بداية لا بد من الاعتراف انه ليس من السهل كتابة تاريخ مدينة عندما يطال هذا التاريخ حقبات تمتد مئات السنين لا بل أحيانا الآلاف، وعندما يسعى هذا التاريخ الى تغطية جوانب عديدة من حياتها، بدءا بالعمران والثقافة، والفكر، مرورا بالاجتماع والسياسة والاقتصاد، وصولا الى أنماط العيش واللهو وأمكنتها، وعندما يكون تاريخ هذه المدينة ومسارات تحولاتها يندرج في محيط يتجاوز ما يعتمل في داخلها، قرب هذا المحيط أم بعد. في موازاة هذا الكم الكبير من الموضوعات ثمة صعوبة أخرى تكمن، في الدرجة الأولى، في كيفية ما يعرف عن هذا الموضوع او ذاك، أكان ما يعرف كثيرا او قليلا. والتوضيب يفترض، كما هو معلوم، فرزا بين ما هو أساسي، او ما يعتقد انه كذلك، وبين ما هو نافل، وذلك تبعا لزاوية نظر يرى من يتنكب لهذه المهمة انها السبيل الملكي للاحاطة بالوقائع والاحداث وما تحمل من معان ودلالات. قصارى القول ان تاريخا هذا شأنه يطرح، من دون شك، على قارئه، وربما أكثر على مؤلفه مشكلات لا تحصى اعتقد ان كاتب »تاريخ بيروت« قد عاش حيالها معاناة لا يحسد عليها. لن اتطرق في هذه العجالة الى محتويات الكتاب الذي يضم مادة غنية ومشوّقة ومفيدة، (ما سيجعل منه بالتأكيد مرجعا لا يستغنى عنه)، صيغت بأناقة لا تخلو أحيانا من نبرة حادة، وأحيانا أخرى من انطباعية فاقعة حين تعزّ المعلومة. كما لن اتطرق الى هذا النوع من التأريخ الذي يحكم وجهته التوليفية (هل له ان يكون غير ذلك؟) واتساع اهتماماته جعل من بيروت ذريعة للكلام على أمور شتى غابت المدينة في ظلالها في أكثر من مكان. ولن اتطرق أخيرا الى »الشرعية العلمية« لهذا النمط من التأريخ (التواريخ الكبرى) الذي لا يزال محط جدال في اوساط المؤرخين. وعليه سأكتفي ببعض ما أثار انتباهي من تأويلات وخلاصات، وتحديدا في ما أنا ملّم به بهذا القدر او ذاك. وفي كل الأحوال فإن الغاية من بعض الملاحظات التي سترد لاحقا تنحصر في همّ واحد لا غير، وهو همّ تعميق البحث حول هذه المدينة التي لا يزال قسم كبير مما كتب حولها يستنسخ بعضه بعضا. الجوهري والنافل يقول قصير في بداية كتابه ان معالجته لتاريخ بيروت هي معالجة تقوم على تحديد محطات بعينها وليس على تعاقب مسطح، وانه لن يتوقف عند نثريات الاحداث الصغيرة ولا عند ما انتج من دراسات في إطار ما يسميه الميكروسوسيولوجيا. وفي حال توقف فلن يتبنى منها إلا تلك التي تدخل في سياق يضيء، في اعتقاده، على تحولات المدينة. في ما يتعدى صحة هذا القول تبقى هناك مسألة أظن انها في غاية الأهمية، هي مسألة المعيار الذي من خلاله يجري التصنيف بين ما يضيء على هذه التحولات وما لا يضيء. وهو أمر لم يؤت على ذكره. فخلافا لما ذهب اليه قصير في كلامه على ما يدخل في هذا السياق وما لا يدخل، أعتقد، من جهتي، ان كل شيء يدخل، ذلك بما هو انعكاس للكل المجتمعي شرط بناء نموذج يضب في حقل واحد نثريات الاحداث ومحطاتها الكبرى، كما يضب ما درجت العادة على تسميته بالنافل والجوهري. ذاك ان نموذجا كهذا يلغي مثل هذه الثنائيات التي غالبا ما تحجب حركة الواقع وتعقيداته، كما يلغي التلطي وراء مقولة طالما يلجأ اليها بالقول انه »لا يمكن الكلام على كل شيء«. بهذا المعنى لا يعود الفرد سرسق وسليم سلام (وأمثالهما) المعبران الوحيدان عن اللحظة التي تمر بها المدينة في مرحلة من تاريخها، بل أيضا عامة الناس التي وان لم يتوفر لها ما توفر للاثنين من مكانة وشبكة علاقات واسعة جعلتهما يحتلان مقدمة مسرح المدينة، لم تفلت، هي أيضا مما آلت اليه المدينة من ايقاع وتجربة ودورة حياة حتى وإن كانت هذه الأخيرة مغايرة لتلك التي خبرتها الاسماء التي ذكرنا. ولا يعود نيقولا ده بسترس الغندور المتسكع في المدن الأوروبية وأمكنتها الفخمة النموذج الذي يؤشر الى دورة حياة جميع رجال المدينة. ولا تعود الصبية الجميلة جورجينا رزق »ابنة الجيران« (هذا في حال كانتها فعلا) إلا لمن رأى فيها مثالا يحتذى، وهو قليل في كل حال. ولا يعود فندق فينيسيا وحوض سباحته الشبيه بالاكواريوم وأجوائه الرخوة والجميلة يختصر حياة المدينة، ولا قبله فندق النورماندي، ولا قبل الاثنين السان جورج حيث كانت تحاك المؤامرات على ما يقال. وفي حال اطلنا اللائحة قد نقول الشيء نفسه عن الملبس والمأكل وأمكنة اللهو وأنواع الرياضات... إزاء هذا الأمر قد يأتيك جواب مفاده ان الجوانب هذه، أكانت تتجسد في اشخاص، او أشياء، او مؤسسات، او مرافق، إنما هي التي تؤشر الى تحولات المدينة. أما الباقي، أي حيث لا يزال العيش يكرر ما ألفه الاسلاف وما فطروا عليه، او انه يتعثر في الانتقال من حال الى حال، فليس له من مكان في هذا التاريخ. يحيلنا هذا الى وجهة في كتابة التاريخ قوامها رصد المتغيرات وإهمال ما يتشبث في البقاء على حاله. والخوف كل الخوف من وجهة كهذه كونها تفضي بالباحث الى اختيار ما يحلو له من احداث، او ما هو متوفر منها، وفي كلا الحالين ما يصبو إليه من خلاصات. قد يقال ان للكاتب خياراته. هذا صحيح. وقد اضيف الى هذا القول ان لكل منا »روايته« عن بيروت، ما همّ ان كانت هذه »الرواية« قد ضمت بين دفتي كتاب أم انها تتناقلها الألسن. و»تاريخ بيروت« بقلم سمير قصير هو، في النهاية، »روايته« عنها. وهذا لا يعد بأي حال مأخذا يؤخذ عليه شرط توضيح في أي حقل يتحرك. ابعد من ذلك قد أضيف بأن الاعتقاد السائد ان هناك احداثا ووقائع ومحطات تفرض نفسها نتيجة قوة وقعها وتأثيرها، وما على المؤرخ إلا التعامل معها على انها من المسلمات، هو اعتقاد أقل ما يقال فيه انه يلغي البحث والباحث معا، وبالتالي رؤيته الى الأمور (آه من توحيد كتاب التاريخ). من هذه الزاوية لا يسعني إلا الإشادة بما فعل قصير في هذا المجال، ذاك ان معالجته لبعض هذه الوقائع والاحداث قد جاءت في أكثر من مكان على نحو لم نألفه في الكثير من الأدبيات التي أخذت من بيروت موضوعا لها. وهذا الأمر لم يكن له ان يحصل لو ان تدخل قصير في ثناياها كان تدخلا باهتا. ففي كل مرة كان ينتزعها من حياديتها، ان لم نقل من برودتها، ليدرجها في لوحة تتداخل ألوانها (على سبيل المثال لا الحصر العلاقة بين شكل الساحة والنظام الاستبدادي). وبما ان تدخله لم يكن باهتا كان من الطبيعي ان يلجأ أحيانا الى شد الأمور من شعرها وهو أمر محمود كونه يفتح مسالك جديدة للبحث وأحيانا أخرى على نار خفيفة. لذا كان ينسل بين الاحداث والوقائع بشطارة عالية أما لتصويب ما هو متعارف عليه، او للغمز من قناة هذا او ذاك ممن كتبوا عن المدينة. وفي هذا المضمار كان يضيء على اكثر من حدث جرت العادة على التعامل معه على انه نتيجة من نتائج ما آلت اليه المدينة ليصبح عنده سبباً من الاسباب. وخير مثال على ذلك تناوله للمحجر الصحي المعروف بالكرنتينا. فله ان المحجر هذا هو الذي سمح لبيروت من ان تنهض نهضتها الاولى خلال الربع الثاني من القرن التاسع عشر وهيأ لها طريقاً ادت بها الى ما ادت اليه خلافاً لمثيلاتها من المدن الساحلية العربية. قد يستغرب بعضهم الدور الكبير المعطى للمحجر في هذا الشأن، ان لم يكن حفيظتهم، فكيف لمرفق لا يعتد به ظاهرياً ان يكون وراء نهضة مدينة. ففي ما يتعدى ما يقول به قصير وما يذهب اليه البعض من يعزي نهضة المدينة الى اسباب كامنة في مطارح اخرى، وتحديداً في ما توصل اليه جبل لبنان من تطور على اكثر من صعيد، ما يعني عملياً ان نهضة بيروت لم يكن لها ان ترى النور خارج هذا التطور، ارى من جهتي ان حصر المسألة في هذا النطاق او ذاك، وبالتالي إدراجها في مساحة لا تتجاوز جبل لبنان وعلاقته ببيروت، هو إغفال للتحولات التي كانت تجري على صعيد السلطنة ككل. بداية ينبغي التذكير ان النهضة التي شهدتها بيروت لم تقتصر عليها وحدها، ذاك ان مدناً اخرى تمتد على طول شرق المتوسط قد عرفت الانطلاقة نفسها وخلال الفترة عينها. ومن هذه المدن سالونيك وأزمير والاسكندرية. ولا ارى، في هذا الصدد، ما اذا كانت محاجرها الصحية هي التي اسهمت في تلك الانطلاقة. لذا ربما كان من الأفضل والأجدى إدراج بيروت في سياق ظاهرة اعم بدأت بوادرها مطالع القرن التاسع عشر وهي توهج بعض المدن الساحلية على حساب المدن الداخلية وسلوكها مسارا جعل منها قبلة الباحثين عن عمل او الهاربين من حروب مزقت مناطقهم (ثمة ثأر لم تنقطع اوصاله بعد بين المدن الداخلية والساحلية). والوهج هذا يمكن تلمس مؤشراته انطلاقاً من التضخم السكاني الذي عرفته المدن الساحلية خلافاً للتزايد السكاني البطيء، ان لم نقل الترجع احياناً الذي شهدته المدن الداخلية (دمشق، حلب، انقرة، القاهرة). زد على ذلك، ان التضخم المذكور لم يكن وليد زيادة سكانية طبيعية، انما جاء نتيجة هجرات، كما اسلفنا، اتى بعضها من البحر وبعضها الآخر من الداخل، وفي كلا الحالين كانت هجرة، في غالبها الاعم، مسيحية. وهذا ما يفسر الغلبة العددية لهؤلاء في تلك المدن حتى الثلاثينات والاربعينات من القرن المنصرم. ظاهرة أعم وحين اقول إدراج بيروت في سياق ظاهرة اعم انما ادعو الى الاخذ بعين الاعتبار جملة من القضايا يمكن تلخيصها بعاملين اثنين؛ من جهة الاصلاحات التي بدأت تأخذ بها السلطنة والتي تجلت من خلال العديد من »الخطوط« قد يكون اهمها التخلي جزئياً عن مهام ادارة المدن وإعطاء دور اكبر في هذا المجال لأعيانها، ومن جهة اخرى الاختراقات الاجنبية لجسم السلطنة التي شكلت المدن الساحلية خاصرتها الاضعف. الى هذين العاملين يضاف عامل ثالث خاص ببيروت قوامه موقع شاطئها وما يتميز به من مواصفات جعلت منه اكثر صلاحية في استقبال مرفأ متطور وذلك خلافاً لشواطئ مدن ساحلية عربية اخرى. صحيح ان هذه الامور لم تكن خافية على قصير بدليل انه قد اشار اليها في اكثر من مكان وبإسهاب، غير انه لم يبن، كما يقال، على الشيء مقتضاه، ذاك ان العوامل هذه قد جاءت عنده وكأنها »بحبوحة على البيعة«، مهما يكن من امر لا اقصد مما تقدم الدخول في نقاش عبثي حول »البيضة ام الدجاجة«. فجل ما سعيت اليه هو إن جاز القول، ترتيب فعالية العوامل تبعاً للمحدد منها وغير المحدد، كما كنا نقول في زمن سابق. يرفض قصير مقولة الاصليين والطارئين من سكان بيروت. ودليله في هذا الشأن انه من الصعوبة بمكان الكلام على اصليين وطارئين في مدينة استقبلت جماعات عديدة من خارجها فاق عددها عدد المقيمين فيها، اصلا. (من بداية القرن التاسع عشر حتى اواسطه انتقل عدد سكانها من ستة آلاف نسمة الى خمسين الفا). هذا المعطى لا يمكن مجادلته، غير ان ما لا يمكن تجاهله هو كيف ترى المدينة الى نفسها، وكيف تنظر بالتالي الى من هم »اهلها« ومن هم »الغرباء« ذاك انه من هذه وتلك تحضر بقوة مسألة الاصلي وغير الاصلي بمعزل عن اقدمية الاقامة. وافقنا على هذا الامر ام لم نوافق، لا شك بأن لبيروت صورة عن نفسها وهويتها، وهي صورة تنهض على ان الاصلي من ابنائها هم السنة والارثوذكس. اما الجماعات الاخرى، وتحديداً الموارنة والشيعة والدروز فهم، وإن مضى على إقامتهم في المدينة قرناً او اكثر فبيروتيتهم تظل بيروتية ناقصة من منظار »اهلها« (للمزدوجات اهمية هنا). ولا يغير في شيء ما اذا كان اهل الطوائف الثلاث من مواليدها او المسجلين فيها، او الذين انقطعت علاقتهم كلياً بالأمكنة التي جاء منها، اجدادهم. وصورة المدينة عن نفسها ليست بأي حال، كلاماً يروى في المجالس الخاصة، او كلاماً يروى بنوع من الثورية وحسب، فهناك سلوكات ومواقف يتجلى عبر هذا الفرز بين »الاصيل« و»الطارئ«. فلا ادري ما اذا كان قصير يعرف ان اتحاد الجمعيات العائلية البيروتية لا يضم الا من كان من هذه العائلات يقيم داخل سور المدينة، ولا اظن ان الامر يتطلب كبير عناء لمعرفة هوية هذه العائلات. ولا ادري ما اذا كان يعرف ايضاً ان تشكل روابط الاحياء بدءاً من الثلاثينات من القرن المنصرم قد جاء نتيجة همّ قوامه إقامة فرز بين »البيارتة« و»غير البيارتة« قبل ان يكون هذا التشكل نتيجة اهتمام بشؤون هذه الأحياء وشجونها (يكفي إلقاء نظرة على هوية اعضاء مجالسها للتأكد من هذا الامر). ولا ادري كذلك ما اذا كان يعرف انه كان يمنع على شيعة المدينة ممارسة شعائرهم الدينية على نحو علني. وأخيراً وليس آخراً لا ادري ما اذا كان على علم بالاجتماع الذي حصل منذ فترة قصيرة لمناقشة التناوب على رئاسة البلدية بين سني وأرثوذكسي. هذا غيض من فيض المواقف والسلوكات التي لا غرض لها سوى التأكيد على ان للمدينة »اهلها«. ولا اعتقد، والحال هذه، ان مثل هذا الامر هو تفصيل بسيط لا يستحق عناء التوقف عنده، فهل يعقل تناول مكان من الامكنة، صغر هذا المكان ام كبر، من دون التطرق الى الصورة التي لديه عن نفسه وما يستتبعها من سلوكات، اكانت هذه السلوكات تقوم على نبذ الآخر او إحلاله في مرتبة؟ فحجبها جعلنا نعتقد ان بيروت هي، على نحو ما، شيكاغو، او مدينة جورج سيمل التي تغيب الهويات في »غابة إسفلتها«. يقودنا هذا الى مسألة تتصل بما ذكرنا للتو. جميل القول بأن »البلد« اي ما يعرف بالاسواق التجارية، كان يدفع الى نوع من الفردنة، او بكلام آخر المكان حيث تتحقق فيه الفردنة، وذلك خلافا للأحياء والحارات حيث يطبع الاجتماع الأهلي الأفراد بهويات مخصوصة لا فكاك منها. إذا وضعنا جانبا ماذا يقصد قصير تحديدا بالفردنة في مجتمعات كمجتمعاتنا، لا شك بأن »البلد« كان في جانب من ممارسته »يعرّي« الأفراد، بهذا القدر او ذاك، من هوياتهم، أما في جوانب أخرى فقد كان يعمل على ترسيخها. ما يعني ان »البلد« كان في آن يدفع في اتجاهين على هذا الصعيد؛ اتجاه يمكن نعته ب»اللامكان« أي الذي لا يحيل الى هوية واتجاه يمكن نعته ب»المكان الانتروبولوجي«، أي الذي يحيل الى هوية(مارك اوجه). فالواضح في هذا السياق ان الغالب الأعم من الكتابات التي تناولت هذا المكان لم ترَ فيه إلا الاتجاه الأول حيث تتخفف الهويات من شدة تلاقيها وتنوعها. ولا نغالي ان حسبنا ان وراء هذه النظرة بعض الحنين الذي يضيف على الاشياء صفات ليست لها خاصة، وان الكتابات هذه قد جاءت يوم كان هذا المكان يتعرض يوميا للخراب والدمار. ويبدو ان قصير لم يفلت من هذه النظرة. صحيح ان »البلد« كان ينحو عبر تشكله نحوا يمكن وصفه ب»الحيادي« ان جاز القول، وفي حال استعرنا كلاما أكثر دقة نقول انه المكان الذي يجسد المجال العمومي بامتياز. وعليه فمن الطبيعي ان يفرز مكان كهذا افرادا يخلعون عن انفسهم هوياتهم في كل مرة يكونون في حضرته. الكواليس هذا الجانب يشكل، في الحقيقة، واجهة هذا المكان. وعليه فإنه لا يستنفد كل ما كان يجري فيه. فكواليسه كان لها منطقها الخاص المغاير الذي تجلى في أكثر من ممارسة، وهو منطق كانت رايته الجماعات وليس الأفراد. والجماعات هذه كانت أحيانا امتدادا للحارات والاحياء، او لجماعة مناطقية، وأحيانا أخرى لطائفة او اثنية. وتواجدها كجماعات املاه منطق المكان نفسه نتيجة الصراعات التي كانت تحوم حول الكثير من مرافقه، أكانت هذه المرافق سوقا تجاريا، او مرفأً، او محطة نقل، او مقهى، او نزلا، من دون ان ننسى السوق العمومي. وهذا ما يفسر انتشار القبضايات الكثيف في هذا المكان اما لحماية مرفق من تلك المرافق او لوضع اليد عليه وإدارته بصورة مباشرة. والقبضاي ليس شخصا فردا (بالإذن من مايكل جونسون) بل ينتمي الى سلك له دورته ومراتبه فضلا عن كونه يمثل جماعة قد تكون، كما اسلفنا، حارة من الحارات، او منطقة من المناطق اللبنانية، او طائفة او اثنية. لقد كان للسنّة قبضاياتهم وكذلك للأرثوذكس، والموارنة، والشيعة، والأرمن، والأكراد...). ولمن يعرف تاريخ »نزول« الجماعات الى »البلد« للعمل في هذا القطاع او ذاك يعرف في الوقت نفسه كيف ان »النزول« هذا لم يكن له ان يتحقق في غياب عصبية تحميه. فهذا هو تاريخ الصراع على سوق الخضار، والمرفأ، ومحطات النقل، واستخدام الأرصفة... التاريخ المخملي يبدو ان بيروت سمير قصير تقتصر على أمكنة ثلاثة لا غير هي وسط المدينة، ورأس بيروت، وبعض الأشرفية حيث شيّدت البرجوازية المسيحية قصورها. أما الباقي من أمكنتها فهو، ان صح القول، القريب الفقير. صحيح انه أتى على احيائها وحاراتها وتشكل هذه الاحياء والحارات بعيد خروج المدينة من سورها. وصحيح انه تناول عملية الاستيطان في بعضها ليؤكد ان هذه العملية إنما جرت على قاعدة الأهل والبلدة والقرية وما حملت معها من عادات وتقاليد جعلت منها، على هذا النحو او ذاك »قرى في المدينة« حيث تسود العلاقات الأولية على حساب الثانوية (هذه المسألة تتطلب نقاشا ليس مجاله هنا). على صحته لا يستنفد هذا الوصف موقع الحارات والأحياء في تاريخ المدينة، وتحديدا في ما يتعلق بدورها كأمكنة حاضنة لعصب المدينة، او بكلام آخر كأمكنة تعبر المدينة من خلالها عن اعتراضها او تأييدها. وهذا ما قامت به خلال تاريخها الحديث. وقد يكون من المفيد التذكير في هذا الصدد ان بيروت تختلف عن بعض المدن العربية. ففي كل مرة كانت دمشق او طرابلس، على سبيل المثال، تستنهض قواها للتعبير عن اعتراضها او تأييدها، إن بوجه المستعمر، او بوجه السلطات التي اعقبته، إنما كانت تفعل ذلك انطلاقا من اجزائها القديمة او ما يطلق عليه عادة اسواقها، في حين ان أحياء بيروت وحاراتها، أي كل ما يقع خارج أسواقها، كانت المكان الذي تعبر فيه المدينة عن نفسها. وعليه فليس من قبيل الصدفة تجلي هذا الاختلاف من خلال خط سيّر المظاهرات في كل من المدن الثلاث. ففي دمشق وطرابلس كانت المظاهرات تنطلق من الاسواق القديمة في اتجاه المدينة الجديدة، بينما كانت تنطلق في بيروت من الاحياء والحارات في اتجاه الاسواق. وان دلّ خط سير المظاهرات على شيء فهو يدل، من دون شك، على ان للمدن أمزجتها التي تنكشف من خلالها هوية أمكنتها وهوى ناسها. ولا احسب، في هذا السياق ان الكلام على مزاج المدينة هو تفصيل لا يعتد به، خاصة إذا كان هذا المزاج يعبر عن بعض وجوه قاعها، هذا القاع الذي لم يلامسه »تاريخ بيروت« إلا ملامسة سريعة بحيث بدا في قسم كبير منه تاريخ »مجتمعها المخملي« او تاريخ »عليّة قومها«. الى أين من هذا كله؟ حين سألني صديقي الفرنسي عن كتاب سمير قصير لم اتردد في القول انه كتاب ذكي وجميل. وعندما الح في معرفة المزيد قلت ان معشر المؤرخين يسلكون عادة طرقا سريعة، أما نحن معشر الانتروبولوجيين فعالمنا هو عالم الأزقة والزواريب، وأضفت عسى ان نلتقي في يوم آمل ان لا يكون بعيدا. فشكرا لسمير قصير على كتابه الذي امضيت برفقته رحلة ممتعة، وشكرا له خاصة كون كتابه اتاح لي الكلام.