يوم قدمت العدد الخاص للنوفيل اوبسرفاتور عن كارل ماركس، ونقلت بعضاً من اضاءاته، حبذت لو يترجم هذا العدد كاملاً الى العربية. هل لي اليوم أن أضيف نفس الشيء عند استعراض العدد الخاص الأخير للنوفيل اوبسرفاتور الذي يتناول ذاكرة المحرقة اليهودية مركزاً ليس فقط على فظاعتها أو استثنائيتها، وانما، وقبل كل شيء، على ما تختزنه من عبثية ستبقى عصية على كل فهم وتفسير؟ كلا، لن أدعو الى ترجمة العدد، وسأقرأه لوحدي دون تلخيصه، ليس لأن معالجاته من النوع الرديء طبعا، بل لأن مقدمات القراءة بالعربية للمحرقة ما زالت مفقودة، جراء سيطرة كل من التنويرية والظلامية البائستين على العقل العربي بما يمنعه من امعان النظر في مفارقة الحضارة الغربية بما هي مفارقة تلخصها الحداثة في ضوء المسألة اليهودية وبالعكس. أقول ذلك، لأن اهتمامي الشخصي نوعاً ما بالمسألة اليهودية والمحرقة (الشووا) لم ينبع من محليات الصراع العربي الصهيوني بقدر ما نبع من مفارقة تتلمذي فكرياً إما على نصوص لمفكرين هم بصورة أو بأخرى من »اليهود« (اسبينوزا، ماركس، فرويد، هوسرل، روزنستفايغ، بنجامين، ليفيناس، مارتن بوبر، شوليم، دريدا) وإما على نصوص لعمالقة في الفكر ارتبط اسمهم بصلة عضوية أو بمفعول رجعي بالنازية (نيتشه، فينك، هايديغر، شميت). لست أتكلم هنا عن مفارقة شخصية فقط، بل عن مفارقة حضارية تبرزها كتابات فيلسوف تلمودي كايمانويل ليفيناس بازاء الدَين الذي يستحقه لهايديغر »النازي«، أو كتابات فيلسوف يهودي مثل جاكوب تاوب معترفاً بدور كارل شميت في صقل فكره. في المقابل، ما وجدت يوماً ما هو أكثر سخافة من تلك الكتابات التي تتحامل على يميني محافظ مثل ليو شتراوس أو على يساري تفكيكي مثل جاك دريدا (حالة أمينة غصن مثلاً) بدعوى أنهما يمثلان مزيجاً من اليهو نازية كما لو كان ذلك عيباً، كما لو كان التفكير عيباً. يجتمع العمالقة ذات الصلة بالنازية على همّ محاربة العدمية. ويجتمع العمالقة ذوي الجذر اليهودي على تطوير فكرة »الافتداء« الابراهيمية سواء على صعيد »الجماعة الكونية« مع الخلاصية الشيوعية أو على صعيد »الكائن المفرد« مع التحليل النفسي (المفرد هو مفهوم للكائن في ما وراء »الفريد« و»الفرد«). من هنا، لم تكن مفارقة الغرف من مصدرين متباعدين لتشكل عبئاً ثقيلاً، بقدر ما شحذت الفكر بهمّ »الاصطفاء« بما هو النزوع الى رفع الوجود الديونيسيوسي في مقابل العدم، ولاجتراح الخلاص الموسوي في مقابل المنفى والتيه. منذ عقود، يتعرض الفكر العدمي السائد بطبعتيه الليبرالية والشعبوية لفكرة »الاصطفاء« هذه. دأب الفكر العدمي أن ينقض »الاصطفاء النازي« من موقع »الاصطفاء اليهودي« ثم يعود وينقض »الاصطفاء اليهودي« من موقع »الاصطفاء النازي«. يمكن القول أن كتابات حنة أرندت وكارل بوبر وريمون آرون (الفرع الرديء من المفكرين اليهود) كانت المبادرة الى هذا النوع من الفكر العدمي، وخصوصاً أنها كتابات تركزت على الجمع التوتاليتاري ما بين »الشيوعية« و»النازية« للفظهما معاً. ونحن نجد أن ما قاموا به لم يكن الا تبنياً مزدوجاً للادانة النازية للشيوعية والادانة الشيوعية للنازية، وكان لهذه الادانة المزدوجة أن عمقت خواء الفكر يميناً ويساراً، بحيث صار يتبرأ من أثمن ما عند نيتشه وهايديغر وشميت وفينك أي »محاربة العدمية« والانتصار لأريستوقراطية الفكر والوجود، كما يتبرأ من أثمن ما عند كارل ماركس أي فكرة »ديكتاتورية البروليتاريا« التي من دونها لن تكون لماركس أهمية تذكر لا في تاريخ الفلسفة السياسية ولا في تاريخ الأونطولوجيا الغربية، ولاستحالت كتاباته أسخف من نبي جبران. في مقابل الموجة العدمية الطاغية، لن يجدي نفعاً أي تأسيس على تلفيقية هيغلية مثل تلك التي حاول اجتراحها الكسندر كوجيف ذات يوم لتمثل أثمن ما في النازية وأثمن ما في الشيوعية. في المقابل، لا بد من الاشتغال سواء بسواء على هذين التراثين، تراث الفكر التوجيدي« (Existential) المتصل بالنازية، وتراث الفكر »الخلاصي« ذي البعد اليهودي. أما في حال امتنعنا عن ذلك، ورفضنا قراءة »النازي« مارتن هايديغر، و»اليهو خلاصي« فرانتس روزنتسفايغ، فلا سبيل عندها لأي حديث وازن عن المحرقة واللاسامية، وعن أي شيء مما يخدش مسامع هذه الكوكبة المتفاقمة من العلمانيين والظلاميين. بازاء هذه الكوكبة المتفاقمة، يحضرني بعض مما كتبه جان كلود مونو للنوفيل اوبسرفاتور، اذ أشار الى أن حدث المحرقة اليهودية جاء ليستكمل علمنة النظرة الى التاريخ بمعنى أن المحرقة نزعت آخر ما تبقى لهذا التاريخ من قدسية وغائية، لكن المحرقة وبما هي شرّ تاريخي جاءت لتحتج في نفس الوقت على لا مقصدية التاريخ، فتنقض على هذا الفصل التعسفي بين ما هو »ذاكرة« وبين ما هو »تاريخ«، لتبعث حساسية قدسانية مهدوية (مسيحانية) متجددة. يمكن أن نجد صدى لذلك عند بريمو ليفي الذي يعتبر المحرقة حدثاً »أعلى مرتبة« من الخير والشرّ وليس فقط في ما وراء ثنائيتهما، تحاشياً للالتباس النيتشوي. حري بنا التوقف برهة عند ما يقوله ليفي ومونو، فهذا يبرز حاجتنا الى تفكر لاهوت سياسي للمحرقة من ضمن تفكر اللاهوت السياسي بذاته. والحق أن تفكر اللاهوت السياسي يستحق مهمة مزدوجة هي مهمة »النضال النظري« ضد العلمانوية وضد التقدمية العدمية و»النضال العملي« ضد الظلامية والتزمتية التي لا تقلان عدمية كما لا تقلان ابتعاداً عن تراث الوحدانية الابراهيمية، وحدانية الوحي والاختيار والوعد والخلاص.