As Safir Logo
المصدر:

»ذكريات الزمن القادم«: بين النضال القومي والاضطهاد الطبقي

سلاف فواخرجي (م.ع.م.
المؤلف: ياغي زينب التاريخ: 2003-12-02 رقم العدد:9663

تلعب كاتبة المسلسل السوري »ذكريات الزمن القادم«، ريم حنّا، على الاسم. تستبدل الزمن الماضي بالزمن القادم على أساس أن الذكريات تخص الماضي. تقصد الربط بين ماضي الشخصية الرئيسية في المسلسل وحاضرها الذي تحاول فيه الانتقام من كل ما حولها بعد عشرين عاماً على الغياب. روى المسلسل سيرة مطر (جمال سليمان) المناضل السوري من أجل القضية الفلسطينية. لكنه ليس المناضل البطل، إنما المناضل الذي هرب من ساحة المعركة، وتلك الرؤية تسجل للكاتبة لأنه ليس كل المناضلين أبطالا. فإلى جانب مشهد المقاتلين الفلسطينيين الذين خرجوا من بيروت بعد الاجتياح بالسفن البحرية، تودعهم دموع المحبين، تسجل عيون الناس التي شهدت وعاشت الاجتياح هرب المقاتلين وانسحابهم من الجنوب إلى بيروت. وإلى جانب الذين قاتلوا في الحرب الأهلية تحت عنوان برنامج الحركة الوطنية للتغيير تسجل عيون الناس، الذين شهدوا الحرب وعاشوها، كيف سرق العديد من هؤلاء المقاتلين المنازل والمؤسسات ونهبوها خلال الحرب. كيف يتحول المناضل إلى انتهازي ووصولي ومستغل للآخرين؟ تلك مسألة تحصل في تجارب الشعوب. لكن المناضل، في المسلسل، سوري في بيروت. ذلك محور خلافات بين اللبنانيين. هل تقاتل سوريا في لبنان؟ أم تقاتل بلبنان، أي انها تستخدم لبنان ساحة لمعركتها مع إسرائيل ومع غير اسرائيل؟ وبالتالي لا يمكن عزل هوية المناضل عن معناها العام، ووضعها في إطار قصة شخصية، لأن المقاتل هنا رمز ونموذج لتاريخ أساسي من تاريخ البلد وارتباطه بسوريا. ولا تستطيع الكاتبة بالتالي أن تختزل كل ذلك الخلاف وتقدم المقاتل السوري مدافعاً عن لبنان ضد الاجتياح الإسرائيلي، كما هو حال مطر الذي هرب في ما بقي صديقه في ساحة المعركة، واضطر إلى قطع يده بعدما أصيب، واتهم مطر بأنه وشى به إلى الإسرائيليين فقصفوا موقعه. لا يستطيع المسلسل أن يتعامل مع تلك المسألة الخلافية وكأنها مسلّم بها وبديهية. ولا يستطيع أن يجعلها منطلقاً للتحولات التي طرأت على المناضل لأن هناك بالتأكيد من سيقول ان أساس الرواية لا يحق للكاتبة تجاوزه، خصوصاً في ظل الجدل الساخن الذي يثيره الوجود السوري في لبنان. وهناك بالتأكيد من سيسأل: لماذا يقاتل المناضل السوري في لبنان وليس في الجولان مثلاً، أليس الجولان محتلاً؟ وهل تستطيع حنّا، أو غيرها من الكتّاب السوريين، تقديم رواية افتراضية عن كيفية القتال في الجولان؟ يقاتل مطر في لبنان ثم يختفي تاركاً أصدقاءه وأهله يعتقدون أنه استشهد. يحولونه إلى بطل. وهو في ذلك الغياب يتحول إلى قاتل مأجور، ثم يتاجر بالألماس المهرب ويعود ثرياً، ليعمل على استغلال كل من حوله عبر رشوتهم بالأموال. وهنا تخلط الكاتبة بين وضع مطر كمقاتل من أجل قضية قومية وبين وضعه الطبقي بوصفه فقيراً، الأمر الذي جعله ينتقم من الذين كان يعتقد أنهم احتقروه بسبب فقره. فحاول قتل صديقه الرسام »الأرستقراطي« صافي (غسان مسعود) وأخذ حبيبته كندة (سلاف فواخرجي) منه لأن الأخير رفض ذات يوم تزويجه أخته الكاتبة عبلة (سمر سامي). واعتبر مطر أن صديقه ادعى أنه من المناضلين لكنه عاد سريعاً إلى أصوله الطبقية إزاء شاب فقير يرغب في شقيقته. وكانت الجلسة بين الأصدقاء لتصفية الحسابات بحد ذاتها جلسة افتراضية لأنها لا تحصل في الواقع، وإن حصلت فهي نادرة جداً. وبذلك تبدو العلاقة بين الانتقام الطبقي والقتال ضد اسرائيل علاقة غير منطقية. حاولت الكاتبة دمجها ضمن أهداف لا نعرفها. أما لماذا بقي الكلام السياسي في المسلسل في الإطار القومي، ولم يدخل الى السياسة الداخلية في سوريا، فتلك مشكلة لا تعاني منها الدراما السورية وحدها وإنما الدراما العربية من دون استثناء، وفي مقدمتها الدراما المصرية بالإضافة إلى السورية واللبنانية التي لم يعد يحسب لها حساب، ناهيك عن الدراما الخليجية التي لا تزال مبتدئة ولا نفهم في الكثير من الأحيان معنى الحوارات التي تدور فيها. وإذا كان اللبنانيون يملكون حساسية خاصة تجاه سوريا ويريدون فتح المجال أمام انتقاد الأوضاع السياسية فيها فتلك القضية، بعيداً من رغبات اللبنانيين، تهم العرب جميعاً.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة