As Safir Logo
المصدر:

البعد الديني في وعد بلفور

المؤلف: السماك محمد التاريخ: 2003-11-06 رقم العدد:9644

في عام 1880 تبنّى الأسقف الانغليكاني في فينّا وليم هشلر النظرية التي تقول ان المشروع الصهيوني هو مشروع إلهي وان العمل على تحقيقه يستجيب للتعاليم التوراتية. هناك في فينا تعرّف هشلر على ثيودور هرتزل وعلى مشروعه؛ واستطاع أن يوظف علاقاته الدينية والدبلوماسية لترتيب لقاءات له مع القيصر الالماني ومع السلطان العثماني، وذلك لمساعدته على إقامة وطن يهودي في فلسطين. ورغم ان تلك اللقاءات باءت بالفشل، فان هشلر لم ييأس. فقد انتقل الى بريطانيا حيث رتّب في عام 1905 لقاء لهرتزل مع آرثر بلفور. ومن هناك انطلقت المسيرة نحو تأمين غطاء من الشرعية الدولية للمشروع الصهيوني. كان لويد جورج رئيس الحكومة أكثر شغفا بالمشروع الصهيوني وأشد حماسة له من بلفور. فكان الوعد الذي صدر في الثاني من نوفمبر تشرين الثاني 1917 بمنح اليهود وطنا قومياً في فلسطين. ذكر لويد جورج في كتابين له هما »حقيقة معاهدات السلام« و»ذكريات الحرب« ان حاييم وايزمن الكيمائي الذي قدم خدماته العلمية لبريطانيا في الحرب العالمية الاولى هو الذي فتح له عينيه على الصهيونية، حتى أصبح أكثر صهيونية من وايزمن نفسه. وهكذا عندما تشكلت الحكومة البريطانية من لويد جورج رئيسا ومن آرثر بلفور وزيرا للخارجية، بدا وكأن كل شيء بات مؤهلاً لتمرير »الوعد«. ولكن ماذا عن الفلسطينيين؟.. في عام 1952 نشرت وزارة الخارجية البريطانية وثائق سرية عن فترة 1919 1939، بما فيها تلك التي تتعلق بتوطين اليهود في فلسطين.. ويتضمن المجلد الرابع من المجموعة الأولى، في الصفحة السابعة نقلا عن مذكرة وضعها آرثر بلفور في عام 1917 ما يأتي: »ليس في نيّتنا حتى مراعاة مشاعر سكان فلسطين الحاليين، مع ان اللجنة الاميركية تحاول استقصاءها. إن القوى الأربع الكبرى ملتزمة بالصهيونية. وسواء أكانت الصهيونية على حق أم على باطل، جيدة أم سيئة، فإنها متأصلة الجذور في التقاليد القديمة العهد وفي الحاجات الحالية وفي آمال المستقبل، وهي ذات أهمية تفوق بكثير رغبات وميول السبعمئة ألف عربي الذين يسكنون الآن هذه الارض القديمة«. أما بالنسبة للاستيطان اليهودي في فلسطين فقد أوصى في الجزء الأخير من هذه المذكرة بما يلي: »إذا كان للصهيونية أن تؤثر على المشكلة اليهودية في العالم فينبغي أن تكون فلسطين متاحة لأكبر عدد من المهاجرين اليهود. ولذا فإن من المرغوب فيه ان تكون لها السيادة على القوة المائية التي تخصّها بشكل طبيعي سواء أكان ذلك عن طريق توسيع حدودها شمالاً (أي باتجاه لبنان) أم عن طريق عقد معاهدة مع سورية الواقعة تحت الانتداب (الفرنسي) والتي لا تعتبر المياه المتدفقة من »الهامون« جنوبا ذات قيمة بالنسبة لها. وللسبب ذاته يجب ان تمتد فلسطين لتشمل الاراضي الواقعة شرقي نهر الاردن«. كان بلفور من المؤمنين بأن التاريخ ليس سوى أداة لتنفيذ الهدف الإلهي. وان الانسان مكلّف بالعمل على تنفيذ هذا الهدف وان أول ما يتطلّبه منه ذلك، الايمان اولاً بأن ثمة هدفا إلهيا، وثانيا بإمكانية تحقيق هذا الهدف أياً تكن الصعوبات. آمن بلفور كما أوضح في كتابه العقيدة والانسانية "Theism and Humanity" أن الله منح اليهود وعداً بالعودة إلى أرض الميعاد، وان هذه العودة هي شرط مسبق للعودة الثانية للمسيح. وان هذه العودة الثانية تحمل معها خلاص الانسانية من الشرور والمحن ليعمّ السلام والرخاء مدة ألف عام تقوم بعدها القيامة وينتهي كل شيء كما بدأ. اكتسب بلفور هذه الثقافة من عائلته، وخاصة من والدته التي تركت في شخصيته الدينية بصمات واضحة من إيمانها بالعقيدة البروتستنتية المرتبطة أساساً بالعهد القديم وبما يبشّر به من خلال النبوءات التوراتية. ولذلك فإن بلفور عندما صاغ الوعد بمنح اليهود وطناً في فلسطين، كان يعتقد أنه بذلك يحقق إرادة الله، وأنه يوفر الشروط المُسبقة للعودة الثانية للمسيح، وأنه بالتالي، من خلال مساعدة اليهود على العودة، فإنه يؤدي وظيفة العامل على تحقيق هدف إلهي. طبعاً لم يكن العامل الديني السبب الوحيد وراء إصدار الوعد. كانت هناك مصالح لبريطانيا ذات بعد استراتيجي. وقد توافق العمل على خدمة هذه المصالح ورعايتها مع هذا الايمان الديني، مما أدى الى الالتزام بالوعد وبتنفيذه. ففي الأساس كانت بريطانيا قلقة من جراء هجرة يهود روسيا وأوروبا الشرقية الذين كانوا يتعرضون للاضطهاد في بلادهم. وفي عام 1902 تشكلت »اللجنة الملكية لهجرة الغرباء«. استدعي هرتزل الى لندن بترتيب من القس هشلر للإدلاء بشهادته أمام اللجنة. فقدم مطالعة قال فيها: »لا شيء يحل المشكلة التي دعيت اللجنة لبحثها وتقديم الرأي بشأنها سوى تحويل تيار الهجرة الذي سيستمر بقوة متزايدة من أوروبا الشرقية. ان يهود أوروبا الشرقية لا يستطيعون ان يبقوا حيث هم فأين يذهبون؟ إذا كنتم ترون ان بقاءهم هنا أي في بريطانيا غير مرغوب فيه، فلا بد من ايجاد مكان آخر يهاجرون اليه دون ان تثير هجرتهم المشاكل التي تواجههم هنا. لن تبرز هذه المشاكل اذا وجد وطن لهم يتم الاعتراف به قانونيا وطنا يهوديا«. هنا كان لا بدّ بعد صدور قانون بوقف الهجرة في عام 1905 من تأمين ملجأ بديل، فكان قرار بلفور بمنح فلسطين وطناً لليهود ليعطي من لا يملك الى من لا يستحق. اقترح تشرمبرلين وكان رئيسا للحكومة منطقة العريش لتكون وطناً لليهود. ولكن لجنة الخبراء الصهيونيين رفضت الاقتراح لان العريش تفتقر الى المياه، ثم لان توطين اليهود فيها يثير مشاكل لبريطانيا مع مصر. وعندما ترأس الحكومة البريطانية اللورد آرثر بلفور جرى التداول باقتراح يوغندة لتكون الوطن الموعود. ولكن المؤتمر الصهيوني السادس لم يقبل الاقتراح لافتقار يوغندة الى عنصر الجاذبية اللازم لاستقطاب اليهود ولحثّهم على الهجرة اليها. كان بإمكان بريطانيا التدخل لمنع تهجير اليهود من أوروبا الشرقية، الا انها وجدت ان لها مصلحة في توظيف هذه العملية في برنامج توسعها في الشرق الأوسط، فحوّلت قوافل المهاجرين الى فلسطين بعد ان منحتهم الوعد بالوطن وبعد ان وفّرت لهم الحماية والمساعدة اللازمتين. ولعل من أبرز الدلالات على الربط الستراتيجي بين أهداف الحركة الصهيونية وأهداف الدولة البريطانية ما ذكرته صحيفة »مانشستر غارديان« بقلم رئيس تحريرها في ذلك الوقت 1916 تشارلز سكوت الذي قال: »كانت بلاد ما بين النهرين مهد الشعب اليهودي ومكان منفاه في الأسر. وجاء من مصر موسى مؤسس الدولة اليهودية. وإذا ما انتهت هذه الحرب بالقضاء على الامبراطورية التركية في بلاد ما بين النهرين وأدت الحاجة الى تأمين جبهة دفاعية في مصر الى تأسيس دولة يهودية في فلسطين فسيكون القدر قد دار دورة كاملة«. اما عن أهل فلسطين، فإن الكلام الذي يقال اليوم هو نفسه الكلام الذي كان يُقال قبل 82 عاما أيضا. فقد قال سكوت: »ليس لفلسطين في الواقع وجود قومي او جغرافي مستقل الا ما كان لها من تاريخ اليهود القديم الذي اختفى مع استقلالهم ولذلك، فعندما اطلق عليها بلفور اسم وطن قومي لم يكن يعطي شيئا يخص جهة اخرى او شعبا آخر. انها روح الماضي التي لم يستطع ألفا عام ان يدفناها والتي يمكن ان يكون لها وجود فعلي من خلال اليهود فقط. لقد كانت فلسطين هي الارض المقدسة للمسيحيين اما بالنسبة لغيرهم فإنها تعتبر تابعة لمصر او سورية او الجزيرة العربية، ولكنها تعدّ وطنا قائما بذاته بالنسبة لليهود فقط«. اعتبر وعد بلفور جزءا من الانتداب البريطاني على فلسطين. وهو انتداب قرره في مؤتمر سان ريمو 1902 المجلس الاعلى لقوات الحلفاء. وفي عام 1922 أقرّت عصبة الأمم الانتداب بما فيه الوعد. بعد الحرب العالمية الثانية وما رافقها من مجازر نازية، اتسع نطاق الهجرة اليهودية من أوروبا الغربية هذه المرة وليس من أوروبا الشرقية وحدها الى فلسطين، وتحوّل الوعد بوطن قومي لليهود الى دولة سرعان ما اعترفت بها رسمياً منظمة الأمم المتحدة في عام 1948. الآن وبعد مرور 55 عاما على قيام اسرائيل، تبدو بريطانيا صاحبة الوعد قد خسرت ورقتها الرابحة، وانتقلت هذه الورقة، مع الورقة البريطانية نفسها الى اليد الاميركية. وترفع هذه اليد الآن من خلال نظريات المحافظين الجدد والصهيونيين المسيحيين شعارات النبوءات التوراتية استكمالا لما بدأه بلفور ولويد جورج في مثل هذا الوقت قبل 86 عاماً.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة