أطاح المسلسل السوري »بقعة ضوء« في جزئه الثالث بآمال المبشرين بأن يكون مؤسساً لصناعة درامية جديدة في سوريا. فبعد أن استبد به سيف الرقيب، وبدّد جرأته المزعومة في انتقاد الفساد والبيروقراطية والترهل، الأمر الذي اعتُبر في الجزأين السابقين إشارة إلى بدء حوار جاد وفاعل حول مشكلات المجتمع السوري، صار شبيهاً بصنوه المترهل »مرايا«، المسلسل الكوميدي الذي يعتمد نظام اللوحات وإن كان يفترق مع »بقعة ضوء« في أنه يكتب لفنان واحد هو ياسر العظمة، فيما يعتمد الآخر على عدد كبير من نجوم التمثيل كما على عدد غير قليل من الكتّاب. لم يتوقف الأمر عند حدود الانصياع لإرادة الرقيب، بل بدا العمل ينقلب على نفسه ويومئ لجمهوره الشغوف بحرية القول بإشارة معاكسة، خصوصاً وهو يسخر من ناشط سياسي مهموم بمناهضة العولمة، ويكاد يكون عمله الوحيد الاعتصام أمام مقرات الأمم المتحدة والمفوضية الأوروبية ليعلن احتجاجه على مقررات قمة ديربان وسواها، فيما زوجته تلح عليه لتأمين طلبات العيال، ورب عمله يعاقبه على غيابه عن وظيفته بالحسم من مرتبه، ليعود يوماً من أحد الاعتصامات ويجد أن أطفاله وزوجته قد نصبوا اعتصاماً ضده. كان يمكن لذاك الناشط أن يعود إلى بيته ويكف عن إبداء رأيه، حسب طلبكم، ولكن أمّنوا له على الأقل لوحة فنية أرقى من هذه، فلعلها تضحكه وتنسيه! ومثل هذه اللوحة تلك التي لمحت إلى نائب معارض حين تناولت شخصية تاجر (أسمته ميمون) يعمل في الممنوع ويتخذ من ترشيح نفسه لمجلس النواب، ومن كونه معارضاً، ستاراً لتجارته وتهربه من الضرائب. ومن الطريف أن تقدم لوحة »دراما نموذجية« انتقاداً للرقابة وتخجل من طرح مشكلتها هي بالذات، حين قدمت كاتباً تلفزيونياً يضطر لتعديل نصه ليصبح مقبولاً رقابياً؛ فيستبدل السكاكر بالسجائر، والملّيسة بالخمر، ثم يحشر محْرَماً في لقاء بين عاشقين، أو يجعل لقاءهما محتشماً بلا عناق، ولو بعد غياب. ولكن هل هذه فقط هي المحظورات الرقابية؟ ومن المعروف أن هذه المشكلات تعني رقابة الشاشات العربية (الخليجية حصراً)، أما الرقابة السورية فلها مشكلات أخرى، ولو التفت العمل إلى نفسه لقدّم مطالب أهم وأغنى من هذه. كذلك الأمر في لوحة »صحافة« التي تتناول أزمة صحفي متحمس، يعجب به كل رؤساء التحرير في الصحف المحلية من دون أن يجرؤ أحد منهم على نشر مقالاته، فيبتدع فكرة كتابة مقالاته على الجدران وواجهات المحلات، ليأتي من يمحوها من جديد. واللافت في اللوحة تلك الحوارات العمومية التي لا تمت إلى معرفة بمشكلات الصحافة والصحفيين، وكان يمكن الاستناد إلى طرائف حقيقية ومتداولة حول الصحافة السورية، وفي الوقت ذاته لا يشكل الاقتراب منها وطرحها، لو شاؤوا، خرقاً للمحظور. ترهل وسواء كانت لوحات العمل تلامس حساسية ما أم لا، فقد جاءت في الغالب بمعالجة ناقصة ورديئة، فلوحة »الآنسة شاكيرا« تحاول انتقاد التمسك بقشور الدين، عبر تناولها لامرأة يؤدي بها انصياعها لتعاليم شاكيرا، وهذه امرأة دين لها مريدوها، إلى تدمير حياتها الزوجية عبر فرضها نظاماً صارماً، كالتخلي عن الصور في المنزل، ومحاولة فرضها على الزوج عادات شخصية تتناسب ووضعها الجديد كمتدينة، وتكون الخاتمة والحل بأن يحضر الزوج ملف شاكيرا الذي يصعق الزوجة فترميه في وجوهنا (باتجاه الكاميرا). وأياً كانت فضائح الملف، هل بإمكانها أن تقنع أصحاب الشأن ببطلان فكرة التخلي عن الصور، أو التخلي عن استخدام اليد اليمنى؟! فالمعالجة الفنية لم تتناول من الأصولية الدينية سوى قشورها، وبردّ لا يتناسب مع المقدمات المطروحة. قد يكون من العسير أن يعرض المرء هنا لحوالى خمسين لوحة أو أكثر، ولكن ثمة بالتأكيد ملامح مشتركة في ما بينها. إن تقسيم العمل إلى لوحات يهدف للنجاة من التطويل المتعمد الذي يسحب العمل على ثلاثين حلقة، وهنا فإن اللوحة نفسها أصيبت بالترهل والمطمطة والتكرار؛ فإذا كانت الفكرة في »مأساة امرأة« أن زوجة تغار من جارتها التي تستمتع بضرب الزوج لها، فإن الزوجة ستظل تُضرب وتضرب مرات ومرات حتى تتكسر عظام المشاهدين. ومن الغريب أيضاً أن عملاً كوميدياً لا يستطيع إضحاك المشاهد بقدر ما يأخذه إلى الملل، اللهم في كلمة عابرة أو تفصيل في أداء بعض الممثلين، من قبيل لازمة كلامية أو أدائية هنا أو تعثر جسدي هناك. لقد خرج العمل في بعض أجزائه عن نوعه كعمل كوميدي انتقادي، فبسبب ولع المخرج ناجي طعمي بالصورة (في الحقيقة هو مونتيير بارع) أصر على أن يتفنن في تصوير غروب البحر عبر لوحة »البحر بيضحك ليه« التي تتحدث عن محاولة عاشقيْن الانتحار، ونجاح مصور يلتقط لهما صورة قبيل الانتحار في إبعادهما عن الفكرة. وفي بعض الأحيان كانت اللوحة تبدأ انتقادية ولكنها تنتهي باستظهار مشاعر وطنية غير مفهومة، وكأنها ضرورية لتمرير بعض النقد؛ فهل كان ذاك البطل السبّاح، الذي عانى من عدم وجود مسبح يتمرن فيه، لأسباب تتعلق بالفساد والبيروقراطية، هل كان مضطراً لمديح نهر الفرات، الذي كان سبباً في نيله البطولة، على أنغام »حلوة يا بلدي«؟! خيبة المواطن لقد سجل الفنان فارس الحلو، أحد أبطال المسلسل، اعتراضه في صحيفة محلية على بث لوحة »الشبيه«، التي لم يكتمل تصويرها بسبب سلسلة من الأخطاء الإنتاجية التقليدية على ما يقول، وقد جرى بث اللوحة ناقصة، الأمر الذي يرى فيه تعبيراً عن عقلية مرفوضة في الدراما السورية. ألا يكفي هذا مثالاً ناصعاً على الاستخفاف بعقول المشاهدين؟ ولكن من قال إن بقية اللوحات كانت أكثر اكتمالاً؟ ومن يسجل اعتراض آلاف المشاهدين على عمل يستبد بهم ويأخذهم إلى الضجر (وهذه سمة معظم الأعمال الدرامية السورية التي لم يكتب لها الاكتمال)؟. أراد »بقعة ضوء«، وكما يوحي الاسم، أن يكون كاشفاً، وهو لم يقل غير ما قيل. وتوهمناه انتقادياً، بل لاذعاً، فراح يقرّع المواطن ولا يسأل المسؤول. حاول أن يكون راهناً، فما تجرأ سوى على ذكر خيبة المواطن وعجزه وجبنه إزاء صور الحروب على الفضائيات، كما في لوحتي »أبطال الديجيتال« و»كتيبة إنقاذ«. وكان علينا أن نعرف منذ البداية أن تلفزيوناتنا برمتها عاجزة عن أن تجيء بغير هذا. وقبل كل ذلك أردناه عملاً كوميدياً نضحك له، هكذا ببساطة، من دون نقد ولا تحليل. إن الفشل المستمر في صناعة الكوميديا يقودنا إلى تساؤل: هل تستطيع بلاد بهذا التجهم والعبوس أن تنتج كوميديا راقية؟ وكيف لكوميديا تخلت عن وقاحتها أن تتجاوز الخطوط الحمر؟ وهل ثمة ما تحتاجه الكوميديا غير هذا؟ وهل يضحك المرء لكوميديا محتشمة؟ (دمشق)