آلة العود في بيت تراثي، قرب جامع الأزهر، في حي الحسين، أعرق الأحياء الشعبية المصرية. لعلّه واقع كالخيال. ولك إذا تواجدت فيه أن تلمس الجدران والمشربيّات الخشبية والقناطر وأوتار العود والنوتات، وأن تصافح الطلاب والخريجين والمدرّسين، لتعلم انّك لست في مكان خيالي، بل في زمان صار فيه تواؤم الموسيقى والعمارة والتاريخ، الأصالة والهوية، الصفوة والعامة، صدفة نادرة، تقع على الحدّ الفاصل بين الواقع والحلم. في »بيت العود العربي«، مجموعة من الشباب والشابات وقفوا عند ذاك الحدّ وتجاوزوه الى الواقع الصلب الذي أرادوه وصنعوه بصلابة إراداتهم وليونة أحلامهم. كلّ منهم أتى الى هذا البيت بحلم وخرج منه بحقيقة ومجموعة أحلام جديدة، تجتمع في كونها ممكنة التحقيق وطوع اليد، بل الأصابع. تأسيس بيت للعود العربي كان فكرة العازف العراقي نصير شمّة التي تبنّتها الدكتورة رتيبة الحفني مديرة دار الأوبرا المصرية، ورعتها وزارة الثقافة المصرية، وخصّصت لها مكاناً في الدار، وذلك في أكتوبر 1998. وبعد سنوات كثر عدد طلاب البيت مما تطلّب إيجاد مكان أكبر، فوقع الاختيار على »بيت الهراوي«. منذ بدايات القرن العشرين بدأ الشريف محي الدين حيدر في العراق تأسيس مدرسة العود العراقية الحديثة، وأعطى الضوء الأخضر لطلبته، جميل ومنير بشير والأستاذ سلمان شكري، ومن بعد ذلك آخرون، للدخول الى ميادين المسارح العالمية من خلال مؤلفات موسيقية كتبت خصيصاً لآلة العود، وهي تعدّ القاعدة الأولى لتأسيس مدرسة جديدة في التفكير لآلة العود، وطرح مواضيع بدأت بسيطة وأصبحت أكثر جرأة وقرباً من الناس في تناول الموضوعات. وبدوره قام نصير شمّة بمواصلة مشوار أساتذته، محاولاً أن يخلق أسلوباً أكاديمياً جديداً يخضع له مجموعة من العازفين في آن واحد، وطبّقه في »بيت العود العربي«، حيث صار بالإمكان الكتابة لأوركسترا كاملة من الأعواد. وعن هذا المشروع الذي يتمّ اليوم عامه الخامس، يقول شمّة: »كنت دائماً أحلم بمدرسة متخصّصة في تدريب العازفين على آلة العود، وعندما أبدت الدكتورة الحفني رغبتها في تبني المشروع لبّيت الاقتراح، وانتقلت الى القاهرة لتدريب عازفين عرب من مختلف الجنسيات على هذه الآلة، وقد آليت على نفسي أن أواصل ما شرعت به من عمل مع مجموعة من الصغار والشباب الموهوبين في العزف انطلاقاً من إيماني بقدرتهم على أن يصبحوا في المستقبل من أمهر عازفي العود في العالم العربي، وسأكون دائماً فخوراً ومعتزّاً بهم. هدفي الرئيس كان تخريج سوليست عود أي عازف عود منفرد، والتوسّع في الأبحاث والدراسات الموسيقية حول هذه الآلة وتطوير تقنيات العزف والتأليف الموسيقي«. حبا بالعود طلاب »بيت العود العربي« من جنسيات عربية مختلفة (تونسية، لبنانية، سورية، فلسطينية...) تطغى عليها، بحكم الموقع المصري، الجنسية المصرية. ولكن اللافت أن طلاباً عرباً تركوا أوطانهم خصيصاً للإلتحاق ببيت العود. تخرّج عبد الله نمّور (لبناني الجنسية) من كلية الهندسة العام الماضي، وكان قد أنهى أربع سنوات دراسية في الكونسرفاتوار الوطني اللبناني قسم عود. ولكنه قرّر أن يترك كل شيء، الكونسرفاتوار والبحث عن وظيفة... للالتحاق ببيت العود في القاهرة. وعن السبب يقول إنه كجميع الطلاب العرب المنتسبين الى بيت العود، كان يفتّش عن مكان متخصّص يدرّس آلة العود. »ففي لبنان مثلاً يدرّس الكونسرفاتوار اللبناني العود بشكل عام، ولا يتخرّج الطالب سوليست عود. المشكلة ليست في مستوى الأساتذة بل في المنهج. منذ 8 سنوات ندرس منهج الأستاذ شربل روحانا، الذي حقّق نقلة نوعيّة في تدريس العود، بعد أن كان المنهج متخلّفاً عن التطوّرات التقنية والمنهجية في تدريس هذه الآلة، فهو لم يستطع ان يقلب المنهج 180 درجة ولم يكن أمامه الا تقديم منهج انتقالي. يؤهلنا منهج روحانا العزف على العود ضمن فرقة موسيقية وأوركسترا. أما ما عمل عليه الأستاذ نصير، وهو مشروعه الأساس في بيت العود، فهو تخريج سوليست العود. هذه التقنيات التي طوّرها شمّة، تلميذ المدرسة العراقية العريقة، لم تصل الى لبنان بعد، وقد لا تصل قبل عشر سنوات. وبما أنها من الصعب ان تصل فقد ذهبت أنا اليها. وقد تعلّمت خلال شهرين في »بيت العود« ما لا يمكنني تعلّمه في أي كونسرفاتوار عربي. في الكونسرفاتوار نتقيّد بالمعزوفة أما في بيت العود فممنوع علينا أن نفعل، يُطلب منّا أن نسمعها ثم نؤدّيها كما أحسسنا بها، وكما وصلتنا، وهذا ينمّي الابداع والابتكار. وبهذه الطريقة يصبح العازف سوليستاً. كذلك فإن الدراسة في »بيت العود« مكثّفة، والنظام صارم، بعكس الكونسرفاتوار الذي ندرس فيه ساعة أسبوعيا«. ويضيف نمّور أن الكونسرفاتوار الوطني يعاني من أزمات عديدة منها المشاكل المادية والأجور المتدنية للأساتذة والعدد الضئيل للحصص والمواد النظرية. »وبرغم كل هذه المشاكل فأنا لم أسافر الى مصر تعالياً على هذه المؤسسة أو كرهاً لها بل حبّاً بآلة العود ورغبة بتحصيل العلم«. أحيت دينا عبد الحميد حفلها الأول بعد التخرّج في دار الأوبرا المصرية. كان الحفل بالنسبة اليها كالحلم. لم تصدّق التصفيق الشديد الذي سمعته والثناء والعدد الهائل للجمهور الذي أتى ليستمع الى خريجة »بيت العود«. وعن الرحلة التي قطعتها دينا قبل الوصول الى خشبة مسرح الأوبرا تقول: »حبّي للعود دفع والدي الى أن يهديني عوداً صغيراً طلب تصميمه على مقاسي، وكنت حينها في التاسعة من العمر. رافقتني هذه الهواية والتحقت بكلية التربية الموسيقية وتابعت دراستي في كلية الاعلام، الى أن سمعت بمشروع الأستاذ نصير. أعتبر التحاقي ببيت العود الخطوة الأولى على طريق الاحتراف. مشروعنا هنا هو أن نحبّ الآلة ونحترمها ونطلقها الى العالمية. مصر تحديداً تحبّ الآلات الشرقية والجمهور مرتبط بعلاقة عاطفية ووجدانية مع العود والناي والقانون والرقّ...«. بعكس زملائه فإن أيمن حامد يرفض أن يحيي حفلة، وهو يفضّل التدريس والبحث العلمي والتأليف على احتراف العزف، »للعزف ظروف وشروط لا تتناسب مع أسلوبي بالحياة، يقول، منها التدريب لساعات طويلة يوميا«. وعن تجربته يقول أيمن: »درست في معهد الموسيقى العربية قسم عود، وتخرّجت بامتياز، ثم حضرت حفلة للأستاذ نصير وانبهرت بطريقة العزف والأداء، فالتحقت ببيت العود بنية ملامسة هذه الطريقة وتقييمها، ثم اكتشفت تطوّراً تقنياً ينمو داخلي، فلم أعد أتعامل مع العود بشكل مجرّد بل كقضية تستلزم من المدرّس الانتباه لهذه الآلة. والحقيقة أن العود، برغم أنه أبو الآلات العربية، وبرغم مكانته المرموقة في تراثنا الموسيقي... الا أنه لم يكن موجوداً بشكل عملي، فالسنباطي مثلاً، أحد أكبر عازفي العود العرب، عندما كان يؤلف الألحان لأم كلثوم لم يكن يضع سولوهات للعود، برغم وجود القصبجي العازف العملاق الآخر. أهم سوليست في معزوفات السنباطي كان لآلة القانون، وقد يعود السبب الى أن صوت العود ضعيف، ولم تكن تتوفر حينها تقنيات كهربائية وصوتية، تصحّح هذا الأمر«. سوليست قبل أن يكون أستاذا أوّل خريجي »بيت العود« هو نهاد السيد، الذي سبقت له الدراسة في معهد الموسيقى العربي في القاهرة، الا انه وجد أن ما درسه لم يكن كافياً. عن ما يميّز الدراسة في »بيت العود« يقول نهاد: »اننا هنا ندرس مع سوليست قبل أن يكون أستاذاً، وهو ينقل لنا خبرته بشكل بسيط وسلس، ويعطينا مفاتيح أسرار هذه الآلة، يسلّمها لنا باليد، وهذا أمر لا يحدث عادة بين أي استاذ وتلامذته. أتاح لي »بيت العود« المشاركة في مهرجانات ومسابقات عربية ودولية، وأعطاني فرصة التعرّف الى المدارس الموسيقية المختلفة وتوسيع ثقافتي الموسيقية«. أما أيمن فيقول عن الخبرات التي تزوّد بها: »استفدت من ناحية المنهج، وأقصد الأسلوب في العمل: كيف ندرّس المقامات، وكيف نتعامل مع الطلاب نفسياً وبشكل منهجي مدروس. كما تعرّفت الى مجموعة من المناهج الجديدة. أما الخبرة غير المباشرة فكانت في فكّ بعض القيود والاطلاع على مناهج آلات أخرى (كالكمان والتشيللو وآلات النفخ...)، وامتلكت تقنية تحويل العود الى محور وأداة التفكير«. ويتفق حازم شاهين مع زملائه في تحديد ايجابيات الدراسة في »بيت العود«، وعن علاقته مع العود يقول: »يتدخّل العود في تفاصيل حياتي من دون أن أشعر. عندما أحزن أذهب اليه (العود) وعندما أفرح كذلك. انه جزء من شخصيتي التي تنمو مع الأيام، فقد عشت سابقاً من أجل حلم وأقوم حالياً بتحقيقه، والتحضير لأحلام جديدة، ما يجمع بين احلامي جميعها هو أنها تتمحور حول العود، فقد كان حلمي أن أعزف منفرداً أمام جمهور كبير. وعندما تخرّجت من المعهد لم تكن ثمة امكانية لتحقيق هذا الأمر، الى أن أتيت الى »بيت العود« الذي مكنني من احياء حفلة في المسرح الصغير في دار الأوبرا، حينها أحسست أن الأرض تكاد ترتفع بي، وعندما خطوت خطوتي الأولى على المسرح وانا أحمل عودي قلت لنفسي: »ها انا أحقق ما تمنيته«. حازم كسواه من خريجي بيت العود في العقد الثاني من العمر واذ نسأله عن المستقبل وإن كان ينوي أن يعتاش من العود يقول: »ان هذا صعب طبعاً، ولكن الأصعب هو أن أضطر الى القيام بعمل ما من دون اقتناع. لن أعمل في مجال لا أحبّه. سبق أن فعلت وندمت. عملت عازفاً خلف مطرب لستة أشهر، وصرفت المال الذي جنيته من هذا العمل على أشياء لا حاجة لي بها، أحسست أنني لا أريد هذا المال، فبدّدته بأية طريقة«. أحلام للمستقبل عازفو وعازفات العود وان اجتمعوا على حبّ الآلة الا أن أحلامهم تختلف، فدينا تحلم بتمثيل بلدها في الخارج: »... أتاح بيت العود لي هذه الفرصة سابقاً عندما شاركت مع زملاء لي في مهرجان الموسيقى في معهد العالم العربي في باريس. ولكني أطمح الى تمثيل بلدي في العالم بأسره. وما أنوي التركيز عليه حالياً هو التأليف الموسيقي، وهذا مهمّ لي ولبنات جنسي المتّهمات بعدم الابتكار والإبداع في مجال التأليف«. أما نهاد فهو مهتمّ بشكل أساسي بعلم »الأوركستريشن« (أي علم الأوركسترا: ما هي ومم تكون وما مساحات الآلات وغيرها...) وهو اختصاص نادر، وحلمه الأكبر هو التأليف الأوركسترالي. بالنسبة الى أيمن الذي يدرّب حالياً خمسة طلاب في بيت العود، فيقول عن مشاريعه المستقبلية ليست محصورة بالتدريس الذي يحبّه ويتآلف معه: »التدريس بالنسبة الي مرحلة مؤقتة والأهمّ بالنسبة الي هو التأليف. حالياً أعدّ مؤلفات أشرك فيها العود مع باقي الآلات (مع البيانو تحديداً) بهدف معرفة مساحات تميّزه. قضايا كثيرة تُناقش بين أروقة »بيت العود العربي«. جميعها متعلّقة بالعود والتأليف الموسيقي وتجديد الموسيقى العربية وتقنيّات العزف والمزج بين موسيقى الغرب والشرق، وعن هذه النقطة الأخيرة أراد أيمن أن يوصل الى القراء وجهة نظره: »عندما تأثّر عبد الوهاب والسنباطي والقصبجي بالموسيقى الغربية كانوا متمكّنين من الموسيقى العربية، لذلك لم يسيئوا الى الموسيقى العربية، لقد توسّعوا باستعارة الآلات الوترية الغربية لأنها غير ثابتة البرمجة، ويتمّ التحكّم ببرمجتها بعكس البيانو، الآلة الثابتة التي يصعب تطويعها. القصبجي كان مجدّداً بارعاً استعار أساليب بالغة التعقيد من الغرب لكن على مقام عربي صرف، نسبه الدقيقة لا يعرفها حتى الموسيقيون المحترفون. لذلك فإن أي مزج يجب أن يخضع لاعتبارات علمية ولا يكون على الطريقة التجارية التي تحصل حالياً، مع البعض«. ونسأله عما يعيق التجديد الموسيقي اليوم؟ فيردّ: »الجهل هو السبب الوحيد. 99 بالمئة من المتخصّصين جهلة، يتكلّمون بالتذوّق وليس بالعلم، يردّدون عبارات (أحبّ ولا أحبّ..) وهناك ضرورة أخرى هي أن نقدّر تراثنا ونأخذ من الحضارات الأخرى عن وعي. إن أي طالب موسيقى يعزف نشيد الجامعة لأم كلثوم كمقام غربي بينما هو مقام شرقي صرف«.