توفيت الممثلة المصرية زوزو حمدي الحكيم، في الثامن من تشرين الثاني الجاري، بعد أعوام عدّة أمضتها مريضة في عزلة شبه تامة، بعيدا عن أضواء الشاشة العربية وخشبة المسرح، بسبب إصابتها بالشلل، في أواخر ثمانينيات القرن الفائت، فظلّت أسيرة كرسي متحرّك أعانها على التنقّل في داخل منزلها، الذي لم تطأه قدما صديق أو قريب، باستثناء ابنتها وأحفادها، فهم »يملأون عليّ الدنيا«، كما قالت في حوار صحافي نشرته »أخبار النجوم« في الأول من نيسان 1995، حمدت فيه »الله لأنني عشت حتى رأيت أحفاد ابنتي«. في منتصف التسعينيات المنصرمة، كرّمتها »جمعية الفيلم« في القاهرة، وفي الدورة السادسة ل»المهرجان القومي للسينما المصرية« (حزيران 2000)، وضع الناقد السينمائي المصري سمير فريد كتابا عنها بعنوان »زوزو حمدي الحكيم، رائدة للتمثيل والتنوير«، أصدره »صندوق التنمية الثقافية« في »وزارة الثقافة« المصرية. لم يجد الناقد سمير فريد مدخلا لكتابه عنها أفضل من إعادة سرد تاريخي لفن التمثيل وواقعه الاجتماعي في مصر، منذ مطلع القرن العشرين، فبدا كأنه راغب في استعادة تجربة إنسانية لعبت دورا في عملية التحديث الفعلي في الثقافة والمجتمع والعلاقات البشرية والتواصل مع الآخر، التي أطلقها محمد علي منذ مطلع القرن التاسع عشر، وكانت »مصر تخرج من عصورها الوسطى«. هذه الصورة التي قدّمها فريد بإسهاب في الفصول الثلاثة الأولى، أعانت القارئ على إعادة صوغ المشهد التحرّري الذي عرفته مصر منذ أيام محمد علي، والذي واجه تحدّيات جمّة، قبل أن يتبلور إلى حدّ كبير في الثلث الأول من القرن المنصرم. هذا كلّه للإشارة، من بين أمور أخرى، إلى الدور النسائي الكبير الذي لعبته مجموعة من النساء المصريات بقرارهنّ خوض الحياة الاجتماعية بالثقافة والفنون. حب التمثيل وإثبات الوجود أما سبب اختيار »رائدة للتمثيل والتنوير« عنوانا للكتاب المذكور، فكامن في ما أشار إليه سمير فريد نفسه: أولا، لأنها »كانت من بين عشر طالبات نجحن في امتحان القبول بمعهد التمثيل عام 1930، وكان أول معهد حكومي من نوعه في مصر والعالم العربي. وكانت إحدى سبع منهنّ لم يمثّلن من قبل (...)«. وثانيا، لأنها »لم تتقدّم إلى امتحان القبول في المعهد حبّا في التمثيل فقط، وإنما أيضا لإثبات أن المرأة في مصر خرجت من الحرملك، وخلعت الحجاب، وأصبحت تمارس دورها في الحياة كإنسانة، وفي المجتمع كمواطنة مثل الرجل«. لا شكّ في أن زوزو حمدي الحكيم أثبتت جدارة في احتلالها موقعا بارزا في المشهد الفني المصري، في لحظات التحوّل التاريخي في مصر. فهي عاصرت تجربة سعد زغلول في تحديث المجتمع المصري، ودخلت عالم التمثيل بعد التجارب المتواضعة والمهمة التي خاضتها نساء عربيات، لعلّ أبرزهنّ، بحسب سمير فريد، مريم سماط (1870 1935)، المسيحية القادمة من سوريا، وهي أول امرأة تقف على خشبة المسرح (1890). علما أن التمثيل في هذه الفترة كان حكرا على يهوديات ومسيحيات، قبل أن تكسر هذا الإطار المغنية منيرة المهدية (1895 1965)، التي باتت الممثلة (المسلمة) المصرية الأولى، بتقديمها أول دور لها في العام 1915. هذا كلّه حدث في القاهرة قبل افتتاح معهد التمثيل، في العام 1930، وإغلاقه بعد عام واحد فقط، »بسبب وجود طالبات مع الطلبة«، إثر الحملات العنيفة التي قادها متعصّبون ومحافظون تقليديون، متمسّكون بأفكار بائدة، استخدموا مادة الرقص سببا لحملتهم ضد هذا المعهد. في هذه الفترة، انتسبت زوزو حمدي الحكيم إلى المعهد، وتركته قبل فترة وجيزة على صدور قرار إغلاقه. في كتابه عنها، لم يستطع سمير فريد أن يحصل منها على معلومات أكيدة وحاسمة حول سبب تركها، وحول ما حصل بينها وبين يوسف وهبي، وقصة »مادة الرقص« هذه، فهي »اعتذرت عن عدم اللقاء لأسباب صحية، أو هكذا قالت من ردّت على التلفون« (ص 99). ولدت زوزو حمدي الحكيم في العام 1912، في قرية »سينتريس« في المنوفية، التي أنجبت أيضا الأديب زكي مبارك. الاسم محرّف عن الاسم الأصلي »سانت تيريز«، الذي أطلقه الفرنسيون عليها عندما جاؤوا هذه البقعة الجغرافية في منطقة الدلتا، وأعجبوا بها كثيرا. لكن الفلاحين، على مرّ السنين، باتوا يسمّونها »سنتريس«. نالت حمدي الحكيم قسطا من العلم بانتسابها إلى مدرسة المعلمات، وكانت تقرأ شعر مبارك الذي وصفها ب»مريضة الزمالك«، إذ إنها عاشت حياتها فيها. التحقت بمعهد التمثيل فور افتتاحه، في العام 1930، وقدّمت امتحان الدخول أمام لجنة مؤلّفة من طه حسين وجورج أبيض وزكي طليمات (مؤسّس المعهد): أشار سمير فريد إلى أن لجنة كهذه لم تختر زوزو حمدي الحكيم »ضمن عشر ناجحات من بين 39 تقدّمن إلى الامتحان، إلاّ بناء على معايير دقيقة«، مضيفا »أنها كانت تعرف من الشعر والأدب ما يكفي لنجاحها، فضلا عن إجادة الأداء والإلقاء«. وفي نهاية العام الدراسي الأول، احتلّت المرتبة الأولى، وكان مقدّرا لها أن تستمر في هذا النجاح، لولا تركها المعهد قبيل إغلاقه. في مطلع الثلاثينيات، بحث المعهد عن فتيات مثقفات، وضمّ في صفوف أساتذته نخبة من المبدعين والجادّين، وانتسب إليه تلامذة من عشّاق الفن. معها، انتسبت رفيعة الشال وروحية خالد، اللواتي شكّلن معا »الباكورة الأولى للمعهد«. وصفها صالح جودت، في مقالته المنشورة في المجلة المصرية »الكواكب« (12 كانون الثاني 1954)، بالقول إنها »مثقفة، متحدّثة لبقة ومستمعة ذكية«، وإنها درست الفن ولم تمارسه ارتجالا. وتساءل عن سبب عدم احتلالها المكانة اللائقة بها في عالم الفن، مع أنها عرفت ظروفا جيّدة في مستهل حياتها الفنية، وحصولها على فرص عدّة، لعلّ أبرزها لقاؤها الفنان عزيز عيد: ففي هذه الفترة، انفصل عيد عن فاطمة رشدي، والتقى صدفة زوزو حمدي الحكيم، فهيّأها للعمل المسرحي، راغبا في أن يصنع منها »فاطمة رشدي أخرى«، وفي أن »يجعل من كيانها كوكبا يبهر العيون على مسرح دار التمثيل العربي«. جمال مختلف اتّسمت زوزو حمدي الحكيم بملامح الفلاّحة المصرية وجمالها الريفي، على نقيض جمال مختلف عرفته نجمات المسرح والسينما في الفترة نفسها، كفاطمة رشدي وزينب صدقي وعزيزة أمير وآسيا داغر وماري كويني وأمينة رزق وغيرهنّ. مع هذا، فهي تمرّدت على التقاليد الريفية التي أدّت، مثلا، إلى زواج أول ببلوغها السادسة عشرة من عمرها، وهو زواج فاشل لم يدم طويلا: طلّقها زوجها، وغادرت القرية متّجهة إلى القاهرة، وانتسبت إلى معهد للتمثيل. نشرت صورتها على غلاف مجلة »الكواكب« في العام 1932، وتزوّجت ثانية من الصحافي محمد التابعي لفترة قصيرة، في حين أن زواجها الثالث صمد طويلا، وكانت ثمرته ابنتها الوحيدة. بدأت التمثيل عندما بلغت العشرين من عمرها، وأدّت أكثر من مئتي دور في المسرح والإذاعة والسينما والتلفزيون، لكن لا توجد إحصاءات دقيقة، باستثناء ما جاء في تقرير ل»صندوق التنمية الثقافية«، ومفاده أن زوزو حمدي الحكيم مثّلت في 35 فيلما بين العامين 1941 و1987، منها: »النائب العام« (1946) لأحمد كامل مرسي، و»نساء بلا رجال« (1953) ليوسف شاهين و»ريّا وسكينة« (1953) لصلاح أبو سيف و»وا إسلاماه« (1961) لأندرو مارتون و»صراع الأبطال« (1962) لتوفيق صالح و»أرملة وثلاث بنات« (1965) لجلال شرقاوي و»بيت الطالبات« (1967) لأحمد ضياء الدين و»المومياء« (أنتج في العام 1969، وعرض في مطلع السبعينيات) لشادي عبد السلام و»قاهر الظلام« (1979) لعاطف سالم و»الوحش داخل الإنسان« (1981) لأشرف فهمي. في فترة شبابها، أدّت زوزو حمدي الحكيم أدوار الفتاة القوية، وفي مرحلة ما بعد الشباب، لم تتردّد عن تأدية دور المرأة الشريرة. علما أنها جمعت بين القوة والشرّ في شخصية واحدة، أحيانا. في أواخر الثمانينيات، وفي خلال تصوير دورها في المسلسل التلفزيوني »رقيب لا ينام«، أصيبت زوزو حمدي الحكيم بعارض صحي هو الأول لها، أقعدها طوال ستة أشهر، أصيبت بعدها بعارض صحي آخر ألزمها الفراش طويلا. قبل ذلك، بدأت الراحلة تنسحب، تدريجا، من الحياة الفنية، لأنها شعرت بأن الدنيا تغيّرت، »وحسبت أني غريبة في بلاد غريبة«، في حين أن الحب والودّ كانا علامة فارقة ومهمة في العصر الذهبي للفن التمثيلي المصري. عاشت أحلى أيام الازدهار المسرحي، وتألّقت في أدوار سينمائية عدّة، باتت اليوم من كلاسيكيات السينما المصرية والعربية.