بعد احتلالها للعراق في آذار 1917 كانت بريطانيا قد وضعت الأسس الجديدة لسياستها الاستعمارية العالمية والتي تعتمد على مصادر جديدة للطاقة في صناعتها النامية غير المستهلكة في القرن التاسع عشر. لقد اتخذ تشرتشل قرار تزويد المواصلات البحرية (وتحديداً العسكرية) بالوقود النفطي، في مطلع القرن العشرين وكان بمثابة ثورة هائلة في التاريخ البريطاني المعاصر. ولا شك في ان العراق ضمن هذا التصور الجديد، سيكون الحلقة المركزية في المصالح البريطانية الاستعمارية. وبالرغم من أن النفط في العراق، كان يُعتبر في تلك الآونة، في الدرجة الثانية قياسا الى النفط الإيراني حيث اشترى تشرتشل شركة النفط الانكلو فارسية، إلا انه أصبح بعد الانهيار العثماني والاحتلال البريطاني للعراق العصب الرئيسي للإمبراطورية البريطانية. ومن الواضح أن بريطانيا في هذه الفترة كانت تعتبر روسيا البلشفية هي الخطر المباشر في المنطقة العربية، بينما رأت في فرنسا نوعا من الكارثة التي يمكن احتواؤها. كان الضابط (برسي كوكس) المسؤول الأول عن ولايات (البصرة + بغداد) ويساعده الكابتن (ارنولد ولسن) والسكرتيرة الشرقية (مس بيل) يحث الخطى من أجل تأسيس الدولة العراقية الجديدة تحت الاحتلال البريطاني، معاكسا رأي اللورد كروزون (نائب الملك في الهند) والراغب في إلحاق العراق بحكومة الهند البريطانية. وكان بذلك يؤسس لشرق أوسط عربي تحت السيطرة البريطانية مع نفوذ فرنسي محدود في لبنان. وكانت الاستراتيجية البريطانية سياسياً هي وضع أميركا في مواجهة فرنسا ومن ثم الاعتماد عليها (أميركا) في مواجهة ألمانيا وروسيا البلشفية لاحقا. لكن العراق الذي وقع تحت الانتداب في 25 نيسان 1920 بقيادة المجلس الأعلى للحلفاء لم يمكن ببساطة أن يستمر الحاكم العام (ويلسون) ذو الميول الخاصة بالسيطرة المباشرة البريطانية، في أن يهيمن عليه ويقضي على حركته الوطنية العامة. لذلك كانت المواجهة حتمية بين قوات الاحتلال والقوى السياسية الاجتماعية المتحالفة ضده. ويشير (ويلسون) في مذكراته إلى أنه اكتشف أكثر من (13) عاملا أساسيا من التي ساهمت في تفجير الثورة الوطنية الكبرى في 30 حزيران من تلك السنة (1920). ويسجل أهمها: 1 تحالف الضباط الشريفيين مع الملك فيصل الأول الذي كان في نهاية حكمه على سوريا. 2 مساعدة تركيا الكمالية لبعض القيادات العراقية نكاية بالحكم البريطاني . 3 نشاطات شركة النفط الأميركية (ستاندارد اويل) الخاصة واتصالاتها مع بعض الأطراف الدينية والعشائرية المنخرطة في النشاط الوطني المعادي للاحتلال. 4 الدعم غير المباشر الذي قدم من قبل روسيا البلشفية إلى بعض الأوساط الوطنية العراقية، لا سيما في المهجر الإيراني، وتحديدا الشيخ مهدي الخالصي. ولم يتمكن (ويلسون) في تحقيق حكم مستقر نابع من الإرادة الوطنية المحلية. والثورة التي اندلعت، لم تستطع أن تحقق إنجازات سياسية وعسكرية ملموسة، بالرغم من إنها أعلنت عن قيام حكومة عربية موقتة. إلا أن هذا القرار كان شكليا وبدون أي قيمة سياسية عملية تذكر. وفي 27 تموز 1920 انتهى الحكم الفيصلي في سوريا على يد الجيش الفرنسي. وبدأت تحبك علاقات جديدة في السر بين طموحات فيصل الفجة التي انتقلت إلى العراق وبمساعدة كبار الضباط الشريفيين، وبمؤازرة بعض الضباط الإنكليز (ومنهم لورنس) والمستشارة الشرقية (مس بيل ). وبعد انتهاء الثورة إلى الفشل الذريع، قررت بريطانيا تشكيل حكومة عراقية محلية بقيادة نقيب أشراف بغداد (السنة) السيد عبد الرحمن النقيب (جد وزير المالية الحالي كامل الكيلاني بطل قانون بيع العراق رقم 39) في 25 تشرين الأول 1920، وكان برسي كوكس هو ملهم هذه الفكرة ومنفذها الأساسي اذ كان اصبح هو المندوب السامي في العراق. ويبدو أن القضاء على ثورة العشرين بالنسبة للإنكليز كان ضروريا من اجل الوصول إلى تسوية داخلية وتسهيل الحل الوسط السياسي لا عرقلته كما تدعي بعض المدارس الساذجة. لقد كان الملك فيصل الأول رمز (التسوية) وفارس الحل الوسط على امتداد حكمه القصير المعقد والمرتبك. فشخصيته الكارزمية تجيز القول بأنه لو كان ضعيفا لما انتخب في منصبه المتميز، ولو كانت له صلات عضوية متينة مع الثوار لما تمت الموافقة عليه من قبل قوات الاحتلال البريطاني وإدارة المتروبول الاستعماري في لندن. وقد ثبتت هذه (الاستنتاجات) في مؤتمر القاهرة في 21 آذار 1921 وبرعاية المكتب العربي التابع لوزارة المستعمرات البريطانية. وعرض العرش على فيصل وتم اعتبار المناطق الكردية خاضعة مباشرة تحت الإدارة البريطانية ومن خارج الدولة الجديدة. وقد أديرت لعبة الاستفتاء حول الملكية وفيصل ببراعة من قبل الاحتلال ونوري السعيد مدير الشرطة العام. وأعلنت النتائج في 18 آب بفوز فيصل بشكل كاسح. وفي 23 آب تم تتويجه رسميا وتم تثبيت الاسم الجديد (العراق) في الوثائق البريطانية بدل (بلاد ما بين النهرين ميسوبوتوميا). وكان الفتح الاول للمندوب السامي كوكس هو تكبيل العراق بمعاهدة غير متكافئة وغير شرعية ايضا. وقد عرضها على مجلس الوزراء في 25حزيران 1922 (في زمن الوزارة النقيبية الثانية 12 أيلول1921 19 آب 1922). وتمت الموافقة عليها لكن الوزير الشيعي الوطني جعفر أبو التمن، اعترض عليها ولأنه لم يفلح في احباطها فقد اضطر إلى الاستقالة، وانفجرت البلاد نتيجة لذلك. وكان وزير المعارف (عن الشيعة) العالم الشهير (محمد علي هبة الدين الشهرستاني) قد استنكف عن الدوام اليومي، ونتيجة لأحداث البلاد المتأزمة والرفض الشعبي العارم للمعاهدة المذكورة أجل الإعلان عنها الى 13 تشرين الأول 1922، بعد ثلاثة ايام من توقيعها في زمن الوزارة النقيبية الثالثة (20 أيلول 1922 16 تشرين الثاني 1922). وكان الانتداب البريطاني قد اعتمد على نص المادة (132) من معاهدة الصلح الموقع عليها في سيفر في 10 آب 1920 والتي بموجبها تنازلت تركيا عن كل حقوقها في العراق. وأعلن ان (عصبة الأمم) قد وافقت على الانتداب الذي قرره المجلس الأعلى للحلفاء!! وبعد ذلك اشترطت عصبة الأمم أن يضع المنتدب قانوناً أساسياً للبلاد خلال مدة لا تزيد عن ثلاث سنوات!! وأن يحتفظ بقوات عسكرية لأجل الدفاع عن البلاد، وإلى أن ينفذ القانون ويوطد الأمن، له أن يؤلف جيشاً محلياً لتثبيت الأمن والدفاع عن البلاد يجنده من الأهالي القاطنين في البلاد فقط!! وبدأت المشاكل الجدية بعد ذلك بين إنكلترا وأميركا حول النفط العراقي ومسائل أخرى عديدة، ولا سيما ان الكونغرس الأميركي كان قد أعلن رفضه لمعاهدة (فرساي) والعضوية في عصبة الأمم، وامتنع عن التوقيع على معاهدة الصلح مع تركيا. وبدأت مفاوضات شاقة بين بريطانيا والولايات المتحدة حول هذا الموضوع الخطير. وطالبت سبع شركات أميركية بقيادة ( أ. بدفورد ممثل ستاندارد اويل) إجراء مفاوضات للشراكة مع انكلترا في نفط العراق. وقد تم التوصل اوليا إلى منح الولايات المتحدة حصة 75,23 $ من نفط العراق!! ولكن ذلك لم يصدق رسميا إلا في عام 1928. كل ذلك جرى في ظل الاحتلال غير الشرعي، وفي كنف علاقات غير رسمية وغير دستورية. لذلك سارعت بريطانيا إلى الإيعاز إلى الحكم الملكي بأهمية إضفاء الطابع الشرعي على هذه السرقات المنظمة. ففي الوزارة السعدونية الأولي (18 تشرين الثاني 1922 22 تشرين الثاني 1923) تمت الموافقة على قانون منح الامتياز النفطي لبريطانيا، في 22 كانون الثاني 1923 من خلال مجلس الوزراء. لقد أنجز (كوكس) خطوة هائلة في تاريخ العلاقات البريطانية العراقية، وختمها في الاتفاقية التي وقعت بين العراق وبريطانيا وتركيا، حول التحاق (الموصل) بالبلاد، وتخلي فرنسا عنها (لأنها كانت ضمن حقوقها الحيوية اعتمادا على اتفاقية سايكس _ بيكو 1916) تمت الموافقة عليها في (23 نيسان 1923) وحصلت فرنسا بموجبها على حصة 75,23 $ من نفط العراق ايضا!! وفي 28 نيسان غادر كوكس العراق وحل محله (هنري دوبس). وبرجوع الموصل ألحقت المنطقة الكردية بالمملكة، وأول مدينة كانت هي (راوندوز) وأصبح جعفر العسكري متصرفاً (محافظاً) للموصل. وكانت الوزارة السعدونية تضم في صفوفها (ياسين الهاشمي) وزيراً للأشغال والمواصلات (وهو عملياً المسؤول عن الثروة النفطية) والتاجر الكبير عبد الحسين الجلبي (جد أحمد الجلبي الحالي!!) وزيراً للمعارف. لكن العسكري سارع إلى تشكيل الوزارة في (22 تشرين الثاني 1923 2 آب 1924) حيث عرض على مجلس الوزراء نسخة أولية (كانت قد أعدت في الخارج!!) من مسودة القانون الأساسي العراقي (الدستور) وجرت الموافقة عليها فوراً وصادق عليها المجلس التأسيسي (البرلمان) في 20 تموز 1924. وكان وزير المالية عبد المحسن شلاش من كبار تجار النجف المتعاونين مع الاحتلال. ولكن (النفط) هو الذي منع نشر القانون هذا علناً. وقد علل المندوب السامي (دوبس) بأنه من الصعب إعلان الدستور والمباشرة بالانتخابات على ضوئه لتكوين أول مجلس أمة دائم حتى تنتهي لجان الحدود من أعمالها!!؟ والسبب الحقيقي هو أن (دوبس) كان يخشى من معارضة عراقية شديدة وبان الاتفاقية النفطية لا يمكن أن تحظى بالموافقة من قبل البرلمان المنتخب، فيما لو عرضت بعد إعلان الدستور. فالمادة (94) من الدستور تمنع التصرف بأملاك وثروات الوطن بصورة غير شرعية. أما المادة (114) فهي توافق على كل القرارات التي صدرت منذ 5 تشرين 1914 (بداية الغزو والاحتلال!!) وإلى تاريخ تنفيذ هذا القانون. ولكي تكتمل اللعبة إلى مداها المطلوب تم التغيير الوزاري (المتناوب!) مرة ثانية. واستلم الوزارة الجديدة (ياسين الهاشمي) (2 آب 1924 21 حزيران 1925) وفتح الهاشمي ملف الاتفاقية النفطية مرة ثانية. وفي 8 آذار 1925 أقرت الاتفاقية من قبل مجلس الوزراء وصدقها الملك فيصل الأول، وصادق عليها المندوب السامي (دوبس). وكان وزير الأشغال والمواصلات هو مزاحم الامين الباجه جي (والد عضو مجلس الحكم الحالي عدنان الباجه جي)، حيث صدرت الإرادة الملكية بتخويله التوقيع عليها. وقد تم ذلك في (14 آذار 1925) وعلى اثرها استقال وزير العدل رشيد عالي الكيلاني احتجاجاً وبطلب شخصي من الهاشمي! وكذلك استقال وزير المعارف محمد رضا الشبيي (والد سنان الشبيي محافظ البنك المركزي حالياً!!) احتجاجاً ايضا حيث حل بدله التاجر عبد الحسين الجلبي، ولكي (يضبط) الهاشمي ساعته الوزارية بصورة أدق، أدخل الاكراد لأول مرة رسمياً إلى الوزارة (إبراهيم الحيدري وزيراً للأوقاف) واتفق معهم على أن يكون وزير على الأقل يشارك (المالية أو المواصلات) كذلك تعيين (2) من مجموع (20) عضواً في مجلس الأعيان وأن يمنحوا كوتا (14) مندوباً نائباً في مجلس النواب من مجموع (88) نائباً، كما يمنحوا في دوائر الدولة نسبياً 24 من الشرطة، 14 من الجيش، 23 من السكك الحديدية. بعد ان صودقت الاتفاقية النفطية في 14 آذار 1925 قرر مجلس الوزراء الهاشمي في جلسته المنعقدة في 17 آذار ان يتم تحديد 21 آذار 1925 يوما لاعلان دستور المملكة الهاشمية العراقية. وقد وقع على الوثيقة مجلس الوزراء ومن ضمنهم مزاحم الباجه جي وعبد الحسين الجلبي. وبعدما استتب لبريطانيا واعوانها عقد المعاهدة وبلع النفط وتلفيق الدستور انعطفوا الى اكمال الجريمة بعقد معاهدة ايضا بين الولايات المتحدة وبريطانيا والعراق في زمن وزارة (ناجي السويدي 18 تشرين الثاني 1929 11 آذار 1930). وكانت القواعد (الفقهية) التي استندت إليها بريطانيا في علاقاتها مع العراق تتضمن البندين التاليين: الأول أن (احتلال) العراق كان ضرورة للحفاظ على الطريق الاستراتيجي المؤدي الى الهند وكذلك من اجل (حماية) ثروات النفط الموجودة فيه. الثاني أن استثمار النفط (أي الاستيلاء عليه فعلياً) هو من اجل (حماية) العراق!! من خلال هذه الأرجوزة الاستشراقية الجميلة تمت عملية نهب منهجية للثروة النفطية من عام 19711914 وبالتعاون الشامل والكامل مع سلالات عديدة منها الملكية الهاشمية ومنها (الصفوة السياسية) التي حكمت لمدة نصف قرن ونيف وبالتعاون مع قطاع طرق دوليين ولصوص محترفين وشذاذ آفاق مغامرين. (*) كاتب وسياسي عراقي