As Safir Logo
المصدر:

»السفير« تنشر تفاصيل رواية الانتخابات العراقية .. الممنوعة أميركياً هل يُسقط السيستاني الشرعية عن العملية السياسية؟

المؤلف: حرب خليل التاريخ: 2004-01-12 رقم العدد:9694

هل يتجه الاحتلال نحو الصدام مع المرجعية الدينية في النجف، مع كل ما قد يطرحه ذلك من تداعيات على الصعيد الداخلي العراقي وعلى مسار العملية السياسية التي يقودها الاميركيون وعلى مصير الاحتلال نفسه؟ السؤال بات يطرح نفسه بقوة امس بعد المعطيات التي توافرت ل»السفير« حول طبيعة ما كان يجري خلال الاسابيع الثلاثة الماضية ما بين النجف وبغداد وصولاً الى نيويورك وواشنطن، والتي تشير إلى ان الإدارة الاميركية حسمت موقفها برفض الخيار الشعبي، أي الانتخابات التي تطالب بها شرائح عراقية واسعة بما في ذلك المرجعية الدينية التي يمثلها السيد علي السيستاني. ويبدو ان سلطات الاحتلال بدأت، من خلال تجاهلها حقوق العراقيين، تدفع الامور نحو مزيد من التفاقم، خاصة بعدما رضخت الأمم المتحدة للضغوط الاميركية من خلال إعلان الامين العام كوفي انان في رسالته إلى مجلس الحكم والمؤرخة في الثامن من كانون الثاني الحالي والتي حصلت »السفير« على نصها، ان الانتخابات التي يطالب بها العراقيون »قد لا يكون لها متسع من الوقت لتنظيمها«، ودعوته لهم للالتزام بالعملية السياسية الحالية لنقل السلطات التي حددها الاميركيون من خلال اتفاق بريمر الطالباني في 15 تشرين الثاني الماضي. وبالاضافة الى ذلك، علمت »السفير« ان الزيارة التي قام بها الرئيس الحالي لمجلس الحكم عدنان الباجه جي امس الى النجف حيث استقبله السيد السيستاني لمدة ساعة ونصف الساعة، كان هدفها إبلاغ المرجع الديني بمضمون رسالة انان، التي لا يشير فيها الامين العام للأمم المتحدة إلى استجابته لمطلب إيفاد بعثة من خبراء الأمم المتحدة للتحقق من امكانية اجراء انتخابات او طرح مقترحات بديلة إذا تعذر تنظيم مثل تلك الانتخابات، وهو ما يعني ان الامور قد تدفع المرجعية الدينية، الممثلة بالسيستاني، إلى اعلان »عدم شرعية« العملية السياسية برمّتها، وتحديدا تشكيل المجلس الوطني الانتقالي الذي يدعو إليه اتفاق بريمر الطالباني. ومن شأن ذلك ايضا ان يؤدي الى ازمة سياسية حقيقية تهدد العملية السياسية الجارية وفق الرؤى الاميركية، وذلك بالاضافة الى »تداعيات شعبية«، لا على صعيد الشارع الشيعي وحسب وإنما ايضا على صعيد الشارع السني الذي في الاصل يعتبر نفسه مهمشاً ومن دون تمثيل، وهو ما من شأنه ان يعمق الشرخ القائم على اكثر من صعيد بين مجلس الحكم الانتقالي وقطاعات كبيرة من الشعب العراقي، المعروف بأنه يكن احتراما عميقا لمرجعيته الدينية. وكان مكتب السيد السيستاني في النجف اصدر بيانا امس حصلت »السفير« على نسخة منه، بعد اللقاء الذي جمعه مع الباجه جي حيث اكد المرجع الديني موقفه الداعي إلى إجراء انتخابات عامة. وذكر البيان »أكد السيد خلال اللقاء ان الآلية المذكورة في اتفاق 15 ت2 لتشكيل المجلس الوطني الانتقالي لا تضمن أبدا تمثيل العراقيين فيه بصورة عادلة«. وأضاف ان »الآلية المثلى هي الانتخابات التي يؤكد العديد من الخبراء امكانية إجرائها خلال الاشهر القادمة بدرجة مقبولة من المصداقية والشفافية«. واعتبر السيستاني ان المجلس الوطني الانتقالي المقترح »لا يحظى بالشرعية المطلوبة«. وأضاف »لن يكون بمقدوره (المجلس) ولا بمقدور الحكومة المنبثقة عنه، القيام بالمهام المعهودة لها والتقيد بالجدول الزمني المحدد للفترة الانتقالية«. وحذر البيان من انه »سوف يبرز جراء ذلك مشاكل جدية وسيزداد الوضع السياسي والامني تأزماً«. وأكد ان »القانون المؤقت لإدارة الدولة العراقية والاتفاقية الامنية (المفترض التوصل إليها مع القوات الاميركية) يجب ان يعرضا على ممثلي الشعب العراقي في المجلس الوطني الانتقالي للمصادقة عليهما تأميناً لشرعيتهما«. كما شدد السيستاني على ضرورة »الحفاظ على وحدة العراق أرضا وشعبا« وأن يقيم العراق »اوثق العلاقات وامتنها مع محيطه الاقليمي ولا سيما الدول العربية الشقيقة«. وكان السيستاني اقترح مؤخرا ان تقوم الأمم المتحدة بالمساعدة في تنظيم انتخابات، وصاغ اعضاء في مجلس الحكم رسالة بهذا المعنى وجهت الى انان شخصيا، وحملت تاريخ 30 كانون الاول الماضي. وقالت مصادر مقربة من مكتب السيد السيستاني ل»السفير« ان توجيه الرسالة من عبد العزيز الحكيم باسم مجلس الحكم جاء بعد إقرارها في اجتماع لمجلس الحكم عقد بعد لقاء مصغر في منزل السيد محمد بحر العلوم في النجف في 25 كانون الاول شارك فيه نجل السيد السيستاني، محمد رضا، بالاضافة إلى موفق الربيعي واحمد الجلبي وعز الدين سليم، وعادل عبد المهدي ممثلا عبد العزيز الحكيم، وعدنان الاسدي ممثلا ابراهيم الجعفري. وينص اتفاق نقل السلطة الموقع في 15 تشرين الثاني بين مجلس الحكم وسلطات الاحتلال على تشكيل مجلس وطني انتقالي يجري وفق عملية اختيار (وليس انتخاب) قبل 31 ايار 2004 تسبقه عملية وضع قانون ادارة الدولة. وقد دفع ذلك السيستاني الى إعلان تحفظاته على العمليتين بسبب غياب دور الشعب فيهما، بحسب ما اكدته ل»السفير« المصادر المقربة من مكتب السيستاني. ولأن السيستاني لا يستقبل ممثلي الاحتلال، فقد جرت اتصالات مكثفة مع أعضاء في مجلس الحكم و»وسطاء« آخرين. وكان البعض في مجلس الحكم طرح سلسلة من الحجج لرفض الخيار الانتخابي حاليا من بينها ان »الفترة الزمنية قصيرة« لتنظيم انتخابات قبل استحقاق حزيران حول نقل السلطة. لكن السيد قدم لهم دراسات من بينها دراسة علمية لرئيس الجهاز المركزي العراقي للإحصاء مهدي العلاق، تؤكد أن بالامكان إجراء انتخابات ضمن الجدول الزمني المحدد. وعندما اقترح السيد اعتماد البطاقة التموينية قالوا ان كثيرين لا يملكونها وهناك ملايين العراقيين في الخارج، لكنه كان يرد ان بالإمكان عبر سفارات العراق التي عادت إلى العمل بشكل طبيعي، تسجيل أسماء المقيمين في الخارج وتسجيل هوياتهم وتنظيم عملية اقتراع في السفارات مثلما هو في العديد من انتخابات الدول الاخرى. ثم قالوا له ان سكان المناطق الكردية لا يحملون البطاقة التموينية، فقال لهم ان المنطقة الكردية هي اكثر مناطق العراق تنظيما وأقل منطقة معاناة للمشكلات اذ سبق لها ان جرت فيها إحصاءات وانتخبت مجلسا إداريا. وعندما أثاروا مسألة امكانية استخدام البطاقة التموينية في التصويت اكثر من مرة، رد السيد ان بالإمكان اعتماد ختم معين لضمان نزاهة عملية الاقتراع، مذكرا في الوقت ذاته بأن الجهاز المركزي للإحصاء ما زال يحتفظ بسجلاته منذ ايام العهد السابق وبالإمكان إعادة استخدامها، من دون ان يغيب عن باله ان هذا الجهاز ذاته، وبينما كان الاميركون يقولون باستحالة الانتخابات، كشف انه كان يعد العدة لإجراء إحصاء وطني يمهد لتوزيع بطاقات انتخابية وضمن المهل الزمنية المطروحة، لكن الاميركيين وبعض أعضاء مجلس الحكم، اوقفوا العمل بخطة الجهاز المركزي هذه. وكان السيستاني في كل ذلك يؤكد انه حريص على »تمثيل الشعب تمثيلا حقيقيا« ولا يتمسك بأي اقتراح محدد وأن البطاقة التموينية مجرد اقتراح وهو منفتح على أي اقتراحات بديلة. وفي هذه الاثناء كان الحاكم الاميركي للعراق بول بريمر الذي سبق للسيد ان رفض استقباله، يزور واشنطن فجأة حيث بحث مع كبار المسؤولين في البيت الابيض مسار عملية نقل السلطة، بينما كان اكثر من مسؤول اميركي يرفض ضمنيا وعلانية فكرة إجراء انتخابات حاليا. وبدا عندها ان الضغوط الاميركية كانت تعرقل الاقتراحات المطروحة، وان البعض في مجلس الحكم كان في الواقع يخشى اللجوء الى الخيار الشعبي لأنه لا يستند الى قاعدة شعبية تؤهله للفوز اذا ما احتكم العراقيون الى صناديق الاقتراع، وكان آخرون يخشون انتهاء دورهم سريعا على الساحة السياسية. وفي هذه الاجواء، طالب السيستاني باستقدام لجنة من خبراء الأمم المتحدة لتزور العراق وتدرس امكانية او عدم امكانية إجراء انتخابات. فإذا كانت غير ممكنة، فلتقترح هذه اللجنة المحايدة البدائل الاكثر تمثيلا لإرادة الشعب العراقي. وجرت مفاوضات مع »وسطاء«، وقال بعض هؤلاء ان الأمم المتحدة خرجت من العراق وهي غير موجودة لتنظم انتخابات او غيرها. وقرر السيستاني عندها الاتصال مباشرة بالأمم المتحدة عبر قنوات خاصة، وكان ذلك في كانون الأول الماضي، ووجه السيد سؤالين: هل تخلت الأمم المتحدة عن دورها في مساعدة الشعب العراقي؟ وإذا طلب منكم مجلس الحكم إرسال فريق خبراء لدراسة العملية السياسية واقتراح البديل، فهل تتجاوبون؟ ثم تبلغ السيستاني من الوسطاء ان »الأمم المتحدة لم تخرج بإرادتها وإنما تعرضت لهجوم أودى بحياة سيرجيو دي ميلو وان الأمم المتحدة لا يمكن ان تتخلى عن الشعب العراقي«. أما في ما يتعلق بالعملية السياسية، فقد اشار هؤلاء الوسطاء الى انه »ليس هناك أي دور للأمم المتحدة في نص اتفاق بريمر الطالباني، ونحن لا نريد ان نكون متطفلين على العملية السياسية، لكن سنوجه دعوة الى مجلس الحكم وسلطة التحالف للحضور إلى نيويورك في 19 كانون الثاني ليقولوا بوضوح وصراحة ما هو الدور السياسي الذي يرونه مناسبا للأمم المتحدة في العراق.. وعندها لا يمكن الا ان نكون إيجابيين«. وعقد بعد ذلك الاجتماع في منزل بحر العلوم في النجف مع اعضاء في مجلس الحكم حيث تم الاتفاق على توجيه رسالة إلى انان، وتبعه اجتماع في منزل السيستاني. وبالفعل ارسلت رسالة بتوقيع الحكيم، رئيس مجلس الحكم في الشهر الماضي، وباسم مجلس الحكم، وسادت آمال بأن رد الأمم المتحدة سيكون »إيجابيا«، وإذا بتصريحات المتحدث باسمه فريد ايكهارد الجمعة الماضي تأتي في سياق مختلف حيث قال ان انان عبّر اكثر من مرة عن »وجهة نظره بأن الوقت لا يسمح بتنظيم انتخابات حرة ذات مصداقية في العراق في ضوء الوضع الراهن على الأرض«. وقالت مصادر ل»السفير« ان الباجه جي حمل الى السيستاني امس نص رسالة انان التي تحمل تاريخ 8 كانون الثاني 2004، ردا على رسالة مجلس الحكم في 30 كانون الاول، التي يعلن فيها الامين العام عدم امكانية تنظيم الانتخابات ويحث مجلس الحكم على الالتزام بآلية نقل السلطة والسيادة التي حددها الاميركيون. وأكدت المصادر ان رد انان يمثل »محاولة اميركية لإجهاض اجتماع 19 كانون الثاني«، مضيفة انه يمثل ايضا »خذلانا من جانب الأمم المتحدة للشعب العراق، والسيد السيستاني لا يمكنه المصادقة على ذلك«.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة