سواء أكان النظام السياسي لأي بلد جمهوريا أم ملكيا، ديمقراطيا أم دكتاتوريا، رأسماليا حراً أم اشتراكيا موجهاً، فان معيار التوجه الاقتصادي السليم لأي نظام سياسي، هو ان يسعى بقدر الإمكان لأن يوازن بين حجم ونوعية مستورداته وحجم ونوعية صادراته، بين انتاجه واستهلاكه، وأن يسعى بقدر الامكان، لتحقيق الاكتفاء الذاتي الاقتصادي بشكل لا يضر ببيئة ذلك البلد على مختلف مستوياتها. يغيب هذا المقياس السليم للتوجه الاقتصادي عن ذهن حازم الببلاوي في كتابه الجديد »الاقتصاد العربي في عصر العولمة«، الصادر عن مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في طبعته الاولى، 2003، كما يغيب ايضا عن ذهن الببلاوي وجود عوامل جغرافية اقتصادية اجتماعية ثقافية تساعد على تحقيق فكرة الاكتفاء الذاتي الاقتصادي في كل من الهلال الخصيب »سوريا والعراق ولبنان وفلسطين والأردن« من جهة اولى، وفي مصر وليبيا والسودان واريتريا وجيبوتي والصومال من جهة ثانية، وفي تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا من جهة ثالثة، وفي دول الخليج العربي ومسقط واليمن والسعودية من جهة رابعة. إنها اربع مناطق تشكل اربعة متحدات مكتفية بذاتها اقتصاديا واجتماعيا. فهذه المتحدات الاربعة تتحدى كافة المبررات التي يقدمها الببلاوي للترويج لظاهرة العولمة باعتبارها بنظره المنقذة لتخلف العالم العربي (الامبراطوري القديم) عن »اللحاق بركب التطورات العالمية المستجدة في ثورتها الثالثة، ثورة المعلومات والتكنولوجيا المتطورة، بعد الثورة الثانية (الصناعية) التي كانت اوروبا الغربية مهدا لها، وبعد الثورة الاولى (الزراعية) التي كانت منطقتنا العربية مهدا لها. ضرورة الإصلاح ومن أجل ان تتحدى هذه المتحدات الاربعة نظام العولمة الدولي الجديد، لا بد، طبعا، من إجراء اصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية في كل واحدة من هذه المتحدات الاربعة لتتغلب على كافة المعوقات الراهنة التي تمنع تحقيق التكامل الاقتصادي والتضامن الاجتماعي والتكافل السياسي والتعاون الامني والتنسيق التربوي والثقافي بشكل مدروس تخطط له اربع لجان من كبار خبراء الاقتصاد السياسي في العالم العربي، تنكب على دراسة الواقع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي لكل متحد من هذه المتحدات الاربعة على حدة، وترسم معالم الاصلاح على مستوى هذه المتحدات، متجنبة خلط الاوراق بين مشرق عربي ومغرب عربي وشمال عربي وجنوب عربي، هذا الخلط في الاوراق الذي ادى على مستوى حكام الامبراطوريات العربية القديمة الى أسوأ الكوارث وأفدح الحروب ما زلنا نعاني مستتبعاتها ونتائجها الى وقتنا الحاضر اليوم، في لا وعينا التاريخي وفي ثقافتنا الشعبية. الكيان الكامن ينطلق كتاب الببلاوي من فكرة اساسية وهي انه اذا كان لا يمكن الحديث عن الاقتصاد العربي بوصفه حقيقة اقتصادية مترابطة ومتفاعلة عضويا ككيان اقتصادي متكامل في ظل المعطيات القائمة ومحدودية العلاقات الاقتصادية العربية البينية فإنه لا يمكن في الوقت ذاته إغفال اوجه الشبه وأسباب الترابط بين الاقتصادات العربية، فالقول بأنه لا يوجد اقتصاد عربي ككيان »قائم« لا يمنع من الاعتقاد في إمكان تحقق ذلك في المستقبل، فالاقتصاد العربي في هذه الناحية »كيان كامن«. على ان السؤال ما يلبث ان يطرح نفسه في ظل ظروف العولمة وتلاشي الحدود بين الدول، فهل يصبح التعاون الاقتصادي العربي مع العولمة زيادة لا فائدة منها؟ ام انه على العكس، خطوة على الطريق؟ واذ تتمتع الدول العربية بأهمية استراتيجية عالمية نتيجة لوفرة مصادر الطاقة فيها، وخاصة النفط والغاز، فإنها تعاني شحا شديدا في الموارد المائية، فضلا عن ان مصادر الطاقة من النفط والغاز ناضبة وغير متجددة. فهل تنجح المنطقة العربية في الوصول الى حل ناجح لمشكلة وفرة الطاقة وشح المياه عن طريق الاعتماد في المستقبل على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح؟ لقد أثبتت التجربة التاريخية ان دور الطبيعة الجغرافيا، في التقدم والتنمية يتراجع باستمرار وان العنصر الاكثر فاعلية في التقدم والتنمية هو دور المؤسسات والقيم. فإلى اي حد تتلاءم المؤسسات والقيم السائدة في منطقتنا العربية مع احتياجات العولمة ومتطلباتها الباهظة الثمن عند حكام لا ينظرون إلا الى الوراء والى الماضي، مغفلين التطلع نحو الآتي والمستقبل. الديمقراطية والتعددية السياسية في الفصل الثالث من هذا الكتاب »تطلعات وتحديات امام الاقتصاد العربي« يرى الببلاوي ان تحدي المؤسسات والقيم هو الذي يطرح ضرورة الاصلاح السياسي الشامل كي تستعيد المنطقة قدرتها على المبادرة والتعايش مع العصر. ومن خلال مناقشة مختلف التحديات تبيّن ان توفير الديمقراطية والتعددية السياسية سوف يزيل أهم العقبات امام التعاون الاقتصادي العربي، كما سوف يساعد على حسن استغلال الموارد الاقتصادية المتاحة في العالم العربي بما يؤهل المنطقة للعيش في مرحلة ما بعد النفط. وهذا التغيير المؤسساتي المطلوب، من شأنه ان يحقق المعاصرة للمنطقة، بما يزيد من كفاءتها في الادارة الاقتصادية والاحترام لكرامة الانسان. التعاون الإقليمي أولاً يوضح كتاب الببلاوي ان التجارب بينت ان الاقليمية كانت الطريق الى العالمية، وان العالمية لا تتحقق دفعة واحدة، وانما عبر »موجات اقليمية« وان هناك مصلحة كبرى في دخول العالمية من بوابة الاقليمية. ولكن الببلاوي لا يرسم معالم التعاون الاقليمي المطلوب اولا بين هذه المتحدات الاربعة قبل الولوج الى العالمية، بل يطالب الببلاوي بالانحناء امام العولمة من ابواب كل بلد اقليمي على حدة (!!) وهذا التوجه يتعارض مع افكار العديد من رجالات الاصلاح الاقتصادي الوحدويين العرب والمتواجدين في أروقة الجامعة العربية وقاعاتها من غير مقدرة على التأثير على رؤوس هرميات القرارات العربية التي ما زالت بعيدة عن الاستجابة لتحديات الحاضر والمستقبل في آن، وعاجزة عن وضع سلالم للأولويات المطلوبة. إنهم قادتنا رؤساء وملوكا الذين ما زالوا بعيدين عن تلبية احتياجات وتطلعات شعوبهم، بل يمعنون في نومهم الغافي منذ قرن من الزمن، على الأرائك »المذهبة« بالفساد السياسي والمالي والاداري.