منذ سنوات يتابع عزمي بشارة جهداً نظرياً مزدوجاً، يمس وضع العرب الفلسطينيين في إسرائيل، ويعالج »قضاياها حداثية« تمس العرب جميعاً. وإذا كان اجتهاده في شطره الأول يتمحور حول »الأقلية العربية في إسرائيل، الانتفاضة، الهوية وصناعة الهوية في المجتمع الإسرائيلي«، فقد شاء في اجتهاده الآخر أن يُسائل قضايا وثيقة الصلة بمستقبل المجتمع العربي، عنوانها الأكبر »المجتمع المدني« و»النهضة المعاقة«. يوحِّد بشارة في اجتهاده بين الفلسفة السياسية، التي انشغل بها نظرياً إلى حدود الاختصاص، والممارسة السياسة العملية، التي صَيِّرتِ الأستاذ الجامعي قائداً سياسياً. وما الاجتهاد الفكري اللامع، الذي يميزه من غيره، إلا أثر لوحدة النظري والعملي لديه، الذي يلزمه بتنظير ما يعيش ومعايشة ما يسائله، بعيداً عن خطاب الفراغ، الذي يسوق الكلام عن واقع يجهله. وهو في جهده هذا يحقق أمرين: إدراج النظرية السياسية في فكر سياسي فلسطيني يفتنه الارتجال ويتطير من المساءلة، وترميم الصورة الثقافية الفلسطينية التي ترتقي، صدفة، إلى مقام القضية التي تتحدث عنها. وإذا كان في هواجسه الإسرائيلية الفلسطينية يتوجه أساساً إلى »جمهور« يعيش معه ويعرف قضاياه، فإن بشارة في »أسئلة النهوض« يركن إلى »الانتماء العروبي«، مدركاً أن في »التداعي الفلسطيني« وجوهاً كثيرة من تداعٍ عربي أكثر اتساعاً. ليس غريباً، في فكر قومي شاء أن يكون تجديدياً، أن يعطي بشارة مساهمته الفكرية الأساسية في كتابه، »مساهمة في نقد المجتمع المدني«، الذي ظهر قبل سبع سنوات. فقد سعى من وراء هذا الكتاب إلى نقد سياق ثقافي عربي أنطق بعض المثقفين، فجأة وبلا مقدمات، بكلمات ضبابية عجولة رأت في »المجتمع المدني« انبثاقاً سحرياً، لا يحتاج إلى شرط ووسائل وتوسطات. وكان عليه، وهو يساجل »مثقفين بلا هموم« وواقعاً عربياً نزف حداثته الفقيرة، أن يعيد الاعتبار إلى مفهوم نظري أصيل اختلفت إليه أقلام »هوبس، لوك، روسو ومونتيسيكيو وهيغل وماركس وغرامشي وغيرهم«، كاشفاً عن تاريخية المفهوم وتاريخية المجتمع المدني الذي أنتجته تحولات برجوازية محددة. تحدث عزمي عن »مجتمع مدني« يتطلع إليه، مشيراً إلى »مجتمع تقليدي« عربي يضع المجتمع المدني المرغوب في طور الاحتمال لا أكثر. أكد عزمي العروة الوثقى بين النظرية والسياسة، ذلك أن فكراً يطرح قضية سياسية بمنظور غير سياسي ينتهي إلى بوار الفكرة وتسخيفها لا أكثر. فقد شاء بعض المثقفين العرب، الذين هالهم، أو أسعدهم، »سقوط الأيديولوجيات«، في نهاية القرن المنقضي، أن يبنوا »مجتمعاً مدنياً« خارج »المجتمع العام«، مكتفين بلغة الاختصاص، التي لا تَقْرَب السياسة ولا ترى إلى تسييس المجتمع مقدمة ضرورية للنهوض والارتقاء. كأن المجتمع المدني هو جملة أصحاب الاختصاص المدافعين عنه، بعيداً عن مقولات »دنيوية« مثل الأحزاب والديموقراطية والمؤسسات الشعبية وحرية التعبير. ولعل الاعتصام بحبال الاختصاص الثقافية، وهو وجه سلطوي آخر يمتهن ما هو خارج السلطة، هو في أساس نهوض الكثير من »الجمعيات اللاحكومية«، التي تحتكر الكلام و »الامتياز«، وتدع لما هو خارجها احتكار الصمت والقبول. في مواجهة فكر بسيط وتبسيطي، ينوس بين البراءة الخفيفة والحسبان الدقيق، رأى عزمي بشارة السياسة في الدفاع عن الديموقراطية ورأى في الدفاع عن الأخيرة فعلاً سياسياً وتأمل آفاق المجتمع المدني في وحدة السياسة والديمقراطية. ف »المجتمع المدني«، كما يرى بشارة، هو »المجتمع القادر على تشكيل إرادة عامة يتماهى فيها الحاكمون والمحكومون«، أي أنه مجتمع خضع لتحولات سياسية قيمية ثقافية عميقة، تجعل الإنسان فرداً والفرد مواطناً، والمواطن صوتاً نقدياً حراً، وتجعل الحاكم، الذي تألّه ذات مرة، يحمل متاعه ويذهب إلى مملكة أخرى. تطلع »أصحاب الاختصاص« إلى »مجتمع مدني مختص« خارج الدولة، كما لو كانت المواطنة تعبيراً فارغاً لا تحيل على الدستور القوانين، وتأمل عزمي بشارة العلاقة بين المجتمع التقليدي وسلطته الأكثر تقليدية، مدركاً أن المجتمع المدني لا يُشتَق من مجتمعٍ نسي مبادئ الحياة الديموقراطية منذ زمن طويل. ترك أصحاب الاختصاص السياسة لإنسان الحياة اليومية، الذي نسي معنى السياسة، وتأمل بشارة معنى السياسة المنشود في مجتمع تداعت فيه السياسة إلى حدود التلاشي. ولهذا احتفل »أنصار ما بعد الحداثة« بتعابير غائمة مريضة مثل: المجتمع الأهلي، العضوي، العائلي، التي هي التعيين التاريخي لغياب المجتمع المدني في العالم العربي، بينما انشغل بشارة ب »تاريخية المفهوم«، التي تجعل من الاحتفاء بما بعد الحداثة، في مجتمع أخطأ الحداثة، لغواً متعالماً وترفاً فكرياً لا ينقصه التبجح والتعالم الفارغ. فلا معنى لما بعد الحداثة في مجتمع »ما قبل رأسمالي«، ولا معنى للفصل بين السياسة والمجتمع المدني، ولا حضور للسياسة إلا في مجتمع يقاتل من أجل حقوقه الديموقراطية... دافع بشارة، وهو ينقد خصومه من المثقفين، عن فكر قومي مختلف. فبعد أن قام المشروع القومي التقليدي، الذي انتهى إلى الكارثة، على عموميات رومانسية وأيديولوجية، ليس آخرها »روح العروبة« والانتساب إلى »المجد التليد«، عمل المثقف الفلسطيني، المتمسك بقوميَّته، على تقديم اقتراح جديد: يبني مفهوم السياسة على الفردية الحرة، ويبني مفهوم القومية على مفهوم المواطنة. فالسياسة لا تتعيّن بوجود الأحزاب السياسية، شكلانية كانت أم حقيقية، بل بالفرد القادر على التمييز بين اقتراح سياسي وآخر بمعايير سياسية. والقومية لا تتحدّد باللغة والدين والماضي والمستقبل، وهي عناصر دالة، بل ب: المواطنة، التي تتعين بمواطنين متساويين في الحقوق والواجبات. وإذا كانت المواطنة هي التعيين التاريخي للمجتمع المدني، فإن الحديث عن »قومية خالدة« لا معنى له، مثل أن »المجتمع القومي«، الذي يخاصم المجتمع المدني، مجتمعٌ غير قومي. في هذا الربط بين القومية والمجتمع المدني، لا يردُّ عزمي بشارة على مثقفي الاختصاص فقط، بل يرد أيضاً على شكل من الفكر الاستشراقي، يربط غياب المجتمع المدني في العالم العربي بطبيعة جوهرانية عربية إسلامية تنفر من الديموقراطية وتحتفل بالاستبداد. يستأنف عزمي بشارة في كتابه الجديد: »طروحات عن النهضة المعاقة« أفكاره التي وضعها في كتابه عن المجتمع المدني. والكتاب، وهو سجالي بامتياز، يتميز بأمرين: عنوانه المتفائل الذي يتفق مع فكر تحريضي يهدف إلى تحويل ما يجب تحويله. فقد اختار »عضو الكنيست« صفة »المعاقة« عوضاً عن صفة أكثر مواءمة هي: المهزومة، والنهضة، التي يرغب المؤلف بمنحها ساقين سليمتين، هزمها »النهضويون« قبل أن يهزمها خصومهم، حين عشقوا الاختزال وعفّوا عن الأجزاء والتفاصيل، إذ النهضة هي السلطة، وإذا الأخيرة هي النخبة المتسلطة التي ترى في الديموقراطية والتعددية الحزبية والحوار الفكري »شأناً رجعياً«. وعلى هذا فإن الحديث عن النهضة، التي يدافع عنها بشارة دفاعاً حاسماً لا التباس فيه، حديث عن شروط توليد المجتمع المدني. كأن المؤلف قد حلل نظرياً في كتابه الأول مقومات المجتمع المدني، الذي يستدعي الفصل بين المجتمع والدولة لخطة والتوحيد بينهما في خطة لاحقة، وعاد إلى المشخص العربي، الفلسطيني وغير الفلسطيني، ليبرهن به عن غياب هذا المجتمع المدني، أو وجوده في شكل جنيني في أحسن الأحوال. وعن هذا الواقع تصدر صفة الكتاب الثانية، التي تحتقب المفاهيم النظرية وتنفتح على قضايا: المرأة المنتهكة، التحزّب السياسي الأعمى، أحادية الرأي ولعن الاختلاف، الفضاء العام والفضاء الخاص، نفي العقلانية والإيمان بالغيب.... ولعل هذه العناصر وغيرها هو ما يجعل الفكر الأحادي المغلق ينادي بهوية مكتملة سكونية، لا تعترف بالجديد والحركة والمتغير، ولا تقبل ب »آخر« له هوية مختلفة . يضع الفكر الإيماني المصمت هويته خارج التاريخ، لأنها معطاة منذ زمن سحيق، ويرى الفلسطينيون هويتهم في فولكور قروي فقير. وواقع الأمر أن الهوية الحية هي صراع مع هوية »كانت« وذهب زمنها، بقدر ما هي صراع مع هوية أخرى، تفرض على غيرها التحدي والتنافس والمنازلة. يقرأ عزمي »النهضة المعاقة« في ظواهر حداثية خذلت حداثتها، وآية ذلك الحزب السياسي، وهو مفهوم حديث، الذي ينغلق على ذاته ويرى في الحزب الآخر »طائفة مارقة« لا لزوم لها، والإيديولوجيا السياسية التي تتحدث عن الواقع المتغير وتنقلب إلى لاهوت جديد، والسلطة السياسية القومية التي تلتمس عون الدين وتحوله إلى أيديولوجيا سلطوية، أو إلى أحد مشتقاتها، والمعارضة السياسية التي تقف عاجزة أمام السلطة وتصدر عجزها إلى الخارج »متمسكة بالثوابت الوطنية«... في هذه الممارسات، كما في غيرها، انقلب الحداثي المفترض إلى تقليدي فصيح، فللحزب منطق العشيرة، وللمثقف لغة التشيخ، ولليساري المتطرف فتوى من بين الفتاوى الكثيرة.... وبهذا المعنى لن تكون النهضة »معاقة«، أو معوقة، بل مُجَهضَةً، لأنها لا تساوي بين اللغة والمواضيع، مرتاحة إلى لغة سائبة تلتف حول بعضها، وتاركة المواضيع الشخصية لا تعثر على لغة موافقة. يعود بشارة في كتابه الجديد إلى موضوع المثقفين، أو إلى مواضيع بعض المثقفين. ولهذه العودة ما يبررها، فالمثقفون العرب أو »المتذّهِنون«، بلغة موسى وهبة ذات مرة، هم، تاريخياً، دعاة النهضة، التي ولدت معوقة ربما، وهم أدوات المقولات الاجتماعية الحداثية المفترضة أيضاً، مثل الأحزاب والصحف والنقد المجتمعي والنقابات أيضاً، وصولاً إلى دورهم الطريف الأخير الذي نصّب بعضهم دعاة لما بعد الحداثة. ينقد بشارة في المثقف وجوهاً متعددة: ينقد فيه صَنميَّة اللقب (الدكتور، البروفسور، الأكاديمي) التي تضعه اجتماعياً فوق غيره، كما لو كان دور المعرفة إعادة إنتاج الهرمية الاجتماعية والاحتفاء بالأعلى وتسفيه »الأسفل«. وينقد فيه »الفردانية المنتصرة«، التي تشتق المعرفة الحاسمة من اللقب الرفيع، والمنصب الحزبي العالي من اللقب الأكاديمي، مما يضع المثقف فوق غيره معرفة وسلطاناً ومنزلة اجتماعية. غير أن الأمر يسقط في السخرية السوداء، حين يمزج الأكاديمي الاختصاص العلمي بالأصالة، كأن يتلقى العلم في المدينة ويحافظ على التقاليد الريفية، أو أن يذهب إلى جامعات الغرب ويتمسك ببراءة القرية وقيمها الرفيعة!! والمقصود هنا هو الفرق بين المثقف الحديث، الذي يبحث عن معرفة متعددة العناصر تنقد الواقع المتخلف وتنقضه، والمتعلم القروي، الذي يساوي بين المعرفة والامتياز. وهذا الفرق هو الذي يحول الحزب السياسي إلى قبيلة جديدة و»المتعلم« صاحب اللقب إلى شيخ جديد. شيء قريب من »طبيب« يحيى حقي في روايته الصغيرة الرائدة »قنديل أم هاشم«، حيث الإنسان الذي لا فردية له يخلع »ذاته« الأولى حين يصل إلى الغرب ويرتدي ذاتاً جديداً، فإن عاد إلى الشرق خلع ذاتيته الوافدة وعاد أصيلاً كما كان، أي حبة رمل في كوم من الرمال، لا يحتاج وجهاً ولا يعرف معنى الوجه المفرد ودلالته. تنطوي أفكار عزمي بشارة على مرجعين متلازمين: النهضة المعاقة الواجب تجديدها، والسياسة التي تنتمي إلى النهضة وتجتث جذورها، سيان إن كانت السياسة سلطوية أم تدَّعي معارضة السلطة. يتراءى هذا التماثل في مقولة »التكفير« أو »التخوين« الموزعة على الطرفين، التي تأمر السلطة بتخوين مُعارضِهَا، وتملي على المعارضة تخوين من لا يقبل باجتهادها. وواقع الأمر أن السلطة المتآكلة، كما المعارضة المتقادمة، تأخذ بنهج مضى زمنه، يقول ب»التحرر الوطني« في فترة ينبغي فيها القول بالتحرر الاجتماعي. وما هذا الاستبدال الزائف إلا ذريعة سلطوية غايتها تثبيت وتسويغ سلطة فات زمنها، تركن إلى الثبات كي تلغي الفضاء السياسي والحراك الاجتماعي. يقول »بشارة« في مقالة عنوانها: »العمالة والوشاية«: »فعلى القوى القادرة على النهوض بالمجتمع العربي أن تضع خطاً فاصلاً بين مرحلة التحرر الوطني ومرحلة النضال الاجتماعي ذي الطابع الوطني والقومي، وهذا الخط الفاصل هو الاستقلال السياسي. وأيُّ تجاهل، أو طمس، لهذا الحد الفاصل بين الاستقلال وما قبله يساعد الأنظمة على التملص من مهامها كدولة واللجوء إلى الديماغوجيا الوطنية كأنها قيادة حركة تحرر وطني«. يقدم عزمي بشارة في كتابه: »طروحات عن النهضة المعاقة« جملة طروحات فكرية لامعة، تعيد صياغة المفاهيم النظرية بمعطيات واقع معيش، وتحلل المعيش نظرياً كي تقلق ثباته. وهو في طرحه يتأمل ويساجل ويمعن في السجال، متوسلاً أسلوباً مشرقاً وسخرية صريحة وسخرية سوداء وأمثلة شعبية ونثراً تخالطه العامية أحياناً. لكنه في هذا كله يعلن عن اجتهاد في الفكر السياسي غير مألوف كثيراً في العالم العربي هذه الأيام، ينقد القائم المتهالك ويستدعي جديداً يغايره، كما لو كان يقول: السياسة المبدعة هي التي في فضاء اجتماعي يطرد السياسة.