نظمت »ندوة العمل الوطني« ندوة أمس بعنوان »كيف يعالج عجز الموازنة مع مراعاة مقتضيات النمو والاستقرار الاجتماعي« في مركز »توفيق طبارة«، بمشاركة الخبراء الاقتصاديين الدكاترة توفيق كسبار، كمال حمدان ومروان إسكندر، بحضور فاعليات سياسية واقتصادية واجتماعية. بداية تحدث رئيس اللجنة الثقافية وعضو اللجنة التنفيذية في الندوة بهزاد جابر فقال: إن تراكم الدين العام وارتفاع خدمة هذا الدين سنويا أعاقا النمو فازدادت معدلات البطالة، خاصة بعد إقفال العديد من المؤسسات الإنتاجية وحتى الخدماتية، وتسبب هذا كله في تدني الأوضاع المعيشية لشريحة واسعة من المواطنين بحيث أضحى أكثر من ثلث الشعب اللبناني تحت مستوى الفقر حسب ما ورد في أحد تقارير الأمم المتحدة. حمدان وتحدث الدكتور حمدان فاعتبر أن المشكلة الأساسية هي مشكلة الاقتصاد الحقيقي ومشكلة عدم توفر مقتضيات النمو الاقتصادي المتواتر ذاتيا والمتوسع باستمرار، وهو أمر مرتبط بعوامل عدة أهمها ضعف مستوى الطلب الفعلي الذي يستمد قوته ليس فقط من توفر حجم معين للاستثمار بل كذلك من البنية الداخلية لهذا الاستثمار، ومن الأطر المؤسسية الناظمة له والفاعلة فيه. ورأى أن مثل هذا الطلب الفعال محكوم الى حد كبير بنسق أداء الطبقة السياسية وخضوعها للمحاسبة والمساءلة، وبوجود قضاء فاعل ومستقل وبتوفر شبكات البنى التحتية وحسن توزعها المناطقي، كما هو محكوم بتطبيق سياسات قطاعية ذات أهداف محددة ومبرمجة زمنيا، وتوفر بنية غير مشوهة للأسعار بما في ذلك أسعار الفائدة وكلفة رأس المال. وأشار الى أن معظم هذه الشروط كانت شبه غائبة خلال تجربة النمو التي شهدها لبنان في العقد المنصرم، والتي طغت عليها ظاهرة التورم المالي وتعاظم الاستهلاك الممول أساسا عبر الاستدانة في القطاعين العام والخاص. وأكد حمدان صعوبة الحديث عن الاستقرار الاجتماعي، وقال: »في أفضل الحالات كان يمكن المراهنة ولو خطأ حول إمكان تحقيق مثل هذا الاستقرار، بمجرد حصول قدر معين من النمو الاقتصادي، أما وإن معدلات النمو قد اتجهت نحو الانخفاض، فإنه لم يعد ثمة مجال لأن تجد تلك المراهنة الخاطئة طريقها الى التنفيذ«. كسبار وأوضح الدكتور توفيق كسبار أنه بمقدار ما يزداد النمو تزداد المداخيل والعمل وتخف الحاجة الى التقديمات الاجتماعية، والعكس صحيح، مشيرا الى أن نسبة النمو في السنوات ال11 الأخيرة توازي 5,3$ قياسا الى 7$ قبل الحرب، مما يعني أن هناك خللا أساسيا إن على مستوى السياسة أو على مستوى البنية الاقتصادية. وقال: من العبث أن نتكلم عن محاولة سد عجز الدولة والمحافظة على التقديمات الاجتماعية في الوقت ذاته، لأن سياسة الدولة المالية والنقدية كانت فاشلة منذ البدء، وكذلك السياسة الاجتماعية. واعتبر كسبار أن هاجس المسؤولين عن السياسة الاقتصادية هو زيادة الإيرادات لتخفيض العجز، ولا يهمهم أبدا من يتحمل عبء هذه الزيادة، وأكد أنهم سيستمرون على منهج فرض الضرائب غير المباشرة التي تطال أكبر عدد ممكن من المواطنين. وتساءل: لماذا الاستمرار بسياسة فاشلة منذ العام 1993؟ البعض يقول إن السبب يعود الى نظام طائفي، وأنا أقول إن النظام في لبنان طائفي قبل الحرب ولم ينتج عنه أزمة اقتصادية آنذاك، بل دخلنا الحرب من دون أية مديونية، البعض الآخر يقول إنه الفساد، وأنا أقول إن النظام السياسي اللبناني كمعظم الأنظمة في العالم ينطوي على شيء من الفساد، ولكنه لم ينتج أزمة اقتصادية، وكانت الموازنات خالية من العجز. ورأى أن النظام الطائفي والفساد، إضافة الى عدم وجود المحاسبة يؤدي الى الأزمة الاقتصادية، وهنا يصبح الفساد نتيجة عدم وجود المحاسبة الديموقراطية وليس العكس. إسكندر واستهل الدكتور مروان إسكندر حديثه بالقول بأن هناك انفصاما بين الكلمة والفعل، وتساءل: »لماذا نتكلم دائما عن تقديرات عجز الموازنة ولا نقول بأن الحقيقة تتجاوز أكثر بكثير مما نقول؟«. وأشار الى أن المشكلة هي أن الدولة أصبحت تأخذ حوالى 29$ من الدخل القومي، وهي نسبة مرتفعة جدا في مجتمع على مستوى لبنان، وليس لها الحق بأن تأخذ قرشا إضافيا ما لم تحسن إدارتها وتجعل العقلانية تسيطر على التصرف بالمخصصات التي تذهب هدرا. ورأى »ان الحل يأتي في الإصلاح السياسي، وهذا ما قاله الرئيس سليم الحص في كتابه »للحقيقة والتاريخ«، والحل السياسي يؤدي الى التحسين الإداري«، وتطرق الى خطورة الهجرة التي تجعل المجتمع عاجزا عن النمو، »وهو الخطر الأكبر الذي يواجه لبنان اليوم«. وتناول العلاقة اللبنانية السورية من باب استعداد سوريا لعقد اتفاق مع السوق الأوروبية قريبا، ورأى أن ذلك يفرض على لبنان وسوريا تخفيضات ويفرض حرية في تحويل الأموال، ويجعل المقاربة أسهل بين البلدين، معتبرا أن ذلك يشكل نافذة أمل للبنانيين.