة حياتهما الواقعية الفعلية... لطالما حفلت الوقائع بجديد!!.