حسمت محكمة التمييز الجزائية مسألة ملاحقة وزير الزراعة السابق علي عجاج عبد الله، فأكدت في قرار صريح ومسند قانونيا بالأدلة، أن القضاء العدلي العادي هو صاحب الإختصاص في أمر الملاحقة وليس المجلس الأعلى لمحاكمة رؤساء الحكومات والوزراء، وذلك في قضية المخالفات المرتكبة في المشروع التعاوني الزراعي اللبناني الأميركي، كون الجرائم المنسوبة إلى عبد الله وبصرف النظر عن حصولها أو عدمه، هي جرائم عادية مثل اختلاس واستثمار الوظيفة والتزوير الجنائي الواردة في قانون العقوبات، ويعود للقضاء العدلي البت فيها. وهذه الخطوة تفسر على أنها جريئة للقضاء، لأنها مغايرة للإجتهادات القضائية السابقة التي ناقشت ملاحقة الوزراء المخالفين، ومعاكسة لكل التوقعات والتكهنات التي سرت في غير مجلس سياسي عن إمكانية عودة محكمة التمييز عما أفضى به قرار الهيئة الإتهامية وقاضي التحقيق الأول حاتم ماضي من أن الملاحقة هي من صميم عمل القضاء العدلي. على أنه يمكن للمجلس النيابي أن يضع يده على الملف إذا أجرى تعديلاً على قانون المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء يؤكد أحقيته في جواز الملاحقة ويجزم بشكل نهائي، غير قابل للرجوع، أنه هو المختص في مساءلة الوزراء، وطالما أنه لم يصدر أي حكم مبرم في قضية عبد الله فإنه في ضوء التعديل المطروح والحديث النيابي الجاري عنه تصبح جميع الدعاوى المتعلقة بملاحقة الوزراء من صلاحية المجلس الأعلى، خصوصا أن قانونه الحالي تعتريه بعض الثغرات القانونية وتستدعي تغييراً جوهرياً لأنه لا يجوز تضارب الصلاحيات بين القضاء العدلي والمجلس المذكور. وإزاء قرار محكمة التمييز الجزائية برئاسة القاضي عفيف شمس الدين وعضوية المستشارين محمد مكي وجورج حيدر، فإنه أصبح لزاماً على القاضي حاتم ماضي أن يستعيد الملف برمته ويعين جلسة سريعة لاستجواب الوزير السابق عبد الله حول التهم الواردة في دعوى النيابة العامة المالية، ويحدد على ضوء ذلك قراره إما بتوقيفه أو بتركه، وإن كان الترك أقرب إلى المنطق في ظل الحديث عن تغيير لقانون المجلس الأعلى لأنه يستبعد أن تنتهي هذه القضية الشائكة في المدى المنظور وقبل ولوج النواب في ورشة التعديل المرتقبة. وبنت محكمة التمييز رأيها على وجوب التفريق بين نوعين من الأفعال التي يمكن ان تنسب إلى الوزير، أي الإخلال بالواجبات الدستورية واستغلال السلطة وتجييرها لمصلحته لكي ينتفع منها شخصيا هو أو من هم حوله. ماذا في القرار؟ باسم الشعب اللبناني ان الغرفة الثالثة لدى محكمة التمييز المؤلفة من الرئيس عفيف شمس الدين والمستشارين محمد مكي وجورج حيدر. لدى التدقيق والمذاكرة: تبين ان الوزير السابق علي عبد الله قدم بتاريخ 20/10/2003 طلب نقض على القرار الصادر عن الهيئة الاتهامية في بيروت وذلك بوجه الحق العام وطلب ثبوته شكلا ونقض القرار المطعون فيه. بناء عليه: اولا: في الشكل: حيث قدم طلب النقض ضمن المهلة القانونية موقعاً من محام مرفقة به الوكالة وصورة طبق الاصل عن القرار المطعون فيه كما ابرز الايصال المالي مثبتاً دفع التأمين المطلوب فتكون الشروط العامة متوفرة. وحيث ان طلب النقض يتعلق بقرار صادر عن الهيئة الاتهامية كان بت بدفع شكلي يتعلق بالصلاحية فانه عملا بالمادتين 311 و73 من قانون اصول المحاكمات الجزائية يقبل طلب النقض شكلا دون حاجة لتوفر الشرط الخاص المنصوص عنه في المادة 306 من القانون المذكور ما يقضي بقبول طلب النقض شكلاً. ثانياً: في الأساس: ادلى طالب النقض بعدة اسباب تستعرضها وتناقشها المحكمة تباعاً: السببان الاول والثاني: اورد طالب النقض هذين السببين تحت عنوان: »في الاساس« من استحضاره التمييزي وفي الاول منهما طلب قبول مراجعته لانها تتعلق بدفع شكلي بعدم الصلاحية وفي السبب الثاني اورد انه لا حاجة لتوفر الشرط الخاص المتمثل في الاختلاف في الوصف القانوني بين قاضي التحقيق والهيئة الاتهامية لقبول طلبه. وحيث ان هذين السببين يتعلقان بالشكل وقد سبق للمحكمة ان قالت اعلاه تحت عنوان: »اولا في الشكل« ان بحثت في هذين السببين وبالتالي ليس من حاجة لمناقشتهما مجدداً طالما قررت قبول الطلب شكلا. السبب الثالث: ان نص المادة 70 من الدستور لا تميز بين الواجبات المترتبة على رئيس مجلس الوزراء والوزراء مما يقضي بوجوب محاكمة الوزير امام المجلس الاعلى. السبب الرابع: ان محاكمة الوزراء ورئيسهم من قبل المجلس الاعلى لا يعتبر مساساً بمبدأ مساراتهم بالناس او خرقاً لمبدأ العدالة. السبب الخامس: لان محاكمة الوزراء ورئيسهم من قبل المجلس الاعلى لا يحول دون تطبيق قانون العقوبات. السبب السادس: لان صلاحية المجلس الاعلى لمحاكمة الوزراء ورئيسهم، بصرف النظر عن آلية عمله، هي المعمول بها منذ وضع الدستور حتى الفترة الاخيرة. السبب السابع: لان الصلاحية لمحاكمة الوزراء ورئيسم بسبب اخلالهم بواجباتهم الوزارية تبقى خياراً قائماً بين المجلس الاعلى والقضاء العادي وفقاً لاسبقية التحرك. السبب الثامن: لان ادعاء النيابة العامة المالية لم ينسب اعمال اختلاس وتزوير لطالب النقض الوزير السابق علي العبد الله. السبب التاسع: لانه وعلى سبيل الاستطراد فالوقائع متصلة جميعها بموجبات الوزير السابق وغير منفصلة عنها مادياً وفكرياً وفقاً لما ذهبت اليه محكمة جنايات بيروت في القرار التعلق بالوزير برسوميان. السبب العاشر: لان الافعال المنسوبة للوزير السابق علي عبد الله وعلى سبيل الاستطراد الكلي تدخل في مفهوم الافعال المتصلة مباشرة بممارسته لمهامه الوزارية وفقاً لما استقرت عليه الهيئة العامة لمحكمة التمييز. وتبين ان النيابة العامة التمييزية قدمت مذكرة اوردت فيها ما يلي: انه استناداً الى المادة 70 من الدستور وكذلك الى المادة 66 منه واللتين تكلمتا عن الحصانات والمرجع العائد له محاكمة الوزراء ورئيسهم وكذلك رئيس الجمهورية والآلية التي حددتها كل منهما فان اختصاص المجلس الاعلى بالجرائم التي يرتكبها الوزير من ضمن ممارسته الوظيفة والتي يغلب عليها الطابع السياسي الاداري الامر الكرس في الاجتهاد الفرنسي الحديث الذي يعتبر ان صلاحية المجلس الاعلى محصورة بما يرتكبه الوزير ضمن ممارسته الوظيفة، وليس كل ما يتم اثناء او عرض هذه الوظيفة وفي الختام طلبت قبول الطلب اذا توفرت شروطه واساسه رده للاسباب المدلى بها. بناء عليه: حيث ان مضمون الاسباب لتي يدلي بها طالب النقض ومحتوى ما ورد في مذكرة النيابة العامة التمييزية يجعل المسألة المطروحة للحل تختصر في معرفة ما اذا كان القضاء العدلي مختصاً للنظر بالدعوى الحاضرة ام ان الامر يخرج عن اختصاصه ليدخل في اختصاص المجلس الاعلى. وحيث انطلاقاً من ذلك فان المحكمة ستبحث في جميع الاسباب المدلى بها مجتمعة وعلى ضوء ما ورد في مذكرة النيابة العامة. وحيث ان طالب النقض جرت ملاحقته بموجب ادعاء من قبل النيابة العامة المالية بموجب ورقة الطلب رقم 780/2003 تاريخ 2/9/2003 مع آخرين بانهم اقدموا على اختلاس الاموال العامة الموكولة اليهم ادارتها في مشروع التعاون الزراعي اللبناني الاميركي وذلك عن طريق دس الكتابات غير الصحيحة والتحريف والتزوير في المستندات والاوراق الرسمية، واستعمال المزور بالتدخل والاشتراك مع باقي المدعى عليهم الجرائم المنصوص عنها في المواد 359 و360 و456 و457 و459 و454 و363 و373 معطوفة على المواد 213 و219 و257 و350 من قانون العقوبات، فتقدم طالب النقض الوزير السابق علي عبد الله بمذكرة دفوع شكلية، طلب فيها، امام قاضي التحقيق الاول اعلان عدم صلاحية القضاء العدلي فأصدر قاضي التحقيق الاول في بيروت بتاريخ 18/9/2003 قراراً قضى برد الدفع الشكلي المدلى به، فتقدم باستئناف عليهذا القرار امام الهيئة الاتهامية في بيروت التي اصدرت القرار المطعون فيه بتاريخ 13/10/2003 قالت فيه بان قرار قاضي التحقيق الاول الذي حفظ صلاحية القضاء العدلي لملاحقة المدعى عليه الوزير السابق علي عبدالله واقع موقعه القانوني وقضت برد استئناف وتصديق قرار قاضي التحقيق الاول فجاء طالب النقض امام هذه المحكمة يطعن بقرار الهيئة الاتهامية طالباً نقضه واعتبار ان القضاء العدلي غير صالح بملاحقته وان هذا الامر يعود للمجلس الاعلى متذرعاً بالاسباب التي جرى تعدادها اعلاه. وحيث انه من استعراض الجرائم المنسوبة الى طالب النقض يتبين تقع تحت عناوين مختلفة من قانون العقوبات وهي: اختلاس واستثمار الوظيفة وتزوير جنائي واخلال بواجبات الوظيفة. وحيث اذا كانت المادة 70 من الدستور اللبناني قد نصت على ان لمجلس النواب ان يتهم رئيس مجلس الوزراء والوزراء بارتكابهم الخيانة العظمى او باخلالهم بالواجبات المترتبة عليهم، ثم حددت المادة 71 المجلس الاعلى كمرجع لمحاكمة رئيس مجلس الوزراء والوزراء فان ذلك محصور بحالة اركابهم الخيانة العظمى او اخلالهم بالواجبات المترتبة عليهم. وحيث انه من البديهي القول ان الواجبات المترتبة على الوزير والتي اذا اخل بها يتهم من قبل مجلس النواب ويحاكم امام المجلس الاعلى هي تلك التي ستمد مفهومها من الطبيعة السياسية والدستورية لعمل الوزير وجوهر مهامه الوزارية كما هي مقررة في القوانين المرعية وهي الداخلة ضمن صلاحيته كوزير والمتصلة مباشرة بممارسة مهامه، القانونية الوزارية، ولا يدخل ضمنها الاعمال التي تشكل جرائم عادية مثل تلك التي نسبت الى طالب النقض من اختلاس وتزوير جنائي واستثمار الوظيفة. وحيث من هنا يقتضي التفريق بين نوعين من الافعال التي يمكن ان تنسب للوزير: نوع يتعلق باخلاله بواجباته الدستورية اي الاعمال التي تتطلبها ممارسته لهذه الواجبات، ونوع آخر يختلف عنها تماماً عندما يرتكب الوزير ما يشكل جرائم فاضحة فيها استغلال السلطة وتحويلها عن طريق احلال مصلحته الخاصة محل المصلحة العامة وهي مما لا يكن على الاطلاق ربطها بواجباته المحكي عنها في المادة 70 من الدستور لان الاخلال بواجباته الوارد ذكرها في المادة 70 يخرج عن نطاق الجرائم العادية مثل التزوير والاختلاس واستثمار الوظيفة. وحيث ان التفريق بين هذين النوعين من الافعال يستدعي ان يوكل امر الملاحقة في كل منهما الى مرجع يختلف عن الآخر فاذا كانت مما يشكل جرائم عادية فان القضاء العدلي يكون مختصاً للنظر فيها، اما اذا كانت من الافعال التي ترتدي طابع العمل السياسي او الدستوري او الوظيفي المحض فان امرها متروك لمجلس النواب كسلطة اتهام وللمجلس الاعلى كسلطة للمحاكمة. وحيث تأسيساً على ما تقدم فانه بصرف النظر عن مدى صحة الافعال المنسوبة الى طالب النقض فان امر البت بها يعود للقضاء العدلي ويكون قرار الهيئة الاتهامية المطعون فيه عندما اتخذ هذا المنحى واقعاً موقعه. لذلك: تقرر المحكمة بالاتفاق: 1 قبول طلب النقض شكلا 2 وفي الاساس رده وتصديق القرار المطعون فيه ومصادرة التأمين وتضمين طالب النقض الرسوم. رد النيابة العامة وكان المحامي العام التمييزي القاضي مختار سعد قد قدم للمحكمة مذكرة رد فيها على ما طلبه وزير الزراعة السابق وخلص فيها الى انه من المتعارف عليه انه لا يمكن لاعتبار الفعل الجرمي ناشئا عن الوظيفة، ان يكون الموظف قد ارتكبه اثناء قيامه او في معرض ممارستها وانما ينبغي ان يكون الفعل قد ارتكب بسبب الوظيفة او بسبب القيام بها، او بعبارة اخرى ان تكون طبيعة الوظيفة او ظروف القيام باعمالها تفرض مثل هذا الفعل. وقد اعتبر ان فعل التزوير المرتكب من قبل موظف رسمي في سجلات الدولة لا تفرضه الوظيفة ولا ممارسة اعماله بل المفروض هو العكس اذ ان الموظف مؤتمن على السجلات وحسن تنظيمها وبالتالي لا يدخل هذا الجرم ضمن نطاق الحصانة الادارية للموظف. كما اعتبر ان الجرم لا يكون ناشئا عن الوظيفة الادارية لو حصل اثناء ممارسة الوظيفة او بمناسبتها اذا كان ممكنا فصله عنها بالنظر لجسامته او لسوء نية الموظف الصادر عنه، وقد اعتبرت اخطاء شخصية يمكن فصلها عن الوظيفة لارتكابها من الموظف عن سوء نية اي بقصد إحداث الضرر للغير او لتحقيق مصلحة شخصية تكون على درجة من الجسامة المتناهية او ان يسيء استعمال سلطاته بصورة فاضحة وخطيرة. وحيث انه من المتعارف عليه ان من اهم الأركان لأي تصرف او عمل يقوم به المسؤول في الدولة ان تكون له غاية مشروعة بحيث ان هذا المسؤول يخضع لدى اتخاذ قراراته لقاعدة عامة هي ألا يهدف من وراء عمله إلا لتحقيق مصلحة عامة، فإذا ما خرج على هذا المبدأ او سعى الى تحقيق نفع شخصي، فإنه يفقد صفته كفرد من افراد الادارة او المسؤول في الدولة مهما علت رتبته ويصبح كأي مواطن عادي مسؤول عن تصرفاته واعماله ويحاكَم امام المحاكم العادية بحال ارتكابه اي جرم يعاقب عليه القانون. وحيث ان العلم والاجتهاد اعترف للمحاكم العدلية بالصلاحية عندما تكون الاعمال الصادرة عن المسؤول تعبث بحقوق فوّض الشرع الى هذه المحاكم واجب المحافظة عليها سيما اذا كان هذا المسؤول مؤتمنا عليها. وأنه لو سلمنا جدلا ان المادة 70 من الدستور تعطي الوزير حصانة قضائية، فإن هذه المادة يجب ان تفسر بشكل حصري، لأن الحصانة القضائية استثناء على مبدأ الصلاحية العامة للقضاء الجزائي العادي وبالتالي لا يجوز توسيع اطار الحصانة بالشكل الجاري حاليا، بحيث باتت تطبق على كافة الجرائم التي يرتكبها بعض الوزراء بحجة انها تمت »بمعرض« او »بمناسبة« ممارستهم لوظيفتهم. وان اي تفسير آخر يؤدي الى اعطاء الوزير حصانة تتحول عند التطبيق الى نوع من الحصانة المطلقة او اللامسؤولية الجزائية للوزير. وتعطي المادة 70 من الدستور المجلس النيابي حق اتهام الوزراء في حال »اخلالهم بواجباتهم«. وواجباتهم، هي بشكل عام، ما تنص عليه الفقرة الثانية من المادة 66 من الدستور: »يتولى الوزراء ادارة مصالح الدولة ويناط بهم تطبيق الانظمة والقوانين كل بما يتعلق بالامور العائدة الى ادارته وبما خص به«. واخلال الوزير بواجباته »يفترض ان يفسر على ضوء هذه المادة بشكل حصري، كامتناع الوزير عن قيامه بواجباته الوزارية، امتناعه عن الاخذ بالمصلحة العليا للدولة، عدم قيامه بإصدار الانظمة والقرارات اللازمة، الذم والقدح في التصاريح المتعلقة بعمله الوزاري وبسياسة الحكومة وكل ما يرى المجلس الاعلى والمجلس النيابي انه جرم تجب الملاحقة على اساسه. وبذلك يحصر اختصاص المجلس الاعلى بنوع معين من الجرائم السياسية التي يرتكبها الوزير من ضمن ممارسته لوظيفته الامر الذي نقترب معه من المفهوم المكرّس في الاجتهاد الفرنسي الحديث الذي يعتبر ان صالحية المجلس الاعلى محصورة بما يرتكبه الوزير ضمن ممارسته لوظيفته، وليس كل ما يتم اثناء او بمعرض هذه الوظيفة. وفي لبنان، فان اتباع نفس التحليل يعطي للنص بعده الكامل خاصة اذا ما استأنسنا بما قررته محكمة التمييز بالنسبة لمفهوم الجرم »الداخل في الوظيفة« وذلك في معرض بحثها في حصانة الموظفين: لا يكفي اعتبار الفعل الجرمي ناشئا عن الوظيفة ان يكون الموظف قد ارتكبه اثناء قيامه بوظيفته او في معرض ممارستها، وانما ينبغي ان يكون الفعل قد ارتكب بسبب الوظيفة او بسبب القيام باعمالها، او بعبارة اخرى ان تكون طبيعة الوظيفة او ظروف القيام باعمالها تفرض مثل هذا الفعل. وبناء عليه قضي بأن الضابط العدلي الذي يلجأ الى استخدام العنف لانتزاع اقرار من المدعى عليه اثناء استجوابه لا يتمتع بالحصانة الإجرائية... لأنه تجاوز حدود وظيفته التي تمنع عليه مثل هذا الاجراء غير المشروع، ذلك الاجراء الذي لا تفرضه طبيعة عمله كما لا يفرضه قيامه باعمال وظيفته«. وهذا ما قررته محكمة التمييز اللبنانية بقرارها رقم 1954369 عاليه ص 308 حيث ورد: »ان طلب المأذونية (إذن الملاحقة) يشترط فيه ان يكون الفعل الجرمي المنسوب للمأمور قد ارتكب بسبب المأمورية او بسبب ممارسة اعمالها، لا ان يكون الموظف قد اتى عملا شخصيا يخرج عن وظيفته ولا تفرضه الوظيفة عادة، فيكون كل تزوير من قبل موظف رسمي في سجلات الدولة لا تفرضه الوظيفة ولا ممارسة اعماله، بل المفروض هو العكس اذ ان الموظف مؤتمن على السجلات وحسن تنظيمها وصيانة قيودها، فإذا خالف الموظف واجبه هذا فلا تبقى من حاجة لطلب المأذونية بالمحاكمة لان الموظف يفقد المناعة الادارية ويصبح كباقي الافراد من حيث الشروع بالملاحقة«. ان موقف محكمة التمييز الذي يعتبر انه لا يدخل ضمن نطاق الحصانة الادارية للموظف كل عمل لم يُرتكب بسبب الوظيفة او بسبب ممارستها وكل عمل لا تفرض الوظيفة القيام به، هو موقف يمكن تعميمه على حالة ملاحقة الوزراء، الامر الذي يتوافق بدون شك مع نص المادة 70 من الدستور اللبناني. وقد اكدت محكمتكم بقرارها الصادر بتاريخ 24/3/1999 هذا المبدأ بالدعوى المتعلقة بالوزير السابق برسوميان، معتبرة ان القضاء العادي الذي هو السلطة صاحبة الولاية الشاملة للنظر في كل الجرائم التي يوكل امر النظر فيها حصرا الى مرجع آخر، وبالتالي يعود للقضاء العادي الحق والصلاحية والصفة لمباشرة الدعوى العامة ومتابعتها ليس فقط بالنسبة لجرائم الوزراء العادية حتى بالنسبة للجرائم المحددة في المادة 70 من الدستور في حال لم يستعمل المجلس النيابي بالافضلية صلاحيته وان الدليل على صحة هذا القول هو ما جاء بمستهل نص المادة 70 المذكورة من ان لمجلس النواب ان يتهم الوزراء. ولو شاء الدستور ان يمنح الوزراء في نص المادة 70 ما سبق ومنحه لرئيس الجمهورية في نص المادة 60 من ضمانة قصوى متعلقة بالاصول لناحية الهيئة الوحيدة المحددة لاتهامهم وثم لمحاكمتهم خاصة عن الجرائم المحددة في المادة 70، لكان فعل ذلك صراحة باستعمال نفس التعابير او على الاقل بما يفيد ذلك، خاصة ان نص المادة 60 سابق لنص المادة 70 من الدستور. وحيث انه على ضوء ما تقدم فإن الجرائم المنسوب ارتكابها للمميز المدعى عليه لجهة قيامه باختلاس اموال عامة الموكولة اليه ادارتها في مشروع التعاون الزراعي اللبناني الاميركي عن طريق دس الكتابات غير الصحيحة والتحريف والتزوير في المستندات والاوراق الرسمية واستعمال المزور مع علمه بالامر اثناء توليه الوزارة، لا تدخل ضمن الجرائم التي نصت عليها المادة 70 من الدستور اذ انها لا تشكل خيانة عظمى كما انها لا تدخل في باب الاخلال بالواجبات المرتبة عليه كوزير ولو حصلت اثناء قيام الوزير بمهامه او في معرض ممارسته وظيفته باعتبار ان هذه الافعال لا تفرضها ظروف عمله كوزير ولا طبيعة عمله او ظروف قيامه باعمال وزارته التي لا تفرض عليه القيام بمثل هذه الجرائم المنسوبة إليه، وبالتالي فإن هذه الجرائم لا تعتبر امتداداً لمسؤوليته السياسية التي يخضع فيها لمراقبة مجلس النواب، بل تعتبر من الجرائم الشخصية العادية الذي يتحمل مسؤوليتها الجزائية امام المحاكم العدلية. مما يقتضي رد طلب النقض اساساً لعدم قانونيته. لذلك: ولما تراه محكمتكم عفواً، نطلب: اولا: قبول طلب النقض شكلا بحال توفر الشروط المنصوص عنها في قانون اصول المحاكمات الجزائية. ثانياً: في الاساس رده لعدم قانونيته للاسباب المدلى بها. ثالثاً: تدريك طالب النقض جميع الرسوم والمصاريف.