رامي خليفة. بشار خليفة . أم أنهما رامي وبشار مارسيل خليفة؟ الرجل أثر بالشابين أم هما أثرا به؟ الاب مد يده لولديه ففتح لهما الشبابيك رحبة على احتمالات واحتمالات موسيقية؟ أم الولدان وسعا له المدى فاتسع لاحتمالات أخرى وجال في التنوع مختلفا، مجربا، متنوعا؟ هل هما يقدمانه الى جمهور جديد أم هو الذي يقدمهما الى جمهوره الدائم؟ هما لا يشبهان مارسيل. هما يشبهانه. هما لايشبهان بعضهما بعضا. يختلفان، يلتقيان. لكل منهما تجربته، لكل منهما حلمه، مشروعه، ولهما مشروعهما المشترك مع شباب آخرين أيضا. لكل منهما شخصيته وشخصيته الأخرى... الموسيقية. صورة مسبقة تقفز إلى الرأس عند ذكر أنهما نجلا الخليفة. صورة وكأنها غير أصلية عن الوالد. نسخة غير محترفة. بالنغمة، بالشكل، بالثياب، بالمفردات. الصورة غير حقيقية. الحقيقية هي أنهما يشبهان نفسيهما، يشبهان جيلا كاملا، يشبهان عمرهما، اختلافهما. تجدهما شابين يعيشان الحياة كالآخرين، ثيابهما مريحة، »على الموضة«. تسريحتيهما شابة، مفرداتهما عصرية، ويلعبان الموسيقى بطريقتيهما. تراهما، تنتبه لوجودهما لأنه ليس اضافيا. احدهما هناك يعزف على البيانو وكأنه يمارس حبا، يلعب بشغف، ينقر وكأنه ينتقل الى حالة لا واعية فيها اكثر من لذة، يفرحك عزفه. تبتسم وتفرح وأنت تراه »ينطنط« من مكانه، في مكانه، عند حافة الآلة. تبتسم اكثر حين يمد انامله الى داخل البيانو ليغرف موسيقى. الآخر في الناحية الاخرى، بين آلات ايقاعية كثيرة، ينتقل بينها، تنتقل هي بين يديه. يداعبها، يداعبنا. ايقاعاته لا تسمعها فقط بل تراها، تحسها، تلمسها في الموسيقى، في وجهه الطفولي،... في احترامه الهادئ، في خجله الواعي حين يستعير البيانو من اخيه ليعزف اغنية. طبعا درسا الموسيقى، طبعا يتابعان ويريدان الاحتراف، طبعا يشاركان مع مارسيل خليفة منذ ثلاث سنوات، وطبعا يحلمان. وبإصرار يريدان لتجربتهما الجديدة أن تولد، يريدان لمشروعهما مع ثلاثة شبان آخرين (إثنان فرنسيان وآخر بلغاري) أن يكون. مشروع هؤلاء هو فرقة موسيقية. لم يختاروا اسما لها بعد وإن حددوا الدور الذي يريدونه لها. انهم يريدون مزج الموسيقى الالكترونية والموسيقى العادية التي تعزف على الآلات المعروفة. يبحثون فيها عن خليط من الجاز و«التكنو«، والايقاعي وغيرها. سيبدأون قريبا، لديهم افكار كثيرة، »نريد ان نقوم بأعمال شبابية، قريبة من الشباب، انما مشغولة بحرفية، بجدية، اعمال ليست تجارية ولا رخيصة انما شبابية ونظيفة«. »اكيد، بيانو وإيقاعات ليست فقط شرقية، تعطي تنوعا وتضفي شكلا جديدا على اعمال مارسيل خليفة الذي اعطانا حريات كبيرة في العمل معه. نعمل معه بحرية، ترك لنا أن نقوم ونلعب ما نحسه، ما نراه بالقطعة الموسيقية، وخلق شيء جديد له«. »نعم »له« أي لمارسيل خليفة، فالعلاقة التي تجمعهم في العمل ليست علاقة أبوية، هي »علاقة موسيقيين يبحثون كي يجدوا اشياء جميلة«. يقول رامي: »انا مبسوط بما يحدث، لأنه غني بالتنوع ويبرهن على قدرة مارسيل بأن يقوم بأعمال متنوعة«. يقاطعه بشار: »ربما لو لم نكن أولاده لما قبل بسهولة هذا التغيير... هذا ما افكر«. يوضح رامي: »أنا أقصد أنه بطريقة معينة نحن قدرنا أن نفرض عليه ذوقنا الموسيقي، لذلك هناك مزيج في الموسيقى«. علاقتهما بلبنان محيرة، قريبة إنما بعيدة، دافئة وباردة. فهما لو بقيا فيه لما سنحت لهما الفرصة أن يدرسا موسيقى بالمستوى الذي حصلا عليه. فهناك الأشياء مختلفة، بعلاقاتها، بمهنيتها، بتنظيمها، باحتمالاتها، بتفاصيلها المهمة والثانوية، بتقنيتها، وطبعا باختلافها وتنوعها. في فرنسا لا يشعران أنهما فرنسيان، في لبنان لا يشعران أنهما لبنانيان. »نحن لبنانيان. أهلنا، طفولتنا. صحيح تركنا البلد منذ أربع عشرة سنة إلا أننا نشعر أن بيروت مدينتنا ولكن ولأننا عشنا في الخارج فإننا نشعر أحيانا بتناقض مع كثير من الناس هنا«. »في رأسي لبنان مثالي، عندما آتي إلى هنا أجد الأمور مختلفة. في رأسي أن لبنان بلد ثقافي، لديه الامكانيات ليستقبل أفضل الفنانين وليعرف كل التجارب التي تحدث في الخارج ويستقبلها، إلا أن ما أجده مختلف تماما، فالجو مغاير. وكأن هناك أشخاصا يمسكون بزمام الامور الفنية والثقافية ولا تستطيع إختراق نظامهم، أنت مجبر على أن تدخل لعبتهم، كالتلفزيون والراديو وغيره«. رامي يعتبرها مرحلة ما بعد الحرب، يجدها مرحلة ستكون طويلة لأن الناس تجرب أن تعوض ما فاتها خلال سني الحرب، »يمكن جايي عبالن يعيشوا... لكني لا أعتقد أنهم تعلموا منها، لم تلقنهم الحرب الدرس اللازم«، الامر الذي يحزن بشار: »ضيعانا، كان لازم نوصل لشي أحلى... كتير بزعل بهالشي وكتير بحزن بس إجي لهون، كل المظاهر... وسط بيروت جميل جدا من الخارج لكني لا أعلم ما يوجد في الداخل، فيه روح؟ فيه ناس؟ أعتقد أنه فارغ«. الشاب إبن العشرين عاما يقول لزملائه حين يسألونه عن بلده: »بلد كان كتير حلو، بس عم بيشوهوه«. يذكر البيئة مثالا للتخريب والنسوة من التابعية السيريلانكية مثالا للعبودية على الطريقة اللبنانية. بعد نيويورك حيث أنهى دراسته العليا في البيانو، يعيش رامي اليوم مع والديه في باريس كمرحلة انتقالية. لا يعرف إن كان سيبقى أم سيسافر الى مكان اخر، لديه مشاريع كثيرة منها العزف المشترك مع لاعب ثان. عزف فيه الكثير من الارتجالية على آلتي بيانو. كذلك الفرقة مع أخيه والاخرين. يحب أن يكمل تجربته مع مارسيل »انا بآمن باللي بيصير لحالو، بس تنتهي تجربتنا بتنتهي، هلق عم نشتغل سوا«. احلام رامي كثيرة. يحب أن يسافر كثيرا، أن يتعرف الى موسيقيين، أن يلعب معهم، أن يختلط بكثيرين وبثقافات متنوعة. يريد أن يختبر نفسه. حلمه الكبير أن يعود يوما الى لبنان ليؤسس ما يشبه الأكاديمية الموسيقية، »بحب لقط موسيقيين من كل المطارح وجيبن لهون«. اكاديمية للمواهب اللبنانية، المواهب الفقيرة كي تحقق أحلامها هنا، أشخاص لديهم المقدرة والحلم إنما تنقصهم الامكانيات والفرصة، »هيدي فرصة الي وإلن«. بشار انتقل ليعيش بمفرده في باريس حيث يعزف مع عدة اشخاص ومع فرق صغيرة تتنوع موسيقاها بين الشرقي والجاز. يتمرن أو يتابع صفوفه يوميا في المعهد العالي. كل نهار احد الساعة العاشرة يلعب كرة القدم، هو وأخوه من مشجعي فريق»مارسيل«. يختصر بشار مشروعه بأنه يحب ان يتوجه للتأليف من خلال الفرقة الجديدة. قضاياهما هي كل ما هو انساني، كلامهما فيه نوع من عولمة مختلفة، فيه مستقبل ينظران إليه دون أن يجيدا التعبير عنه. في السياسة يتكلمان دون ان يكون كلامهما احزابا ويمينا ويسارا بل انسانا. انسان يعبران عنه بالموسيقى، يتوجهان له بالموسيقى. رامي خليفة وبشار خليفة شابان لبنانيان يشبهان الكثيرين من الشباب اللبنانين. خرجا من لبنان الى الاوسع كالكثيرين. رامي وبشار يبحثان عن مستقبلهما في الخارج كالكثيرين. يتشابهان ويختلفان كالكثيرين. يشبهان الجيل الجديد كالكثيرين.