As Safir Logo
المصدر:

مسلسل هيثم حقي الرمضاني »ذكريات الزمن القادم« الايديولوجيات الصارخة بخلفية مافياوية

المؤلف: عيسى راشد التاريخ: 2003-12-06 رقم العدد:9667

منذ تحوله عن فضاء السينما الرحب إلى فضاء الشاشة الصغيرة، بعدما أدرك أنه من غير المتاح أن ينجز أكثر من فيلم أو اثنين في ظل شروط إنتاج مجحفة، راح هيثم حقي يغطي توقه إلى السينما بتنظيرات واهمة تتعلق باستخدام لغة السينما في التلفزيون (وقد أثبتت أعماله الأخيرة عقم النظرية)، أو باقتراب العمل التلفزيوني المسلسل من بنية العمل الروائي. وفي ما يخص هذه الأخيرة يبدو أن حقي لم يستلهم سوى آثار الرواية السورية الموسومة بالأيديولوجيا وادعاء التزام القضايا الكبرى. فعلى نحو غير مفهوم كان عمله الأخير »ذكريات الزمن القادم« ملوثاً بالسياسة، ولأنه أراده أن يكون ذكريات للزمن القادم، كان عليه أن يمتد من حصار بيروت إلى سقوط بغداد، رغم أن أحداث المسلسل تبدأ مع مذبحة جنين وأخبار الانتفاضة الفلسطينية مع بدء عامها الثاني. لكن هذا التحديد الزمني عبر إحداثيات سياسية قد يبدو خادعاً ومضلِّلاً، لأن العمل، الذي يقدم نفسه كدراما اجتماعية (كتبتها ريم حنا)، لا يقدم الحدث السياسي إلا من حيث هو خبر تستمع إليه الشخصيات ضمن نشرة أخبار تلفزيونية. ولأن الخبر السياسي غير فاعل درامياً، بمعنى أنه لا يؤثر في حركة الشخصيات ولا يصنعها، فهو محض ادعاء، ولا يرمي إلا إلى محاولة وضع العمل في مصاف أرقى، وكمشاهد لا أملك أية فكرة حول ما إذا كانت السياسة يمكن أن تجعل من المسلسل ملحمة تلفزيونية. يروي العمل، على ما يزعم، سيرة مناضل سابق هو مطر أبو ربيع (لعبها الفنان جمال سليمان)، تحول إلى واحد من أباطرة المال ويريد أن ينتقم من رفاق الماضي، بل من كل من هم حوله. لحظة الانقلاب كانت مجرد خبر نسمع عنه لا حدثاً يجري أمامنا، فالرجل كان قد انقلب باكراً وهو بعد على مقاعد الدراسة، وبالطبع لن نصدق أن كل من يتعرض للضرب على يد أخيه، الذي كان مدرّسه أيضاً، سيصاب بعقدة التفوق متخذاً من »الغاية تبرر الوسيلة« قاعدة لسلوكه! لكن المسلسل لا يكتفي بهذا الانقلاب ليضيف إليه انقلاباً آخر هو تخلي مطر عن موقعه في حصار بيروت وتسببه بموت أو جرح رفاق له، ولتبدأ من ثم رحلة الثراء والمال. وإذا اعتبرنا أن »العلاقة بين الانتقام الطبقي والقتال ضد اسرائيل علاقة غير منطقية« على ما تقول الزميلة زينب ياغي (»السفير« 2/12/2003)، ستكون السياسة ليست فائضاً وحسب، وإنما تكون قد أسست خطأً للشخصية الرئيسية في العمل. الشعر الضّال لنجرب أن نخلّص العمل من لوثة السياسة؛ كيف تتأثر شخصياته؟ هل استطاعت أحداث مخيم جنين مثلاً أن تضع البطل إزاء مواجهة نفسية حادة، بين المناضل الذي كانه وبين كونه شريراً بلا حدود؟ أو هل تحولت الروائية عبلة كامل (سمر سامي)، والتي تبحث عن حيز للدفاع عن حقوق الإنسان، إلى التحرك باتجاه مساعدة ضحايا الحرب، هي التي بدت متأثرة للغاية إزاء صورهم على الشاشة؟ فيما انصب كل عملها على محاولة إنقاذ طفل من اضطهاد أبيه. وهنا لا أطالب أن تمضي الشخصيات إلى الخوض في السياسة، وإنما أطرح افتراضات أعتقد أنها تكشف زيف ذاك الادعاء. وفي السياق ذاته جاءت شخصية يوسف (لاحظوا الاسم ذي الدلالة البالغة) الفلسطيني الشاهد على خيانة مطر والذي ابتلع الذئب يده. ولم يكن الأمر ليحتاج أكثر من يد مقطوعة لتدلي بالشهادة، فيما أتى المسلسل باليد وعائلتها؛ أم يوسف التي توقفت ذاكرتها عند عام 48 ولا تفعل سوى اجترار الذاكرة وانتظار مجيء أبو يوسف ليأخذها إليه، وهو قد جاء من موته في آخر العمل مع حفيده الذي غرق في عرض البحر، ليسافروا جميعاً إلى الأبدية مع صوت محمود درويش وهو يردد مقطعاً من قصيدة »مديح الظل العالي« »كم مرة ستسافرون«. صوت درويش الذي استخدم مرتين في العمل كان قد استخدم في مسلسل هيثم حقي السابق »ردم الأساطير« في بداية كل حلقة منه. والحق أنني لا أستطيع أن أصفه بأنه استخدام ساذج وحسب، بل هو نوع من التجارة والادعاء. وشخصياً أعشق صوت محمود درويش، ولكن لا أحد أتمنى له أن يوضع في مكان هازل، كمشهد لقاء مطر بيوسف لأول مرة بعد الحصار، حيث ينهض الصوت في رأس مطر الخائن وهو يردد »سقطت ذراعك فالتقطها واضرب عدوك«! وبعد كل ذلك تجيء خالدة، خطيبة مطر السابقة، وهذه هي وظيفتها الوحيدة، ولم يكتف المخرج بلهجتها ليدلل على هويتها الفلسطينية، بل ألبسها كل الرموز المتاحة، من الكوفية إلى الثوب المطرز، ولم يكن ينقص سوى أن يحمّلها مقلاعاً! أما سقوط بغداد فمن جديد يأتي عبر نشرة الأخبار، ودور الشخصيات أن تعلق بالأسف والتأثر. ثم تفاجئنا الحرب بأن تعيد إلينا شهيداً لم نعرف متى ذهب إلى الحرب وكيف. ثم ألا يستحق الجدل الساخن الذي دار حول حرب العراق أن يقدَّم ولو في مشهد عابر، طالما أن العمل يزعم الانتماء للراهن؟ لنحاول الكرّة ثانية؛ جربوا أن تحذفوا ما شئتم من الأحداث والشخصيات ولاحظوا إن كان ذلك سيؤثر في مسار العمل. مثلاً لنحذف مسرحية »ييرما« التي تلعب إحدى الشخصيات دوراً فيها ونرى مشاهد منها على الخشبة. لن يتبدل شيء. وبالمناسبة؛ لا أدري لماذا يقدَّم المخرج المسرحي في الأعمال التلفزيونية كمعتوه وموتور وينتظر أول فرصة تلفزيونية ليغادر المسرح؟! لن يتبدل شيء مهما فعلنا، فالمسلسل قال كل ما يريد في حلقاته الأولى، ومع بدء أحداث المسلسل يكون مطر قد أنهى تحوله، وهذا ما يضعنا أمام شخصية ثابتة تمثل الشر المطلق ولا تحولات فيها، وأمام مسلسل بلا ذرى، ليس فيه ما يثير. ولذلك يستنجد بحبكة بوليسية تبررها غايات البطل؛ سرقة ملفات سرية من مكتب المحامي كريم (سليم صبري)، وقد انتهى المسلسل قبل أن أفهم خطورتها وعن أي شيء تدور. الترتيب لقتل غريمه صافي (غسان مسعود) للفوز بكندة (سلاف فواخرجي). اختطاف رب عائلة والاعتداء عليه بالضرب. التغلب على رجل عصابات إفريقي راح يتعقبه، وسرعان ما يتفوق عليه ويسجنه. وإذا كان علم الجريمة اليوم يستخدم وسائل غامضة كتحليل الأحماض النووية والكلاب البوليسية وسواها، فإن القاتل هنا سيترك وراءه جهاز موبايل بحاله، وعليه رقم يتكرر بسطوع، هو رقم مطر. سوبرمان من الواضح أن العمل مكتوب لشخصية واحدة هي شخصية مطر، والآخرون هم مستمعون يستجيبون بإخلاص لتحركاته، ما يجعل من العمل مونودراما وكل ممثل آخر مجرد سنّيد (وهذا مصطلح متعارف عليه في الدراما السورية). وما زاد في تكريس تلك الصورة أن المخرج بدا مفتوناً ببطله، فراح يتفنن في تصويره؛ لقطة من فوق، لقطة من تحت، واحدة في شروده، وأخرى في عنفوانه، السيجار في الفم (باعتباره بطلاً هو الآخر)، السيجار في المعرض، وفي السيارة، والمرجع دائماً شخصيات أفلام المافيا. وهذا ما وفر للفنان جمال سليمان فرصة للعب أحسن أدواره، وفرصة لممارسة وظيفته الأثيرة في الأستذة؛ يتحدث في السياسة والاقتصاد والفن التشكيلي والمسرح، ويحيل الشخصيات إلى مثيلات لها في الأسطورة الإغريقية، وكمقاتل سابق لا بد له من معرفة عميقة في العلوم العسكرية. (دمشق)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة