سنشاهد الآن وقائع محاكمتين انعقدتا في الحلقتين الأخيرتين من مسلسلين مصريين مختلفين: »الليل وآخره« و»ملك روحي«. »الليل وآخره«. تقول الحكاية: وجيه، ابن رحيّم، لا يريد أن يعيد حق إخوة أبيه إليهم. في مرة يغادر وجيه الشركة في سيارته المرسيدس فتطارده مرسيدس ثانية. نرى مسدساً مصوباً من النافذة إلى وجيه. بوم. بوم. بوم. قتل وجيه. الشرطة تقتاد ذكور العائلة إلى التحقيق واحداً تلو الآخر. رحيّم في المستشفى يعاني انهياراً عصبياً بعد مقتل ولده ويقول: أنا عارف مين يللي قتل ولدي.. لكنه لا يدلي بأكثر من هذا. آن أوان مشهد المحكمة: في القفص يقف ثلاثة من أبناء عم وجيه، وأخوه الضابط، وأخوه الدكتور. في القاعة تجلس البقية الباقية من عائلة المنشاوي وفيها بنات عموم وجيه. إناث. لم تطلهن الشبهة من الأساس. لماذا؟ لأنهن إناث. رقيقات لا يقدمن على فعل القتل. لذا لم تخضع النيابة العامة واحدة منهن للتحقيق؟ الذكور هم القتلة ومحاميهم هو عم وجيه. شقيقا وجيه في القفص وعمه غير متهم.. عم وجدي طيب القلب في المسلسل لكن كيف عرفت النيابة العامة هذا؟ المشكلة ليست هنا. المشكلة هي في كيفية وصول الخمسة إلى قفص الاتهام. لكن هذا غير مهم. المهم أن نسمع من العم المحامي محاضرة في الأخلاق العامة التي تمنع الأطباء والمهندسين من القتل. ثم يدخل رحيّم ليفجر قنبلته: »أنا قتلت ولدي.. يوم ما ظلمت إخواتي«. يدلي هو الآخر بدرس في الحزن فيستمع إليه القاضي إلى النهاية ثم، وبناءً على ما قاله رحيّم، يقرر: تؤجل الجلسة إلى 15 يناير. ينتهى المسلسل بموت رحيّم حزناً على ولده. 15 يناير موعد لا يعود إليه المسلسل. أما المحاكمة فستضع طلاب الحقوق في العالم أمام امتحان عسير: ألا يصابوا بذبحات قلبية نتيجة غضبهم. مواصفات المتهمين بالقتل الذين يمثلون أمام عدالة المحكمة في مسلسل مصري هي: ذكر، لم يبلغ الثلاثين من العمر.. عنده دافع للقتل.. هذا يكفي. »ملك روحي«. تبلغ ملك عن نفسها وعن شقيقها رامز وعن حسام بتهمة الاختلاس وتمرير قروض غير شرعية. الثلاثة في القفص يرتدون الأبيض. يقف المدعي العام بقميصه الزهري وربطة العنق شبه الحمراء: النيابة العامة تطالب بإنزال أشد العقوبات بالمتهمين الماثلين أمام عدالتكم. ينهض رجل نعرف أنه المحامي ترافقه موسيقى هائلة تبغي التشويق. يقول المحامي: والدفاع يوافق النيابة العامة في ما تقوله. (نكتفي، نحن المشاهدين العاديين، بفتح عيوننا مصدومين، أما المتهمون الثلاثة فينزل الكلام في قلوبهم منزل العسل من الفم). يطالب الدفاع بسحق المتهمين سحقاً تاماً، في ما خلا ملك لأنها تابت إلى العدالة. يستكمل المشهد من دون أي اعتراض من طرف المتهمَين الآخرين على محاميهما الذي تفوق على القضاة في المحاكم التي كانت تعقد بعد الانقلابات العربية الناجحة مباشرة لمحاكمة المخلوعين لتوهم. والثلاثة في القفص على عداء شديد بعضهم لبعض. لكنهم اتفقوا على محام واحد أحد ليترافع عنهم بالجملة. وهم فاحشو الثراء، ويمكن لكل منهم أن يعين مجموعة من المحامين. هذا غير مهم. ينقطع مشهد المحاكمة. تظهر ملك في المشهد الثاني بين أفراد أسرتها. نستنتج، نحن المشاهدين العاديين، أنها »طلعت براءة« بينما وقع الشريران الآخران في فخ أفعالهما وعلى رأسها تعيين هذا المحامي العجيب. شاهدنا وقائع المحاكمتين. عقدت محكمتنا نحن المشاهدين العاديين. هناك مدّع عام يقف ويتكلم. لئيم تقطر ملامحه سماً. يقول: سيدي القاضي، حضرات المستشارين.. ما زالت الحدوتة في آخر نتاجين مصريين ضخمين هي الهدف الأول والأخير. لا بأس بنسف كل منطق يعترض طريق الحكاية. التفاصيل الصغيرة لا تعنينا. ما زلنا نعوّل على رقة قلب المشاهد العربي وتسامحه. هذا المشاهد الذي يترقب نهاية الحكاية فلا يقف عند كيفية حدوثها. ما زلنا، بعد آلاف المشاهد التي تجري في قاعات المحكمة، عاجزين عن عقد محكمة وهمية تحاكي الحقيقة لأن مشهد المحكمة هو مجرد وسيلة لإبكاء المشاهدين في »الليل وآخره«، ولإسعادهم ببراءة ملك وعيشها حياة هنيئة في »ملك روحي«. ما زالت مشاهد كهذه تمر في سيناريو وحوار وإخراج وإنتاج وممثلين نجوم من دون أن تلقى اعتراضاً. ما زلنا وما زلنا.. وما زلنا.. فماذا نفعل؟ سيدي القاضي، حضرات المستشارين.. يجب على العدالة أن تقتص من هذه الخفة التي تلاحقنا منذ زمن بعيد. طلاب الحقوق مرضى بالقلب. المشاهدون العاديون مصابون بداء الحدوتة. والقائمون على إنتاج مثل هذه المسلسلات يزيدون من حدة الداء. سيدي القاضي، حضرات المستشارين، إن النيابة العامة تطالب بإنزال أشد العقوبات بالمسلسلين الماثلين أمام عدالتكم في قفص الإتهام. وأنتم لستم بحاجة إلى محامي دفاع لأنه سيوافق الادعاء في كل كلمة وسيطالب عدالتكم بأشد مما طالبنا به.. والسلام عليكم.