بعد خمس سنوات من تناقضات الاجتهادات القضائية في سبر أغوار المادة السبعين من الدستور اللبناني وتحديد الجهة القانونية المخولة ملاحقة الرؤساء والوزراء، استقر الرأي أخيرا على ما سبق للعلامة الحقوقي المحامي حسن الرفاعي ان أكده في غير مناسبة من أن القضاء وحده صاحب الصلاحية المطلقة في هذه الملاحقة وبالتالي المحاكمة وليس المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء وذلك إذا كانت الأفعال المنسوبة إلى أي وزير جرائم عادية تقع تحت أحكام ومواد قانون العقوبات من قبيل. وهذا ما ذهبت إليه محكمة التمييز الجزائية برئاسة القاضي عفيف شمس الدين وعضوية المستشارين محمد مكي وجورج حيدر خلال نظرها في وضع وزير الزراعة السابق علي عجاج عبد الله في قضية المخالفات المرتكبة في المشروع التعاوني الزراعي اللبناني الأميركي ، فأكدت بشكل واضح لا لبس فيه أن الأفعال المنسوبة إلى عبد الله هي جرائم عادية يعود للقضاء العدلي أمر البت فيها وذلك بغض النظر عن صحة هذه الجرائم والمتمثلة في الاختلاس واستثمار الوظيفة والتزوير. وإذا كان من المفيد إعادة الاموال المختلسة من أي شخص كان حتى ولو ارتدى زي الوزير إلى خزينة الدولة لأنها أموال الشعب، فإن التوجه نحو فتح كل الملفات المتعلقة بهدر المال العام والعالقة لدى غير قاض وغرفة محكمة والتي وجهت أصابع الاتهام فيها إلى وزراء، يكون أكثر نفعا. فاللافت للنظر أنه لم يتحرك طوال السنوات الأربع الأخيرة أي ملف غير ملف الوزير عبد الله بينما هناك ملفات قابعة منذ سنوات في أدراج قصر العدل أحالها ديوان المحاسبة والتفتيش المركزي وهو ما تعتبره مصادر مطلعة خطوة ناقصة في درب الإصلاح الإداري الذي لا يمكن أن يتم ما لم يأت عن طريق القضاء مثلما حصل في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية حيث القضاء هو سيد الإصلاح. فقد اقتضت الرغبة السياسية أن يتولى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء ملاحقة وزير المالية العامة فؤاد السنيورة في قضية محرقة برج حمود فأصدرت الهيئة العامة لمحاكم التمييز والتي تضم رؤساء غرف محاكم التمييز، ذات الأحكام المبرمة وغير القابلة للمراجعة، قرارا تعتبره مصادر مطلعة »قرارا سياسيا وليس قضائيا حتى أنه لم يحدد الفعل المنسوب للسنيورة ما إذا كان جرما أم لا، وهو خطأ قضائي فظيع ولا يغتفر«. وجارت محكمة جنايات بيروت في عهد القاضي المتقاعد جورج غنطوس الهيئة العامة المذكورة فاعتبرت أن محاكمة وزير النفط الأسبق شاهيه برسوميان في قضية بيع الرواسب النفطية من صلب عمل المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء وليس القضاء العدلي. وأمام سيل هذا التفاوت في القرارات القضائية توجهت »السفير« إلى المحامي حسن الرفاعي ليحسم الجدل القائم في غير محله حول صلاحية ملاحقة الوزراء الذين يقترفون مخالفات إبان توليهم مهامهم. يقول الرفاعي: »إن كل محكمة تعتبر أن أي جهة قضائية، نيابة عامة كانت أم محكمة، اعتبرت نفسها غير صالحة للنظر في أعمال قام بها وزراء وتخضع لأحكام قانون العقوبات، تكون قد أخطأت في تفسير المادة السبعين من الدستور اللبناني. وحسنا فعلت محكمة التمييز برئاسة القاضي عفيف شمس الدين بقيامها بتفسير هذه المادة تفسيرا صحيحا لا لبس فيه وهو ما قلته أنا منذ خمس سنوات ونيف«. ويرى الرفاعي أن النيابة العامة التمييزية أخطأت بإحالتها قضيتي الوزيرين السنيورة وبرسوميان على المجلس الأعلى »لأنه ليس للقضاء العادي أن يقرر في صلاحية هي حصرا من اختصاص المجلس النيابي، فصلاحية القضاء العدلي محصورة بالقول ما إذا كان الفعل المقترف من قبل الوزير يشكل جرما أم لا، لأن المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء ليس من السلطة القضائية إطلاقا حتى يجاز القول بعدم صلاحية محكمة وتحديد صلاحية محكمة أخرى«. ويسجل الرفاعي عتبه على المجلس النيابي لقبوله استلام الإحالة من النيابة العامة التمييزية وتسأله عن السبب فيقول »لأنه بذلك اقترف خطأ دستوريا من جهة، وخطأ في حق نفسه من جهة ثانية. وكان على المجلس النيابي أن يقف ويقول للنيابة العامة أنت تجاوزت صلاحياتك وليس لك أن تحددي مرجعنا لأن ذلك يُعتبر مخالفا لمبدأ فصل السلطات وأحكام المادة السبعين من الدستور، وبالتالي رد الملفين منذ طرحهما عليه«. مأزق توقيع العريضتين ويعتبر الرفاعي أن بدء النواب بالتوقيع على عريضتي اتهام الوزيرين السنيورة وبرسوميان سيؤدي في النتيجة إلى »واحد من أمرين فإن حصل الاتهام بثلثي أعضاء مجلس النواب فإن المجلس الأعلى الذي سيضع يده على القضيتين سيكون مضطرا إلى القول وفقا للمفهوم الصحيح للمادة السبعين من الدستور بأنه غير صالح للنظر في هاتين القضيتين، وعندها يتوجب عليه إعادة الأوراق إلى النيابة العامة التمييزية وإلى القضاء العادي للنظر فيهما كونهما من اختصاصه، وذلك إذا اعتبر »أن الأفعال المنسوبة إلى الوزراء تشكل ما يقع تحت أحكام قانون العقوبات«. وأما إذا لم يتأمن في التصويت ثلثا عدد مجلس النواب فعندها سيؤول الأمر إلى اتهام المجلس النيابي بأنه ستر على وزراء كان يجب أن يُحاكَموا وهذا ما يمس كرامة السلطة التشريعية«. ويضيف الرفاعي: »إن القانون الموضوع من المجلس النيابي لتأمين تنفيذ أحكام المادة السبعين والذي نص في إحدى مواده أن المجلس الأعلى يطبق أحكام قانون العقوبات، لا يعتد به إطلاقا لأنه وقع مخالفا لأحكام المادة السبعين المذكورة التي تحصر صراحة صلاحية المجلس الأعلى في النظر في القضايا الحقوقية وليس في القضايا الجزائية. وفي هذه الحال ووفقا لنظرية تراتبية النصوص القانونية، فإن للقانون الدستوري الأفضلية على القوانين العادية«. وما العمل إذاً لتلافي الاستمرار في الخطأ؟ نسأل الرفاعي الذي يفضل مناداته بالمحامي على أي صفة أخرى فيرد سريعا »يجب على المجلس النيابي أن يمتنع عن طرح قضيتي السنيورة وبرسوميان على التصويت وأن يعيد الأمر إلى القضاء العادي«، مشيرا إلى أنه بقبول المجلس النيابي بوضع يده على القضيتين المذكورتين »يكون قد حكم على نفسه بأنه قصّر في حينه، في محاكمة وزراء لاقترافهم الأعمال المنسوبة إليهم منذ ما يقارب الخمس سنوات«. اقتراح »جبهة الإصلاح« مخالف للدستور وخلافا لما تردد فور صدور قرار الغرفة الثالثة لمحكمة التمييز الجزائية برئاسة القاضي شمس الدين عن قدرة المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء على وضع يده على ملف وزير الزراعة السابق علي عجاج عبد الله في حال إخضاع مواده لعملية تعديل قيصرية، يرى الرفاعي »أنه لا يجوز بتاتا للمجلس الأعلى أن يحاكم عبد الله بسبب وجود مخالفات من وزن الجرائم العادية التي يختص القضاء العدلي في ملاحقتها«. وعن رأيه في الاقتراح الذي قدمه وفد من »الجبهة الوطنية للإصلاح« برئاسة الرئيس عمر كرامي لرئيس المجلس النيابي نبيه بري لتعديل قانون محاكمة الرؤساء والوزراء بغية سد الثغرات الكامنة فيه، يقول الرفاعي: »إن هذا الاقتراح مخالف برمته وبكل تفاصيله لأحكام المادتين 60 و70 من الدستور«، رافضا الخوض في الشرح تاركا ذلك إلى ما بعد قيام لجنة الإدارة والعدل النيابية بعملها في هذا الاقتراح بعد إحالته عليها.