غادرنا الأمير نديم آل ناصر الدين. علم من أعلام الفكر والأدب واللغة والحجة والمدقق والمتبحر، الذي عمل في مجال الأدب والصحافة والثقافة والنقد قرابة سبعين عاما وأكثر. لقد شب الأمير نديم في بيت وجاهة وأدب، وكانت له صداقة مع كبار الأدباء والشعراء، ورسائل ودية تبادلها مع أمير البيان الأمير شكيب أرسلان وشقيقه الأمير عادل. كما أن له مراسلات مع سلطان باشا الأطرش والرئيس جمال عبد الناصر. ولد الأمير نديم في عام 1908 في قرية »كفرمتى«، والده الدكتور سعيد آل ناصر الدين خريج الجامعة السلطانية في استانبول. يقول الأمير نديم عن نفسه: »نشأ هذا العاجز في بيت تنوخي لخمي، كان أقطابه في كل عصر وزمان أمراء شعر، وأئمة لغة وفحول فصاحة وبلاغة وبيان«. حين بلغ الخامسة من عمره أدخله والده مدرسة المعلم مهنا خداج، فتعلم على يديه القراءة والكتابة في كتب المعلم خليل سركيس مؤسس جريدة »لسان الحال« وفي سنة 1914 انتقل الى »مدرسة المعارف الحميدية« حيث تتلمذ على يدي الشيخ هاني أبو مصلح، فدرس عليه مبادئ اللغة الانكليزية بالإضافة الى اللغة العربية. توفي والده في عام 1916 فأخذ الأمير أمين على عاتقه أمر تعليمه وتثقيفه، فجعله يحفظ مئات الأبيات الشعرية مع إعرابها من كتاب »نفح الأزهار« الذي جمعه شاكر البتلوني وحققه الشيخ إبراهيم اليازجي. علّم اللغة العربية في عدة مدارس، وتسلم تحرير جريدة »الصفاء« منذ العام 1934 الى العام 1962، حين توقفت عن الصدور، وكانت »الصفاء« في عهده في أوج ازدهارها وانتشارها. وفي فترة الانتداب الفرنسي كانت له وقفات وطنية وعربية، فقد ناهض الفرنسيين بشكل خاص والغرب بشكل عام، ما دفع الفرنسيين الى منع صدور »الصفاء« لمدة ثلاثة أشهر حين تعرض لهم الأمير على صفحاتها بالتجريح بسبب تعسفهم وظلمهم. وكان قد وقف من قبل مع الثورة السورية الكبرى 1925 1927 داعما مواقف القائد سلطان باشا الأطرش، فأصدر المندوب السامي الفرنسي حكما قضى عليه بالنفي، فلجأ الى سوريا هربا من الاضطهاد وخوف الاعتقال. ليس للأمير نديم مؤلفات مطبوعة، وإنما مؤلفاته ما زالت مخطوطة معدة للطبع وهي: »العقائل« و»الدراري« و»الرسائل« و»القاموس الكبير« و»أدباء النهضة«. وله مئات المقالات في »الصفاء« و»الزمان« وفي غيرهما من المجلات الأسبوعية والصحف اليومية، وأحاديث إذاعية ومحاضرات، وكلها تدور حول اللغة والتاريخ والأدب والسياسة والأمور الاجتماعية. وكانت العروبة شغله الشاغل ومحور كتاباته وأبحاثه. وله »مقدمات« كتبها لعدد من الأدباء والشعراء. يعز علينا كثيرا فقد هذا الأخ الكريم، صاحب المناقب العالية، والمزايا الخلقية السامية. فإلى جنات النعيم أيها النديم. شيعت كفرمتى الراحل في حضور ممثلي الرؤساء الثلاثة د. عمر حلبلب، د. نعيم غنام، د. عثمان دلول وحشد من النواب والشخصيات الإعلامية والحزبية، ونقيبي الصحافة والمحررين محمد البعلبكي الذي ألقى كلمة وملحم كرم، كما تحدث رئيس البلدية فؤاد خداج والشيخ القاضي كمال القاضي باسم العائلة وخلف الغريب وناصيف الغريب وعادل خداج ونجيب البعيني ومصلح مصلح ورياض لحام. ومنحه رئيس الجمهورية وسام الاستحقاق الفضي.