بين حولا ومجزرتها حبل رحمي الاسم والصيت. هو انعكاس الصورة التي رسمتها عصابات »الهاغانا« في عام 1948 تحت عناوين مختلفة، وأسماء متجددة. فحولا هي عنوان المجزرة. والمجزرة سمة التصقت باسم حولا، بتفاصيلها وأدواتها ومرتكبيها. فما أشبه اليوم بأمس من خمسة وخمسين عاماً. تعود الصورة، في بال أبناء حولا، كل عام، وفي كل يوم وساعة أو لحظة لتشيح الصمت عن المجزرة، عن المجازر، وتفتح الجروح التي لم تندمل أو تتخثر، إذ إن الممعن في ارتكابها مع مثيلاتها، أو ما يشبهها، لم يتغير بعدما غير اسمه من (إرهاب) العصابات إلى (إرهاب) الدولة. لا تغيب رواية المجزرة عن أي مناسبة في حولا. هي فاتحة كلام أهلها، وخاتمة عتبهم على الدولة، التي لم »تعنْونْ« للمجزرة الأولى التي ارتكبها العدو الإسرائيلي في جنوب لبنان، ولم تؤرخها. أمس، سقط الطفل علي نادر صبحي ياسين شهيداً، في حولا أيضاً. وكانت المجزرة حاضرة بمعناها وصداها اللذين يذكران أبناء البلدة بغياب »عناية الدولة«. واليوم، يحضّر جيل ما بعد المجزرة، أو ما بعد المجزرة بجيلين. غير أن حسين محمد ظاهر رزق »أبو فهد« (80 عاماً) الناجي الوحيد من المجزرة، ملّ الحديث على المجزرة، وله أسبابه في ذلك، »إذ إن الدولة من 55 سنة حتى اليوم، »لم تسألنا عما جرى في بلدتنا. نحكي بعضنا عن المجزرة للبعض الآخر. ولم تسألنا الدولة عن هذه المجزرة حتى نحكي لها تفصيل ما جرى في ذلك اليوم المشؤوم!«. ويقول أبو فهد: »حكيت تفاصيل المجزرة حتى غدت رواية، وكل الناس صارت حافظتها، وستظل حديث الناس حتى تفنى الدنيا. لو أن هناك دولة تحفظ للجنوبيين نضالهم، كان يجب أن أحصل على راتب منها طول عمري. الحمد لله لم نر منها شيئاً، حتى انها لم تطببني يوم أصبت ونجوت، أخذوني إلى الطبيب سعد الله الخليل في صور، شلّي (انتزع) الرصاصة من يدي وقال: »خذها لسيدك أحمد بيك (الأسعد). لكن الرصاصة ضاعت ولم يحصل عليها أحمد بك، ربما احتفظ بها الطبيب للذكرى، كانت مثل البلوطة«. الأمس واليوم »ثمة تشابه في الصورة والعنوان بين اليوم والأمس، أو توأمة في التفاصيل«، بحسب عبد الله فوعاني، (أبو خالد) من حولا، الذي يرى »كأننا اليوم نحارب أميركا، لكن، في السابق كان »الروس« يساعدوننا ويقفون إلى جانبنا، إنما اليوم بقينا لوحدنا، أين الروس؟ وأين بيانات التنديد العربية؟ كنت صغيراً، والعرب »قالوا: طلع جيش الإنقاذ حتى يهاجم فلسطين ويحررها من اليهود، جاء جيش الإنقاذ وفعل فعله«، ثم أُمر بالانسحاب، غُرِّرَ بنا وقيل أن هناك عملية تبديل، وعندما دخل »اليهود« إلى حولا ظنت الناس أنهم جيش الإنقاذ، وهيأوا الموائد والطعام لاستقبالهم، وكانت المجزرة!«. »لولا الحديث المتواصل لأهلي عن ذكريات المجزرة لكنت اليوم لا أعرف ما جرى. أنا وصغيرة أعرف بالمجزرة«، تقول الصبية عبير عبود. »ولا بد من إحياء ذكرى سنوية ومهرجانات لمناسبة المجزرة. رسمت بلدية حولا صورة المجزرة بنصب أقامته لشهداء البلدة، عند مقبرتهم. وهو لكل شهدائها الذين سقطوا منذ عام 1948، حتى التحرير، ولا سيما أولئك الذين ما زالت قوات الاحتلال الإسرائيلي تحتفظ بجثثهم. وتمثال حولا الذي يجمع بين الريشة وثقافة التحدي يعتصر صخرة كبيرة من وحي اسم البلدة باللغة السريانية »الصخرة القاسية«، ويعانق مدخل المقبرة الجماعية التي تضم رفات نحو ثمانين من شهدائها صفّتهم »الهاغانا« بعد تسللها إلى البلدة فجر ذلك اليوم. فضل غنوي 11 عاماً يذكر »أن العدو هاجم حولا فجر 31/10/1948، بقيادة السفاح مناحيم بيغن وقام باعتقال جميع من صادفه في طريقه، رجالاً ونساءً، ثم قام بإطلاق سراح النسوة بعد إعدام الرجال والمسنين بتدمير المنازل التي جمعهم فيها، فوق رؤوسهم أو رميهم بالرصاص. وقد بلغوا أكثر من ستين شهيداً دفنوا في قبور جماعية حيث قتلوا، ثم نقلت جثثهم إلى مقبرة خصوا بها يطلق عليها اسم »الشهداء«. وتسببت المجزرة بنزوح معظم الأهالي في اتجاه بيروت حيث أقامت لهم الدولة بيوتاً من صفيح في مخيم ضبيه مكثوا فيها نحو ستة أشهر، ثم عادوا إلى حولا، بعد فترة من توقيع اتفاق الهدنة بين لبنان وإسرائيل في عام 1949. إذ تمكنت أمطار نيسان، في أيامه الأولى، من حبس العجزة والمسنين من أبناء القرى الحدودية في بيوتهم ودكاكينهم، غير أنها لم تستطع حبس أنفاسهم اللاهثة قلقاً على فلسطين فتسمروا أمام شاشات التلفزة أو الراديو يصغون إلى (آخر الأخبار) ويتحاورون ويتناقشون، والعبارة واحدة على ألسنتهم: ((ما أشبه اليوم بالأمس)). لكن الفارق هذه المرة أنهم يتابعون الحدث لحظة بلحظة عبر الفضائيات وليس تواتراً عبر ألسنة القادمين هرباً من نير التنكيل، الحالمين بما يدعم عودتهم، وظلوا ينتظرون. يروي رزق بعض تفاصيل المجزرة، ليقارن بينها وبين بعض ما يجري في فلسطين اليوم، فيقول: ((في ذلك اليوم المشؤوم، ظننت مع كثرة من أبناء البلدة أن الداخلين إلى بلدتنا من شمالها هم من ((جيش الإنقاذ)) الذي خلف في عصابات ((الهاغاناه)) خسائر فادحة قرب ((العبّاد)). ولأننا كنا ننتظرهم بفارغ الصبر، خصوصاً ان البلدة كانت تعيش عز انتصارها للقضية الفلسطينية وتدرك خطر التوسع الصهويني. ركضنا صوبهم، فعدنا أمامهم والبنادق في ظهورنا، ليجمعونا بعدها في الساحة وقرب »البركة« وقسمونا فرقاً ثلاث. أنا ورفاقي أخذونا إلى بيت فارس حسين مصطفى، بعد نحو عشر دقائق أتى أحدهم وقال: »ديروا وجوهكم صوب الحيط، ورشنا. كنا 18 شاباً، أصبت في فخذي ثم بيدي ووقعت مع الجميع على الأرض. بعدما ذهبوا فتحت عيني ولم أر غير الظلمة. بعد قليل طبقت الأوضة (الغرفة) علينا، فجروها ونزل علي جسر خشبي، ولما استفقت وجدت، إلى جانبي، محمد الشيخ عبد سليمان، ساعدني وساعدته، كان هو الآخر مصاباً، وبصعوبة كبيرة استطعنا الهروب من الرصاص الذي أطلق علينا في أكثر من مكان، حتى وصلنا إلى خراج البلدة، ومنه نقلنا إلى المستشفى حيث استشهد زميلي متأثراً بجراحه، وعلمت أن الإسرائيليين قتلوا نحو سبعين مواطناً«. البارودة الإنكليزية وعاشت بلدة كفركلا مثل جاراتها الجنوبية والفلسطينية نكبة ال48 ومجازرها وشهدت نزوح الفلسطينيين ومأساتهم. وبرغم معاناة البلدة أكثر من ربع قرن من الاحتلال وما تعرضت له قبلها من اعتداءات كانت ثمناً لمقاومتها، يعيش أهلها اليوم اللحظات عينها، في قلقهم على فلسطين وعلى أبناء فلسطين. يقول الحاج علي حسن شيت (أبو أكرم): »إسرائيل تبيد اليوم الشعب الفلسطيني بإيعاز أميركي، والعرب لا يريدون التصدي تحت عنوان أنهم لا يقدرون على إسرائيل. في السابق قالوا إن الاتحاد السوفياتي لم يعطهم السلاح الكافي. (طيب) الآن يملكون السلاح والترسانات وأين هم من واجبهم تجاه فلسطين؟«. في المناطق الجنوبية الحدودية تصدى المقاتلون في عام 48 »بالبارودة الإنكليزية أم خمس ضروبة (طلقات)« وصمدنا. اليوم، يضيف أبو أكرم، يسجل الفلسطيني ملحمة الصمود الحقيقية، ولا خيار أمامه غير التصدي. في ساحة الطيبة يجتمع عدد من المسنين، توحد فلسطين همومهم ويقول أحدهم، الحاج أحمد حرب: »الإرهاب اللي صار ب48 عم يصير اليوم، بس الاسم تغير«. »في 48 هبطوا علينا في الطيبة« ودمروا عدداً من منازلها، ولا ننسى ماذا فعلوا في حولا، سبعون إنساناً جمعوهم و»رشوهم«، رعبونا وكنا لا نملك غير اليسير من السلاح، والعرب »بعدهم هم هم« مؤتمرات وقرارات (وبس)، ضيّعوا فلسطين واليوم يتخلون عن شعبها«. ويشير الحاج أحمد قدوح الذي فقد نظره في أحداث العام 1958: في العام 48 كان عمري 12 سنة. نزحنا عن البلدة في الليلة التي فجروا فيها منزل أحمد الأسعد، تهجرت البلدة بأكملها نحو دير سريان، »لطينا بكروم الزيتون« وظهر اليوم التالي دخلت فرقة مؤلفة من دراجة وسيارة جيب وملالتين وشاحنة فيها جنود وبدأوا يعيثون فساداً. جمعوا خمس بنادق إنكليزية من البلدة، وألزموا من لا يملك بندقية دفع نصف ليرة فلسطينية، وتولى »بعض أزلامهم« جمعها وتسليمها لهم. تتعاقب الجمل من هنا وهناك، فمنهم من يغوص في ذكريات والده وجماعة من أبناء القرى الذين ذهبوا للتدرب على السلاح، ودخلوا فلسطين عبر الحدود التي كانت شبه مفتوحة، وقاتلوا إلى جانب الفلسطينيين، من دون (قرار رسمي) ومنهم من يسرد حكايات بعض العمليات »الشجاعة«. وبعضهم يتناول أسماء عدد من الذين »لعبوا بذيلهم« لمساعدة الإسرائيليين في مقابل أثمان »بخسة« وتتضارب الأحاديث وتتداخل وتبقى فلسطين الحكاية.