As Safir Logo
المصدر:

قصف عين الصاحب: الوطنية السورية على المحك

المؤلف: عوض ميخائيل التاريخ: 2003-11-18 رقم العدد:9654

العدوان الاسرائيلي »قصف عين الصاحب«، والحملة الاميركية، بإقرار قانون محاسبة سوريا، والتصريحات النارية لبوش وفريق الصقور في الادارة الاميركية، وإعلان شارون، وقادة أركانه، أن الاعتداءات على سوريا ستستمر »إذا استمرت الانتفاضة الفلسطينية« وإذا لم تغير من مسلكها ودورها، ومحاولة فرض تغيير السياسات السورية وصولا لتغيير النظام برمّته. وتشير المطالب الاميركية الى أن الاهداف الاميركية الاسرائيلية تتعدى كثيراً مجرد الضغط، واستطلاع الردود السورية »بالنار« أو مجرد إرسال رسائل ساخنة رداً على عملية حيفا، والردود المشروعة للمقاومة الفلسطينية على المجازر التي ترتكب في وضح النهار. المطلوب، أميركيا، (والاميركي، هنا اسرائيلي بامتياز) أولا، خروج سوريا على طبيعتها وانقلابها على دورها وخاصياتها التاريخية. وثانيا، انخراط سوري واضح في المشروع الاميركي بإعادة هيكلة المنطقة على قياس المصالح القومية الاميركية، وبما يُخرج إسرائيل من أزماتها ويطوّبها سيدا أبديا على المنطقة العربية، والاقليم كامتداد هجومي للامبراطورية الاميركية الجاري فرضها على العالم، وعلى سوريا بالمنطق الاميركي الاسرائيلي تجاوز دور الاردن ومصر وبعض السلطة الفلسطينية، فعليها أن تسحب سلاح المقاومة في لبنان وتصفيها، وتطرد المنظمات الفلسطينية من سوريا، وان تدفع بجيشها الى الحدود الشرقية لحماية الجارة الجديدة »أميركا في العراق« والمطلوب أيضا إعادة هيكلة بنية سوريا وتكييفها مع الاتجاهات الاميركية لِلَبْرَلَة الاقتصاد العالمي والعربي، وان تفتح اقتصادها للمقاولة والتجارة الحرة، وان تنهي حالة العداء لإسرائيل من الثقافة، والمجتمع، وان تقلّص جيشها، وتدمر صواريخها وأسلحتها التقليدية، وتفتح بنيتها الامنية والمصرفية للرقابة الاميركية، عدا عن مهمة الانخراط في الحرب على »الارهاب«، والارهاب »الفلسطيني« خصوصا، و»العربي والاسلامي« لأن الاسلام والعروبة مرادفان لتعبير الارهاب الاميركي. في مقابل ذلك، ماذا يُعرض على سوريا »الامن مقابل السلام« »الاستسلام للحفاظ على النظام« أما مبدأ السلام بحسب مدريد، وقرارات الشرعية الدولية، والسلام مقابل الارض، فتلك من وصفات أيام زمان، ومن قرارات شرعية دولية لم تعترف بها أميركا وإسرائيل ولا تعترفان. والخيارات المطروحة أمام سوريا، محدودة كما مساحة المناورة، فإما الشروع بالتنفيذ بلا نقاش او »حرب تدمير بنية سوريا، وإسقاط نظامها، وإخضاع شعبها« على الطريقة الجارية في العراق وفلسطين. السؤال، إذا استجابت سوريا وغيرت من طبيعتها وقبلت الاملاءات، هل ستنعم بالاستقرار؟ جدلاً، وبافتراض ان القيادة السورية لديها خيار أن تقبل الاملاءات وتلتزمها، فلن تنعم باستقرار، ولن يحفظ نظامها، ولا كيانها ودورها، والشواهد الواقعات كثيرة جداً، كما طبيعة الظروف والمهام المطلوب من سوريا إنجازها أميركيا وإسرائيليا. ماذا تستطيع سوريا في مواجهة المقاومة اللبنانية التي هزمت اسرائيل وأميركا محتدتين وعلى الرغم من وجود قواتهما العسكرية على الارض اللبنانية »120 ألف جندي اسرائيلي وقوات أطلسية« ووجود أحزاب وحكومات »لبنانية« موالية لإسرائيل وأميركا؟ أكثر ما تستطيعه سوريا »إذا انقلبت على مسلمّاتها وطبيعتها« أن تقحم نفسها في معركة ليست معركتها، ولن يغطّيها السوريون، بل من شأن تغيير جوهري في موقف سوريا »الدفاع عن حق المقاومة ومشروعيتها« وهي الوسيلة الوحيدة التي تعطيها القدرة على التأثير في خيارات المقاومتين الفلسطينية واللبنانية، أن يغيّر قواعد التوازن واللعبة في البنية اللبنانية ذاتها، فللمقاومة رصيد ونفوذ جماهيري واسع لا يُستهان به، ولها حلفاء »المخيمات«، وأنصار في البيئة الاسلامية الموصوفة بالتطرف »وقد باتت القوى الأكثر وزناً في الاوساط السنية« ما يجعل أي تحرّش بالمقاومة، من قبل الجيش اللبناني او الجيش السوري، سببا مباشرا في إعادة تفجير السلم الأهلي، وإطلاق العنان لحالة فوضى عاصفة تشكل البيئة المناسبة لتجميع القوى والجماعات العربية والدولية التي ترغب بإيجاد خط تماسّ مباشر مع العدو الصهيوني، وعندها ستنقلب الدنيا رأساً على عقب وسيكون السوريون أكثر الخاسرين، حيث لن يكون أميركيا أو أوروبيا او إسرائيليا واحد قادرا على العودة الى بيروت لفرض الاستقرار والهدوء مرة أخرى، فما بالك ببعض الرموز الواهمة التي امتهنت الرهان على الخارج والانقلابات وخسرت كل رهاناتها؟ كما في لبنان كذلك الأمر بما يخصّ المقاومة في فلسطين والعراق، والسؤال، ماذا تقدم سوريا للمقاومة الفلسطينية، غير المنبر الاعلامي، وتأمين ملاذ آمن لممثلي المنظمات الفلسطينية، ورفض وصفها ب»الارهاب«، وتمسكها بالدفاع عن حقها في الجولان، وثوابتها الوطنية والقومية؟، وماذا ستحصد إذا طردتهم وتحوّلت الى ما هي عليه القاهرة »علماً ان القاهرة تستضيفهم في جولات الحوار« او عمان، بكل تأكيد ستخسر القدرة على التأثير في الملف الفلسطيني، وستتحول من حليف الى عدو، ولن يترك هذا التحول أي فاعلية تذكر على مسار الانتفاضة، او على قدرات قواها وصمود شعبها »لأنها وطّنت نفسها على غياب الدعم العملي العربي والعالمي« في حين ستحصد سوريا العداء الشعبي السوري، والعربي، كما هي عليه الحكومة المصرية والاردنية والعربية التي انخرطت في محاولات إجهاض الانتفاضة، وبادرت وسعت ولم تفلح »المبادرات المصرية الاردنية تينت تغيير القيادة الفلسطينية خريطة الطريق«، الامر نفسه مع المقاومة العراقية، فما الذي تحصده سوريا إذا تحوّلت عن موقفها بالدفاع عن الشرعية الدولية وحق العراقيين بالمقاومة لتحرير وطنهم وثرواتهم؟ وما الذي تستطيعه سوى حماية الجار الاميركي »المعتدي والمتمرد على الإرادة الدولية، والهادف الى إسقاط العرب وعلى رأسهم سوريا«، وإرسال قوات تحت إدارته في مواجهة الشعب العراقي ونضاله »الأمر الذي ترفضه جميع دول العالم، ويرفضه الشعب العراقي نفسه، ومسألة يستحيل تمريرها في الشارع السوري »الاكثر عداء للأميركيين وتأييدا للمقاومة في العراق«. في التعاطي السوري مع الشروط الاميركية، ومع الاعتداء الاسرائيلي، محاولة للاستثمار في مساحات مفترضة، ورهان على البراغماتية في إدارة اللحظة السياسية، على قاعدة التمسك بالحوار، والبحث عن المشتركات، ودفع الضرر الأعلى بالضرر الأدنى، وتقديم تنازلات بالشكل والجزئي، والرهان على تباينات في الادارة الاميركية »تلك السياسات دأبت عليها سوريا منذ فترة طويلة، أثمرت خلالها تحولات في صالحها، فأضافت الى رصيدها وموقعها العربي والاقليمي، وراكمت على قاعدتها سمعة ممتازة وتأييدا متعاظما في الأوساط الرسمية والدبلوماسية العالمية والعربية وفي الأوساط الشعبية، وحسنت من أوراقها والقدرة على استثمارها بما في ذلك استراتيجية العمل على الحافة، التي اشتُهرت بها طوال مدة الرئيس الراحل حافظ الأسد. غير أن اللحظة السياسية الراهنة، وحجم المأزق الاميركي في العراق، والاسرائيلي في فلسطين وطبيعة القيادتين الاسرائيلية والاميركية، والدرجة التي بلغها المخطط الرامي الى تعويم اسرائيل كإمبراطور اقليمي يرتكز عليه المشروع الامبراطوري العالمي، ودخول العالم مرحلة انتقالية يعاد تشكله على قواعد مختلفة عما آلت اليه نهاية القرن الماضي، والتحولات في البيئة الاقليمية العربية وفي آسيا، وأميركا اللاتينية وأوروبا، قلصت كثيرا المساحات المسموح اللعب فيها، وباتت الخطوات محسوبة، الصغيرة كما الكبيرة، ولم يعد أمام سورية الكثير من الوقت والمساحة للمناورة، فإما أن تستجيب، او أن تستعد للحرب، وصدّ الاعتداءات الاسرائيلية والاميركية. في الغد، إذا ما قامت إحدى المنظمات الفلسطينية المعروفة او جماعات جديدة تفرزها الأزمة ويحفزها حجم العدوانية الصهيونية والانحياز الاميركي بعملية عسكرية ستكون سوريا تحت الضرب، او يسقط شارون ويصل الى الطريق المسدود، وإذا ضربت سوريا مرة أخرى فلن يقبل منها أحد مقولة الرد الدبلوماسي، او اختيار الزمان والمكان المناسبين للمعركة، ولا حجة أن اسرائيل تسعى الى جر سوريا الى الحرب وسوريا لن تنجرّ، ولسبب او آخر ستقع عمليات عسكرية إما في فلسطين، او في شمالي فلسطين، او يتطور الصراع في العراق، او أن توفق المقاومة العراقية بعملية نوعية، وليس لسوريا القدرة على وقف ذلك او الحؤول دونه، لأنها لا تملك زمام التقرير بتواريخ ونوعية أعمال المقاومات الثلاث، عند ذلك تستحق لحظة قاسية، تفتح المنطقة على احتمالات شتى بينها تصعيد التوتر بمعدلات مختلفة. في ارتقاب ذلك لا يفيد عند وقوع الحدث الاستعداد. بل يجب أن يكون قد بدأ منذ فترة طويلة ويفترض أن الجهود تسارعت خلال المرحلة القريبة المنصرمة »العليق لا ينفع عند الغارة«. مما لا شك فيه أن المرحلة حرجة وحبلى، ومفتوحة على كل الاحتمالات، يبدو احتمال الحرب العاصفة المفتوحة مؤجلاً، لكنه احتمال قائم، قد يتقدم في أية لحظة تحت ضغط أزمة المشروع الآخر، او بسبب عمى إيديولوجي وحسابات خاطئة، ولان سوريا بالاصل مستهدفة وشكلت وتشكل العقدة في طريق تمرير المشاريع الاميركية الاسرائيلية المُعدّة للمنطقة والعالم. سوريا الوطن مستهدفة، والبدائل المطروحة، احتلال، او حكومة احتلالية مباشرة او بالوكالة كمثل العراق، وفلسطين يجري التركيز الاعلامي على السلطة، وعلى مواقفها في الصراع الدائر على المنطقة، لأنها مواقف وطنية تعبر عن إرادة الإجماع السوري والشعبي العربي، وفي هذه المرحلة يبدو الجميع مستهدَفين، عندما تستهدف سوريا بما هي قلب نابض للعروبة، وآخر المواقع الحصينة للدفاع عن الأمة وحقوقها ومصالحها. (*) كاتب لبناني.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة