رضوى عاشور الاستاذة الجامعية والناقدة والروائية لا تعرف اين تجدها فهي في الغالب بارزة في صفاتها الثلاث، عرفت بادئ بدء ناقدة وأستاذة، ولما باشرت الرواية حازت بسرعة على حضور روائي جعل صنع الله ابراهيم يذكرها بين الاسماء التي وجدها جديرة بالجائزة الروائية. تعتمد رضوى في غالب رواياتها التاريخ. وروايتها الأخيرة »قطعة من اوروبا« في السياق نفسه على هامش مؤتمر الرواية العربي في القاهرة كان لنا معها هذا الحديث. ÷ في روايتك الصادرة حديثا »قطعة من اوروبا« تؤرخين وتوثقين فنيا للأمكنة القاهرية، الى ماذا تهدفين من هذا المنحى؟ { القاهرة ممتدة اتساعا وعمقا، أقصد انها مترامية جغرافيا وتحمل طبقات وطيّات من تواريخ قديمة وحديثة نسبيا، وتحمل بالتالي حكايات بلا حصر. لم آخذ من هذه القاهرة سوى بضعة كيلومترات مربعة، مساحة محدودة للغاية، وإن شكلت ماديا ومعنويا مركز البلد، وهي تسمى »وسط البلد«، إنها الحي الذي خطط له الخديوي اسماعيل ضمن حلمه بجعل مصر »قطعة من اوروبا« كان ذلك بدءا من الستينيات من القرن التاسع عشر. لم يتم في عهد اسماعيل الا انشاء بعض المباني اهمها دار الأوبرا وقصر عابدين (مقر الحكم) وقصر الجزيرة في الجانب الآخر من النهر، ولكن الاسماعيلية وهذا هو الاسم القديم للحي ستواصل نموها الى الثلاثينيات والاربعينيات من القرن العشرين، حيا للبنوك والمحلات الانيقة ودور السينما والمطاعم ولسكنى الاجانب وبعض عائلات الطبقة الوسطى الكبيرة. ثم يداهمها حريق القاهرة في 26 يوليو 1952، في اعقاب مذبحة راح ضحيتها العشرات من رجال الشرطة المصريين في مواجهة مع القوات البريطانية في مدينة الاسماعيلية. في روايتي »ناظر« هذا اسمه وفعله، من مواليد هذه القاهرة الرومية، وهو يحكي حكايته، وحكايته الى حد بعيد مرتبطة بحكاية هذا المكان، والمكان بحكايته يطرح عليه السؤال: ما الذي أوصلنا الى ما نحن فيه؟ يطرح الناظر السؤال، ويطرح معه ضمنيا سؤال النهضة ومشروع التحديث الذي واكبه ولازمه مشروع النهب الاستعماري. لم أجد تجسيدا للمشروع اكثر دلالة من »وسط البلد« ببناياته وحكايات بناياته والأجانب الذين أنشأوا هذه البنايات، كما أنني توقفت امام الحريق وقد بدأ بتظاهرات كبيرة لجنود الشرطة وطلاب الجامعة ثم تحول الى تظاهرات شعبية واسعة انتهت بحريق »القاهرة« اي حريق المحلات والمنشآت القائمة في هذا الحي تحديدا. (شارك الناظر ولم يبلغ الخامسة عشرة من عمره في هذا اليوم، يصفه ويظل يعود اليه متأملا، يصطدم بقراءة المؤرخين للحريق، يحاول ان يعيد قراءته، كأن هذا الجزء الصغير من القاهرة والذي هو رغم ذلك »وسط البلد« يحمل السؤال وربما مشاريع إجابة. ÷ هل تختارين فترات تاريخية معينة لصنع معادل موضوعي للواقع الآني؟ { لا يخفى عليك ان العملية الابداعية مركبة، شديدة التركيب، الكلام عن »الاختيار« يؤدي لبعض اللبس ويدفع الى تبسيط مخل، لو صح الكلام عن الاختيار فلا بد من توضيح انه اختيار من نوع خاص جدا، ليس انتقاء، لا انتقي فترة زمنية، بل أجد نفسي ذاهبة باتجاهها لاسباب مركبة قد أعي بعضها ولا أعي البعض الآخر. في رواية »سراج« وهي رواية قصيرة صدرت لي عام 1992 ذهب بي خيالي الى جزيرة متخيلة تصورتها تقع في مكان ما بين شاطئ زنزبار في شرق افريقيا وشواطئ اليمن، تدور احداث الرواية في العقدين الاخيرين من القرن التاسع عشر، في هذه الجزيرة اساسا وفي الخلفية اسكندرية 1882، لحظة قصف البوارج البريطانية وهزيمة الثورة العرابية وبدايات الاحتلال. الجدل بين المتخيل والتاريخي (الجزيرة التي أنشأتها واسكندرية 1882) يشتبك مع جدل آخر بين زمان تلك الرواية وزماني. لماذا ذهبت إلى تلك البقعة وتلك اللحظة هذا ما يمكن تتبعه نقديا بقراءة النص، ولكني في لحظة الكتابة »لا أختار«، يذهب وجداني وخيالي الى تلك المساحة بتلقائية ما، لها أسبابها قطعا لكني لا أحيط بها لحظة الكتابة، وربما لا أحيط بها كاملة وأنا أقرأ النص من موقعي كقارئة اولى لما أكتبه. في »ثلاثية غرناطة« حدث شيء مماثل. في فبراير 1991 ذهب خيالي وفكري الى غرناطة وأنا أشاهد قصف الطائرات الاميركية لبغداد. ربما كان سؤال الانقراض والنهايات وأشكال مغالبة الناس لزمانهم هو ما حملني الى تلك الفترة. رحت أقرأ عنها، لحاجة ما في داخلي، لم تكن الكتابة في بالي. جاءت الكتابة لاحقا. ما أقصده باختصار هو ان الاختيار هنا يتم تلقائيا، لا يحكمه الوعي وحده بل مركب من العناصر بعضها يدخل في صلب تكوينك النفسي والثقافي والسياسي، الموعى به وغير الموعى به. صوت ذكوري ÷ هل العودة إلى التاريخ والتوثيق تحتاج صوتا ذكوريا روائيا للمصادقة على الأحداث. لماذا تروين او تنظرين، كما استعملت العبارة، بعين رجل. { لا أريد ان أبدو كمن يدافع عن نفسه، لأنني أعتقد اولا ان كوني امرأة لا يجب ان يتحول الى قفص او برنامج مسبق يملى عليّ ما أتناوله من مواضيع او زوايا التناول او اسلوب الكتابة. اجتهد في الكتابة من منظور امرأة احيانا، ومن منظور رجل احيانا، ومن منظور طفل، وبعين طائر او جماد او نخلة، وإلا ما فائدة الخيال؟! هذا اولا. ثانيا: إن النص بشخصياته، بنظرتهم الى الوجود، بأحداثه، بما فيه من وصف وحوار وصور وأصوات وإيقاعات وخفة وثقل، كلها عناصر في بنية من كلام تجسد في آخر المطاف وبشكل مركّب وملتف ومراوغ منظور كاتبه/ كاتبته. في »قطعة من اوروبا« أروي بعين رجل، في روايات اخرى لي، تتصدر المرأة راوية. وفي »غرناطة« رغم وجود راوية بطول الثلاثية يتقمص الصوت المفرد العالم بمصائرالشخصيات حينا (على طريقة الرواية الواقعية التقليدية)، ويتقمص صوت المجموع حينا، ويتوارى ليسمح لوعي هذه الشخصية او تلك لتتصدر الحكي، إلا ان وعي عدد كبير من النساء (وعلى رأسهم سليمة ومريمة) يحتل مكانا بارزا في النص. وفي رواية »أطياف« وهي الرواية السابقة مباشرة على »قطعة من اوروبا« تحكي رضوى (فالرواية في جانب منها سيرة ذاتية)، وتحكي شجر، وهي قرين متخيل (لأن الرواية اجتهاد في تقديم شكل جديد لرواية السيرة) وشجر استاذة للتاريخ، سيرة رضوى اسمها اطياف أما كتاب شجر الذي يشتبك بشكل مستمر مع السيرة الذاتية فعنوانه »الاطياف« وهو توثيقها عبر التاريخ الشفهي لمجزرة دير ياسين. باختصار الناظر في روايتي الاخيرة رجل، ما الذي يمنع؟! في الرواية السابقة »ناظرتان« إحداهما أنا بشكل مباشر والثانية قرين لي، أشبه بال»كا« في الأساطير المصرية القديمة التي تلازم الشخص كظله منذ الولادة حتى الممات، ولكنها لا تموت معه بل تسكن تمثاله الجنائزي وتضمن بعثه. ليست أنا عليا، ولا أنا كامنة، مجرد قرين يوازي الأنا ويطابقها ويكمل بما يحمله من تفاصيل حكايتها. أضيف: لا علاقة بين الصوت الذكوري والمصداقية، الناظر في روايتي الأخيرة يتمتم مشيرا الى الرافعي، اكبر مؤرخي مصر في القرن العشرين: »قتلتني يا مؤرخ!« إذ صدقه فضاع!. ÷ هل النقد الأدبي في مصر، وسواها من البلدان العربية، ينهض بدوره في متابعة ومواكبة الاعمال الأدبية أما ان هناك ما يعوقه؟ { لا ينهض النقد الادبي بالمتوقع من المهام. المشهد مختلط، مؤسف في الغالب الاعم. أراه على النحو التالي: عدد قليل جدا من النقاد اصحاب الثقة والمرجعية، عدد كبير جدا من »نقاد« يعرضون عشوائيا لما تيسر من النصوص، اقصد هم غير مهمومين بمشروع ثقافي بعينه، او بتتبع ظاهرة بعينها، ثم افراد بلا حصر من الاكاديميين يمارسون النقد من مواقعهم المختلفة في الجامعات العربية، يدرسون الآداب الحديثة، ويشرفون على اطروحات بعضها ممتاز وبعضها بلا معنى او ضرورة، وبعضها شديد الرداءة ولكنها تشترك جميعا في عزلتها الاكاديمية اذ تبقى مستقرة في أمان الله في الادراج او على ارفف مكتبة تمتد لها يد باحث متخصص، وفقط. المشهد النقدي كعموم المشهد في بلادنا يعاني من الاختلاط، اختلاط الحابل بالنابل، ومن استبداد مزدوج، الاستبداد السياسي الذي يغيّب حرية الكلام والحوار والممارسة، واستبداد المؤسسة او »الناقد« بالمرجعية. اعطيك مثلا واحداً في »هوجة« الكاتبة عن الادب النسائي مجّد البعض الكاتبات فكان للتمجيد المتسرع اثر سلبي على الكاتبة، وهاجم البعض او راح يستخف بالكاتبات قالوا: »أدب الاظافر الطويلة!« ولم يعتن احد بالتوقف الجاد امام الانتاج نفسه لتقييمه او اضاءة جديدة او غياب هذا الجديد او فحصه في السياق، اقصد في سياق ما ينتجه كاتب ما في عمر الكاتبة او كاتبة او كاتب من اجيال سابقة، تماما كما حدثت »هوجة أدب المقاومة« وكثر الكلام عن »الكلمة الرصاصة« وقال محمود درويش »انقذونا من هذا الحب القاسي«. الدراسات النقدية بما في ذلك الانتاج النظري في الخارج قطعت اشواطا مدهشة على مدى نصف القرن الاخير. افاد البعض القليل من ذلك، لكننا ايضا عانينا من »رطان« نقدي مستغلق على عموم القراء الذين صار عليهم فك طلاسم الناقد بدلا من ان يجد في الناقد واسطة خير بينه وبين النص الادبي. وملحوظة اخيرة، عندما ظهرت البنيوية وما بعدها هرع الكثيرون لنقل ادواتها ومصطلحاتها وخطواتها، والآن وقد دارت الدائرة وتراجعت الاتجاهات الشكلانية في النقد وتقدمت اتجاهات النقد الثقافي بفروعها الثلاثة، النقد الثقافي الانكليزي، ومدرسة ما بعد الكولونيالية، ومدرسة التاريخية الجديدة لم يلتقط سوى ناقد هنا او هناك ادوات هذه المدارس، لم يسارع احد كما حدث في حالة النقد الشكلاني الى النشر المتفاني لهذه الاتجاهات! تجارب جديدة ÷ ما ابرز الاصوات الادبية، لا سيما الشابة التي لفتت انتباهك في الفترة الراهنة؟ { اخشى من طرح اسماء لفتت انتباهي فيكون هناك من يساويها او يتميز عنها ولم يصادف لي قراءة اعماله او اعمالها. اذكر ان بهاء طاهر حين استقر اخيراً في مصر بعد غربته الطويلة في سويسرا قال لي معاتبا: لماذا لا تهتمون اكثر بالشباب من الكتاب والكاتبات؟ قلت له: يا بهاء »البركة فيك«، حصتي من الاهتمام بالشباب انصرفت كلها في الجامعة. (كنت اعني رعايتي للشباب الباحثين الذين اشرف عليهم، بحكم طبيعة عملي في الجامعة) اعترف بأنني غير ملمة بما يرضيني بإنتاج الشباب وإن قرأت نصوصا جميلة لبعضهم. ولكنني اريد ان اشير الى تجربة استوقفتني في بداية هذا العام في اطار لجنة تحكيم جائزة الدولة التشجيعية في الرواية (كتاب وكاتبات تحت سن الاربعين)، وقد قرأت مع زملائي الروايات المتقدمة. ولما كنت مقررة اللجنة فقد قرأت بعناية كل الروايات المتقدمة (كانت تسع عشرة رواية). اولا استوقفني ان ما يقرب من نصف المتقدمين اطباء (تكرار لحكاية يوسف ادريس في جيله، ومحمد المخزنجي في جيله)، غلب على دهشتي القلق اذ بدا لي اننا نعيش في مجتمع يدفع بالمتفوقين من ابنائه بصرف النظر عن مجال مواهبهم الى دراسات بعينها. في سن السابعة عشرة، إن كنت الاكثر تفوقا تدرس الطب. يذهب الاولاد الى كليات الطب ليكتشفوا بعد سبع سنوات من الدراسة ثم سنوات اخرى للماجستير والدكتوراه الضرورية لممارسة المهنة انهم يريدون ان يكونوا شيئا مختلفا! الملحوظة الثانية لم تكن مقلقة بل مفزعة: تجربة الموت قاسم بين العديد من هذه النصوص. جيل مسكون بالموت، سواء جاءت الكتابة اكثر او اقل تميزا، الموت دائما هناك، في مركز الصورة، وإن تنوعت اشكاله، عنيفة هنا، اقل عنفا هناك، موت في نهاية العمر، او قبل الأوان، او قتل مباغت او وعي به على مدار اليوم وفي اكثر اللحظات حميمية... الخ. من الاربعة الذين وصلت نصوصهم للتصفية النهائية هناك طبيبان في الثلاثينيات من العمر، اما بالنسبة للنصوص فثلاثة منها يحتل الموت فيها مركز الحدث، ونص واحد فقط يفلت من موضوع الموت وإن استبدل به الواقع اليومي لشاب يعيش الغربة والعزلة والاكتئاب. (القاهرة)