رسم »تقرير التنمية الانسانية العربية 2003« الذي اعلن في العاصمة الاردنية عمان امس، صورة قاتمة عن حالة العالم العربي. لكنه في محاولته دق ناقوس الخطر حول مكامن الخلل والإخفاق والتخلّف، سعى الى طرح بدائل للوضع المتردي والدفع من أجل تحديد سبل إنجاز نهضة عربية في أكثر من ميدان. والتقرير الذي أعدّه برنامج الامم المتحدة الانمائي والصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، في 200 صفحة، يتناول مجموعة من العناوين الرئيسية، ويحدد خمسة اركان لمجتمع المعرفة في البلدان العربية، وهي عبارة عن رؤية استراتيجية، تدعو الى اطلاق حريات الرأي والتعبير والتنظيم مع تنقية الدساتير والقوانين والاجراءات الادارية من كل حَجْر على الحريات، ما يستدعي إنهاء الرقابة الادارية وسطوة أجهزة الامن على إنتاج المعرفة ونشرها وعلى صنوف الابداع كافة. ومن الاركان الخمسة التي يحددها التقرير ايضاً تأسيس نموذج معرفي عربي اصيل منفتح ومستنير من خلال العودة الى صحيح الدين وتحريره من التوظيف المغرض وحفز الاجتهاد، واستعادة المؤسسات الدينية لاستقلالها عن السلطات السياسية وعن الحكومات والدول وعن الحركات الدينية السياسية الراديكالية، والإقرار بالحرية الفكرية وصون حق الاختلاف في العقائد والمذاهب. كما يدعو الى النهوض باللغة العربية وإثراء التنوّع الثقافي داخل الامة والانفتاح على الثقافات الانسانية الاخرى والتفاعل معها عبر حفز التعريب والترجمة الى اللغات الاخرى والاغتراف الذكي من الدوائر الحضارية غير العربية. الإرهاب والحريات يشير التقرير الى انه »بعد الحادي عشر من ايلول 2001، قدمت الحرب على الارهاب مبررا واهيا للسلطة في بعض البلدان العربية للغلو في كبح الحريات«. ويتابع التقرير ان »الحكومات العربية تتذرّع باعتبارات الامن والاستقرار وتتخذ منها مبررا لتخوّفها الدائم من مخاطر الحرية، وتلتمس هذه الحكومات العذر في أنه اذا كانت الدول العريقة في الديموقراطية قد اخذت تتنكّر لحقوق الانسان، فلا ضير من أن تحذو حذوها الدول التي ما زالت تخطو خطواتها الاولى على طرق الاصلاح«. غير ان التقرير يحذر من »النزوع الى المبالغة في تأثير التحديات الاقليمية والعالمية على التنمية العربية، حيث ان هذا الموقف قد يكون اسلوباً للتنصل والاستكانة. فالتذرع بالعوامل الخارجية قد يفضي الى التهاون في واجب التطوير الذاتي العربي«. العراق ويؤكد التقرير ان تحرر الشعب العراقي من الغزو والاحتلال هو الخطوة الاولى لاعادة بناء العراق وتحقيق نهضته المجتمعية. ويشير الى أن العالم العربي يعتبر الحرب على العراق محاولة من جانب القوى الاجنبية لاعادة تشكيل المنطقة العربية لتحقيق اهدافها. وفي مواجهة مخاطر تشكيل المنطقة العربية من الخارج، يطمح التقرير الى حفز رؤية استراتيجية تبلورها النخب العربية عبر عملية ابداع مجتمعي وطنية، تتوخى اعادة تشكيل المنطقة من الداخل، ذلك ان »الاصلاح من الداخل، المتأسس على نقد رصين للذات، هو البديل الصحيح لمواجهة هذه المخاطر«. فلسطين والخطر الإسرائيلي ويدين التقرير اعادة احتلال اسرائيل للاراضي الفلسطينية مخلفة وراءها اهوالا من الخراب المادي والضحايا البشرية والمؤسسية. ويؤكد التقرير ان »مخاطر الاحتلال الاسرائيلي تتخذ ذريعة للإبطاء في الاصلاح السياسي والاقتصادي في البلدان العربية بدعوى المحافظة على الامن القومي لمواجهة العدوان الخارجي الرهيب التسلح. ان حيازة اسرائيل لترسانة ضخمة من اسلحة الدمار الشامل التي لا تخضع للرقابة العالمية او لرادع اقليمي او دولي ، تدفع البلدان العربية الى سباق تسلّح حثيث يستنزف الموارد التي كان من الاولى انفاقها في عملية التنمية«. الفضائيات العربية يذكر التقرير انه اذا »كانت قوات التحالف احرزت نصرا عسكريا في العراق، فان العرب، كما يرى المحللون ربما كسبوا المعركة الاعلامية بفضل الدور الذي قامت به القنوات الاخبارية الفضائية«. ويذهب معدّو التقرير الى ان نوعية التغطية لدى عدد من القنوات الخاصة قد مكّنتها من منافسة أعتى المؤسسات التلفزيونية العالمية في السبق على الخبر والصورة. واستطاعت بعض القنوات مثل »العربية«، و»الجزيرة« و»المنار« و»ابو ظبي« وغيرها ادخال تغييرات جذرية مضمونا واسلوبا على الشاشات العربية من خلال اذاعة برامج الحوار الديموقراطية، مما ادى بالتالي الى بث روح جديدة في محطات التلفاز العربية التي تسيطر عليها الدولة. الا ان التقرير يشير الى انه على الرغم من انتشار الفضائيات، فإن نسبة الاعلام لعدد السكان على المستوى العالمي هو الادنى في البلدان العربية، يضاف الى ذلك ان اكثر من 70 في المئة من قنوات التلفزيون العربية وعددها نحو 120، هي تحت اشراف الدولة. ويخلص الى ان الخطاب الاعلامي في العالم العربي يتميز بصورة عامة بتدخل الحكومات في وسائل الاعلام لاغراض الدعاية السياسية وبشيوع المادة الترفيهية على حساب المهمات والخدمات الاخرى. كما يشير التقرير الى وجود اقل من 18 حاسوبا لكل الف شخص في البلدان العربية مقارنة مع المتوسط العالمي الذي يزيد قليلا عن 78 حاسوباً لكل الف شخص. الكتب على الرغم من ان ثمة 270 مليونا من العرب في 22 دولة، الا ان الكتاب العربي الذي تباع منه خمسة آلاف نسخة فقط، يدخل في باب الكتب الاكثر رواجاً. كما ان الكمية العادية المطبوعة من أي رواية او مجموعة قصصية تتراوح بين ألف وثلاثة آلاف نسخة. لقد انتجت البلدان العربية مجتمعة 5600 كتاب في العام 1991 مقابل 102000 كتاب في اميركا الشمالية، و42000 في اميركا اللاتينية ودول الكاريبي. التعليم .. والتعريب ويحث التقرير الدول العربية على ان تحذو حذو النمور الآسيوية في الاستثمار المبكر المكثف في التربية، مع الحرص في الوقت ذاته على الارتقاء المتسارع بمستوى التعليم، وهو »سر المعجزة الآسيوية«. ويعتبر التقرير ان تعريب التعليم الجامعي لم يعد قضية قومية فحسب، بل غدا واحدا من المستلزمات الاساسية لتنمية القدرات الذهنية والملكات الابداعية لدى الجيل الجديد من العرب، وبلغتهم الاصلية. استيراد التقانة يقول التقرير ان الشركات المتعددة الجنسية احتفظت لنفسها بالعناصر المعرفية الأكثف في عملية الانتاج، ولم تسمح للدول النامية بغير انتاج المكونات ذات المستوى التقني المتدني. وينتقد التقرير سياسات التصنيع العربية التي تقوم على شراء وسائل الانتاج وتدريب القوى العاملة المحلية على اعتبار ان ذلك سيفضي الى نقل التقانة وتوطنيها. وخلافاً للوهم الشائع حول ثراء الدول العربية فإن مجمل الناتج الاقتصادي المحلي والعربي في نهاية القرن العشرين (وهو نحو 604 مليارات دولار) يتعدى بالكاد ناتج دولة اوروبية واحدة مثل اسبانيا (559 مليار دولار). اما الناتج القومي الاجمالي للفرد في قوة العمل فإنه يقل في مجمل البلدان العربية عن نصف مستواه في دولتين ناهضتين في العالم الثالث هما كوريا الجنوبية والارجنتين. ضمور الطبقة الوسطى من النتائج التي يخلص اليها التقرير ان تقلص الطبقة الوسطى العربية يجعل من بناء منظومة المعرفة مهمة اكثر عسرا. وهذه الطبقة آخذة في الضمور تحت وطأة الفقر المتزايد والتوزيع غير العادل للثروة. ويضيف ان تراجع هذه الطبقة يزداد سوءا بفعل تضخّم ظاهرة »البطالة المتعلّمة«. كما أصابت الفورة النفطية عدداً من القيم والحوافز الاجتماعية التي كان يمكن ان تؤازر وتسند الابداع واكتساب ونشر المعرفة. ويحذر التقرير من ظاهرة هجرة الادمغة ويشير الى انه بين عامي 1998 و2000، غادر اكثر من 15 الف طبيب عربي الى اوروبا. استقلال المعرفة عن السياسة يؤكد التقرير ان الانتقال الديموقراطي في الوطن العربي هو من المستلزمات الجوهرية لاستقلال المعرفة. ويوصي بإنتاج المعرفة بمنأى عن الإرغام السياسي. ويشير الى ان السلطات السياسية في المنطقة جهدت في استدراج الاكاديميين والمفكرين واستيعابهم بقصد الانتفاع مما ينتجونه من اعمال لإضفاء الشرعية على النظام السياسي القائم. اللغة العربية يقول التقرير ان اللغة العربية تتمتع بمستويات خارقة من المرونة وثراء المبنى وغنى الامكانات، مما يجعلها قادرة على ادخال العرب عصر المعلوماتية والمعرفة الكثيفة، غير ان اخطارا جسيمة تتهدد اللغة العربية. ويدعو التقرير الى صياغة سياسة متكاملة للمعلومات والاتصال. (»السفير«)