(يمكن القول هنا إن المحاولات التي يبذلها الغرب في سبيل التمسك بفكرة »الحفاظ على وحدة الدولة العراقية« لا تكاد تكون مجدية، على الرغم من الاهتمام البالغ الذي تبديه بقية دول المنطقة بهذه القضية. لكن الخيار السياسي هنا، هو ليس بين »العراق الموحد« أو »العراق المتحد فدراليا« أو »المقتطعة منه أراضي كردستان« بل حول نوع الحكم الذي سيتبناه العراق في المستقبل والذي قد يكلفه وحدة أراضيه الحالية). غراهام فولر عام 1994 العراق في العقد المقبل منذ انتهاء الحرب العراقية الإيرانية عام 1988 تنبهت الولايات المتحدة إلى أهمية وإمكانية إجراء نقلة نوعية في الوضع السياسي العراقي، من خلال تغيير جدي في المعادلة السياسية الاجتماعية الداخلية. وكانت أميركا تدرك جيدا صيغة التوازنات الدقيقة التي بنيت على أساسها الدولة العراقية عام 1921. وكانت تلك الصيغة (وهي شاركت فيها بصورة غير مباشرة) تتضمن سلبيات وإيجابيات معاً، ولكن مطمئنة في ظل السياسات البريطانية الماكرة التي تهدف أصلا إلى الاستحواذ على العراق وإمكانياته. إن سياسة تسليم الدولة فعليا والسلطة عمليا إلى فئة واحدة (السنة) مطابقة لنظرتها »الهندية« في خطة فرق تسد، التي من خلالها يمكن ضبط الإيقاع السياسي والاجتماعي الداخلي. إن انتهاء حرب الخليج الأولى بالشكل الذي تحقق قد أغرى أميركا بالمغامرة في البحث عن وسائل جديدة لمعالجة ما يسمى »بالمسألة العراقية«. ترافق هذا الطموح مع تغيرات مهمة طرأت على الساحتين الدولية والإقليمية. لكن تسارع بعض الأحداث الساخنة (ومنها انتفاضة الحجارة الأولى) واحتقان الوضع الاقتصادي العراقي (انتفاضة الجنوب المفاجئة!!) قد مهد الطريق عمليا لسلسلة من الأحداث المتلاحقة توّجت بالاحتلال العراقي للكويت في 2 آب 1990. وكانت هذه الكارثة منصة جديدة للولايات المتحدة للتعامل الجديد مع المسألة العراقية. وبالرغم من الانتصار العسكري الساحق على النظام العراقي وإجباره على الخروج محطما من الكويت، فإن أميركا ظلت لديها حساباتها الخاصة في الإبقاء على النظام وعدم الوصول إلى بغداد. وحتى حين بدا لها أن النظام ضعيف وغير قادر على البقاء أمام »الانتفاضة« الممتدة التي كانت قد ساعدت على انفجارها فإنها لم تكتشف إمكانية السيطرة على العراق عن طريق سقوط النظام آنذاك وبالشكل الذي طرحته »الانتفاضة«. ولا مندوحة من ذكر التأثيرات الإقليمية الهائلة (السعودية والإيرانية خاصة) والمباشرة على الآلية المفصلة التي يمكن أن تجري بها عملية التغيير المطلوبة في العراق. وكان من الواضح للإدارة الاميركية أن هناك علاقة عضوية متينة بين الأشياء الثلاثة التالية: 1/ الاستراتيجية العامة لها في المنطقة عموما والعراق خاصة. 2/ العلاقة الداخلية بين المكونات الأساسية للمجتمع العراقي (السنة، الشيعة، الأكراد). 3/ الوسيلة السياسية العسكرية التي يجب انتهاجها من اجل القيام بعملية التغيير. وبالرغم من أن المعلومات المتوافرة تؤكد أن العديد من الدراسات كانت قد توصلت إلى آراء محددة بخصوص النقاط الثلاث المذكورة، لكن الإدارة لم تكن حاسمة في قراراتها ويبدو أنها لم تكن متعجلة أيضا النهائية. ويشكل مقال كنعان مكية واسمه المستعار حينذاك سمير الخليل في 11 نيسان 1991 (أي بعد القضاء على »الانتفاضة«) محطة مهمة في معالجة تلك المسألة حيث يقول: »وحتى إذا انفصل الأكراد!! فعلاً فإن الشيعة لن ينفصلوا بل يسعون مضطرين !! إلى تسوية المسألة مع النخبة العربية السنية«. ويضيف واعدا »إن نظاما عراقيا علمانيا يغلب عليه التشيع سيكون عراقياً بحتاً في توجهاته وأقل ميلاً إلى المغامرة على الصعيد العربي السياسي). أما مربط الفرس الجديد فهو يتمثل في: »إن حكومة يهيمن عليها العلمانيون الشيعة ستكون اقل انجذابا نحو القضايا القومية من الأنظمة العراقية السابقة، فالعروبة هي شأن »سني« إلى حد بعيد). وقد تلاقت أفكاره هذه مع دراسات وتحليلات عديدة كانت قد بدأت تظهر في الدوريات السياسية والاستراتيجية. وساعده أيضا بعض التجار المهاجرين احمد الجلبي وبعض الأكاديميين العراقيين الساكنين في أميركا رند الرحيم وكذلك العديد من العسكريين الهاربين من العراق بعد أحداث الكويت. وتم الإعلان عن هذه الوثيقة بأشكال مختلفة أحدها وأخطرها الذي أخذ طابعا عالميا وسمي »لجنة تحرير العراق الدولية«. لكن الخطوة النوعية التي أقدمت عليها هذه المجموعات هي الاجتماع المتميز الذي انعقد في 1615 حزيران 1991 في قرية آلتن اينباخ إحدى ضواحي فيينا العاصمة النمساوية. وكانت اللافتة المعلنة للاجتماع هي مناقشة »مستقبل العراق والأمن العربي في أعقاب حرب الخليج الثانية«. وقد حضر 38 من السياسيين والاختصاصين المعروفين من العراقيين وغيرهم، وكان الدكتور مهدي الحافظ وزير تخطيط الاحتلال الحالي هو المنسق الأساسي للجنة التحضيرية. ومن الحاضرين: ليث كبة، لطيف رشيد وزير احتلالي أحمد الجلبي، نوري عبد الرزاق، محمد بحر العلوم عضو المجلس الاحتلالي، محمد الحيدري عضو المجلس الأعلى جماعة الحكيم، الدكتور المصري المعروف سعد الدين إبراهيم، مفيد الجزائري وزير ثقافة الاحتلال حاليا عادل مراد مسؤول الإعلام حاليا للحزب الطالباني. وفي 5 تموز 1991 وبقيادة محمد مكية ( والد كنعان مكية) وبإشرافه المباشر، عُقد اللقاء التداولي الشهير في لندن والذي وضع الخطوط الأساسية للنشاطات المقبلة، ضمن الإطار العام الذي طرحه (مكية الابن) سابقاً. وفي أواسط شهر تموز عام 1992 انتهت النشاطات المذكورة إلى أهمية إعلان ظهورها بشكل متكامل وبإطار سياسي محدد. وكان مؤتمر فيينا (الثاني) حاسماً في ذلك وتم تشكيل »المؤتمر الوطني العراقي«. في آب من نفس السنة ذهب قادة المؤتمر إلى واشنطن، وكان اللقاء مباشرة مع وزير الخارجية آنذاك (جيمس بيكر). في نفس الفترة، شقت بصورة واضحة طرق سالكة للتعامل مع »المسألة العراقية« وبدأت تنضج الأفكار الجديدة في دوائر الإدارة الأميركية (ولا سيما البنتاغون). إن صعود كلينتون لم يقطع التواصلات السياسية الجارية وإنما ظلت تنمو وتتطور في الدهاليز والأروقة لتشكل »الصيغة الجديدة« التي اعتمدها (البنتاغون) وبالتفاهم مع برنامج السياسة الدولية والإقليمية في مؤسسة (راند) وبالتعاون مع معهد (هيرتج) الأميركي. وكانت الحصيلة: 1) إذا كان الأكراد يهددون وحدة الأراضي العراقية فإن الشيعة هم الذين يشكلون الخطر الأكبر على الاستقرار السياسي والاجتماعي للدولة. 2) وعليه يجب منح الأكراد صيغة العلاقة الفدرالية مع النظام المقبل وجعل الدولة عملياً تحت حكم شريحة معينة من الشيعة أطلق عليها »الشيعة العلمانيون« ونحن أسميناها »بالتشيع العراقوي«. بمقدورنا التأكيد بأنه جرت الانتخابات في الغيتو الكردي وتحت الحماية الاجنبية في حزيران 1992 وأقرت الفدرالية من قبل البرلمان المزور والحكومة الملفقة. 3) إن الدولة المركزية ولو كانت ديمقراطية، فإن الفكر القومي الذي يقودها لم يجلب إلى العراق سوى المتاعب...! في الداخل والخارج. 4) الدولة التعددية الفدرالية الليبرالية بقيادة التشيع العلماني وعلى أساس الوطنية العراقية المحلية هي الضمانة لعدم تحول العراق إلى بلد عدواني في الداخل والخراج. 5) تبدد إمكانية أن يحكم العراق صدام آخر أكثر ذكاءً! ضئيلة أو أن تستمر »الصدامية« بدون صدام غير واقعية ولا تنسجم مع المستجدات الإقليمية والدولية إضافة إلى أنها أيضاً ستظل مرتبطة بالإمكانيات المتاحة لدى المؤسسة العسكرية التي بدورها هي لن تصمد بدون صدام حسين. 6) لا يمكن التكهن بمستقبل حزب البعث أو احتمالات نهايته سياسياً أو توافر ظروف معينة للرجوع إلى الساحة لا سيما أن الطريق مسدود أمام إصلاح ذاته. 7) الدولة المقبلة في الطرق ستكون حتماً أضعف (وأقل قدرة بكثير على بسط قوتها في المنطقة) مما كانت عليه في العقود الماضية. 8) لا يمكن الثقة بالمؤسسة العسكرية أبداً نظراً لدورها التاريخي في الانقلابات المستمرة في الداخل والتطاول العسكري خارجياً وتشكيل خطر جدي على الدول المجاورة. وفي عام 1992 اكتملت العديد من حلقات العمل السياسي في هذا المضمار التجريبي الجديد وكانت الأطقم العاملة في مراكز الإدارة وخارجها تضم رموز الحقبة الريغانية وفرقاء المدرسة الكسينجرية الجدد. وفي هذه الفترة وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي وانتصار (طالبان) بدا أن النمو الهائل للأصولية العالمية الموجهة أميركيا يتماشى مع الانفلات الاقتصادي للعولمة ومع الإنجازات الكبيرة للمعلوماتية. وكانت القاعدة الفكرية للتعاون مع التشيع العلماني في العراق مرتبطة بالإنجازات التاريخية الاستشراقية للزمر الصهيونية الحاقدة من أمثال برنارد لويس، دانيال بايبس، وليون شتراوس وقد اتفقت هذه الزمر مع مجموعات أكاديمية فاعلة في الجامعات الأميركية منها فؤاد عجمي اللبناني وحنا بطاطو الفلسطيني واليهودي اسحق نقاش متعاونين مع اللقية الأثرية كنعان مكية وشلته من أمثال رند الرحيم، ليث كبة، محمد بحر العلوم، عبد المجيد الخوئي، موفق الربيعي، صادق الشيرازي. ولقد اتُخذ قرار استراتيجي يؤكد أهمية إقامة علاقة جديدة مع الأغلبية الشيعية في العراق وذلك لدفعها لاتخاذ موقف تاريخي استراتيجي يقطع على العراق جغرافيته السياسية المعروفة منذ بداية نشوء دول المدن في بلاد الرافدين قديماً، وعبر التاريخ الوسيط للإمبراطورية العربية الإسلامية. وتتلخص هذه الصيغة نظرياً في »تعريق الشيعة« مستقبلاً (قبل الاحتلال وبعده) وذلك عبر استئصال جناحين لها الأول عروبة العراق والثاني العمق الإيراني للتشيع في العراق. إن العملية الجراحية الضخمة التي قرر القيام بها (وتحديداً منذ 1996) مجموعة الجدليين ( بول وولفويتز، ريتشارد بيرل، ويليام كريستول) لا تختلف فعلياً عن عملية فصل التوائم التي قد يؤدي فشلها إلى عطب حقيقي في أحد الأطراف أو إلى موت الطرفين كليهما. وكانت الخطوات المثابرة التي جرت في سنوات 1998 2000 تتمثل في تشريع (قانون تحرير العراق) واللجوء فوراً إلى تشكيل (المجلس السياسي العراقي) الذي يشمل العديد من اللجان المختصة في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وبدأ الاتصال مباشرة بكل القيادات السياسية العراقية وبرئاسة (المؤتمر الوطني العراقي) وذلك من أجل ربط هذه المعارضة بماكينة السياسة والحرب الأميركية. (*) كاتب وسياسي عراقي.