حين كتب سعد الله ونوس مسرحيته »حفلة سمر« كان يهجس بعمل فني ينتهي إلى مظاهرة، مؤمناً بأن الفن يحوّل الوعي، وأن الوعي الذي أُحسِنَ تحويله يحوّل الواقع ويعطيه صياغة جديدة. بعد ثلاثين عاماً، وفي مسرحيته »الأيام المخمورة«، تأمل ونوس أحلامه الضائعة، بحث عن الحدود الفاصلة بين الوهم والحقيقة، محاولاً مراجعة فكرية معمّقة. بين المسرحيتين تعاقبت أحداث كثيرة اختبرت ما بدا صواباً ذات يوم. وفي الزمن الفاصل بين صعود »الصواب« وسقوطه، انتقل ونوس من شكل فني إلى آخر، ومن تصورات لا يعوزها اليقين إلى أخرى مسكونة بالتشاؤم والقلق. كأن الفنان، في أقل من ثلاثين عاماً، هجر التفاؤل والتحريض واليقين، وانفتح على تشاؤم واسع »يبشّر« بالكارثة. ينتمي زكريا تامر إلى جيل من المثقفين الوطنيين اطمأن إلى انتصار الصواب، وانتظر مستقبلاً ينصر الفضيلة، إلى أن جاءت هزيمة حزيران وهدمت الطمأنينة المفترضة، مرسلة بحامل الأحلام الخائبة إلى رحلة بحث مضنية. كان عليه وهو يعاين هزيمة ولوداً، أن ينقلب من رؤية إلى أخرى أقل تفاؤلاً، إلى أن استقر في يقين اليأس، إذ الماضي الكئيب قائم في حاضر أشد كآبة، وإذ الحاضر سديم غادرته الأشكال. ولن يكون الشكل القصصي، في وعي يرى إلى الكارثة، إلا أثراً للمعنى الهارب، كما لو كان في انحطام المعنى ما يضيّق على الشكل ويخنقه، ذلك أن العالم المعيش الذي فقد ملامحه يزهد بالشكل ويزهد أكثر بفنان مغترب يبحث عن الأشكال. لهذا يتكشّف الوعي الأسيان، في قصة تامر، في معيش يومي بلا ملامح، أو في وجود بليد بلا صفات، غادره التناقض وارتاح إلى ركود يتاخم الموت، فالوجوه كلها اُخْتُزلت إلى وجه واحد ما هو بالوجه، والحركة مفقودة في سكون متثائب يعلن عن التفكك، ولا ضرورة للمكان بعد أن حمل الزمن متاعه ورحل. عالم من التجانس والمجانسة الواسعة، فقد الإنسان فيه جوهره واحتفظ ب»اسم طريف« يدّل على الخواء. هجس زكريا تامر في »ربيع في الرماد« بمدينة سويّة، تأتي ولا تأتي، وتظل في احتمالها القلق وعداً، ينتظره الحالمون ب»مدينة عادلة«. غير أنه ما لبث أن تخفّف من الوعود البسيطة ووصل إلى ضفاف الوعيد، الذي يئد المأمول المحتمل ويستنبت ظلماً له حرّاس لا ينامون. وإذا كان في »النمور في اليوم العاشر« قد كتب عن بشر ينزفون، بلا انقطاع، أرواحهم، فإن عمله الأخير »تكسير ركب« يتأمل محزوناً أرواحاً ميتة. يساوي الإنسان المقموع مسار الأسى المتنامي فيه، منتظراً موتاً بلا كرامة، فهو نسي معنى الكرامة في طور، وأدمن على اعتناق المهانة في طور لاحق. وعلى الرغم من اختلاف أقاليم الأحزان، الفاصلة بين زكريا تامر وسعد الله ونوس، فإن تقاسم الأسى مشترك في مساريهما، حيث الأسى رؤية فدليل درب موحش فحاكم زاجر يحدّد الخطأ ويقيس المسافات. حين كان زكريا يسخر من السخرية العادية في »النمور في اليوم العاشر«، كان سعد الله في طور عزلته يسائل الصواب ويخاصم اليقين، وحين كان تامر يجمع الأزمنة المختلفة في زمن السلطة الطاغية المتجددة في »نداء نوح«، كان سعد الله يقرأ سلطة الخراب في »منمنمات تاريخية« (1994). كان في أعمال هذين المبدعين سيرة ذاتية مضمرة، متشحة بالسواد، وسيرة زمن عربي منفتح على موته، وكان فيها تراجيديا الكتابة المبدعة، التي تصرّح بالحقيقة ويزجرها صمت محصّن بالانحطاط. الحاضر والماضي كل فن حقيقي ينشغل بالحاضر ويجعل من الحاضر المعطوب مجازاً لكل الأزمنة. انشغل زكريا، كما سعد الله، بحاضر يجتاحه عطبه، وبمعيش يجعل من العيش عبئاً ثقيلاً. ولم تكن بقايا المعيش العربي إلا ترجمة لسلطات سياسية متعالية، اختصاصها الجوهري تنظيم الإذلال، كما لو كانت السلطة استطاعة عجيبة قاتلة، تقمع في الإنسان خلقه الأول، القائل بالبراءة والعدالة والصواب، وترده من طبيعة أولى إلى طبيعة ثانية طافحة بالتشوه والقبح والاعتلال. ولعل هذه الاستطاعات العجيبة، التي تختصر تاريخ المجتمع المهزوم إلى تاريخ التسلط المنتصر، هي التي أملت على زكريا وونوس أن ينطلقا من زمن السلطة وأن يختصرا الأزمنة السلطوية العربية، في الماضي والحاضر معاً، إلى زمن سلطوي جوهري، يتأمله الفن ويرى إلى بدايته ومآله ويندد به تنديداً لا مزيد عليه. ولهذا ذهب سعد إلى ماضٍ ما هو بالماضي في معظم مسرحياته، واستولد زكريا »عنترة النفطي«، وأرسل به إلى عواصم باذخة، حيث لندن هي أرض »الوغى« الجديدة، التي ينشغل فيها »عنترة« بالسمسرة والشراب والعمولات. ليس غريباً في تصور فني، يشتق السلطات العربية من سلطة طاغية لا زمن لها، أن يكون للتاريخ العربي القديم، في مجموعة زكريا تامر »نداء نوح«، على سبيل المثال، حضور واسع، كأن نقرأ العناوين التالية: »عبد الله بن المقفع الثالث، عنترة النفطي، نبوءة كافور الأخشيدي، يحكى عن عباس بن فرناس، شهريار وشهرزاد، يوم غضب جنكيز خان، حكايات جحا الدمشقي...«. يأخذ الرجوع إلى التاريخ البعيد دلالات متعددة: فهو تنويع للمادة الكتابية وتوسيع لزمن راهن راكد متجانس بأزمنة بعيدة، تشبهه أو يشبهها، وتوطيد لهجاء السلطة وسخرية من التاريخ الذي تنتسب إليه، كما لو كان حاضر السلطة آية على الماضي الذي انتهى إليها، أو آية أخرى تهين الماضي البعيد وتزري به. في العودة إلى الماضي بحث عن دلالة الحاضر في زمن غابر أكثر وضوحاً، واحتجاج على حاضر ينصر المشوّه والمرذول ويعاقب السويّ الفاضل. يدفع توطيد هجاء الاستبداد الجوهري »تامر« إلى خلط الأزمنة المستبدة، إعلاناً عن نقد ساخر يضع »السلطان« في زمن الثورة المعلوماتية و»وزير الدفاع« في زمن سلطة غابرة، كأن »جنكيز خان« موزع على زمن الخلفاء والأنظمة الجمهورية. وزكريا في ما يفعل قريب القرب كله من تصوّر »ونوس«، الذي اشتق في »الملك هو الملك« معنى السلطان من بنية السلطة، التي تعيد صياغة الحكام وتنتجهم وجوهاً متناظرة، على مبعدة عن أصولهم وأقوالهم. فكل حاكم ينتهي إلى سلطان، وكل سلطان معجب بمشيئته المفردة، التي تحوّل المتعدد والمتنوّع إلى فراغ لا قوام له: »أصدر السلطان أمره إلى الليل بالمجيء، فأتى الليل مرصّع السواد بالنجوم المرتعشة ذعراً. تثاءب السلطان، فتثاءب شعبه، ونام فوراً«. ربما تكون هذه الكلمات، من قصة »من الألف إلى الياء«، تعبيراً عن المعنى الذي يذهب إليه زكريا من دروب مختلفة. لا وجود لشعب إلا بسلطان يستبدّ به، ولا وجود لسلطان إلا بشعب مقموع يبرهن عن وجود السلطان. كأن القمع من طبيعة الوجود، إن تخفّف ورحل بدا الوجود من دونه فاسداً. والجدل بين الطرفين طريف وشديد الطرافة، فالمستبد لا يغادر قصره ولا يثق بأحد، والمستبَدّ به يرى القصر ولا يثق بأحد أيضاً، والفرق بين الطرفين هو الحاشية، التي تمجد القامع وتلعن المقموع. في الإحالة على ماضٍ بعيد، عرف هارون الرشيد وعبد الله بن المقفع والتتار، إضاءة للحاضر والتماس للوضوح، فأوضح الظواهر المستبدة الغابرة منها، ومخادعة لرقابة السلطة وسلطة الرقابة. تفصح الإحالة عن »بلاغة المقموعين«، التي تواجه السلطة القامعة ب»المقاومة اللغوية« والرقابة السلطوية بالمخادعة الفنية، متوسلة أشكالاً فنية تردّ على واقع غادرته الأشكال. كأن يأتي الحديث على لسان الحيوان أو أن يكون الحيوان حاكماً من نوع خاص، فكل الحكام سلاطين وكل السلاطين يتناسخون تباعاً في كيان لا يحتاج إلى اسم. يقول الوزير في قصة زكريا: »عبد الله بن المقفع الثالث«: »ما هو عمل الحاكم الصالح؟ أليس عمله التفكير بدلاً من الناس الذين يحكمهم؟ إذا تعود الناس التفكير وحدهم، فلن يحتاجوا إلى حكامهم«. تلغي السلطة القامعة المتواترة معنى الزمن، فهي الزمن الوحيد وما خارجها غبار. كأن السلطة تُشَخْصن الزمن وتلغيه، إن لم تكن شخصنتها له قوامها وقوام إلغائه. لهذا يكون »عبد الله بن المقفع« قائماً في زمنه وفي كل الأزمنة، ما دام قوله راهناً، يجدّده أدباء يعيشون زمنه وهم يعيشون زمن الحاكم الزمن. يرد »ابن المقفع« على الوزير بقول مغاير: »الإنسان الذي لا يفكر أقل منزلة من الحيوان«. تتغيّر الأسماء ولا يتغير الزمن، ما دام الأديب يكرّر قوله العاجز وقاتل الأديب يستأنف الأقنعة القديمة. البلدة الظالمة يميّز الكواكبي في كتابه الشهير بين الاستبداد و»دوام الاستبداد«، منتهياً إلى مبادئ المقاومة وأصول الخضوع. فالإنسان يقاوم الاستبداد بخبرة عاشها في زمن غير مستبد، والإنسان ينقاد إلى الاستبداد ويرى فيه طبيعة سويّة إنْ عاش استبداداً طويلاً، أنساه معنى نقائضه. عندها يصبح الإنسان، الذي »أناب حاكمه عنه في التفكير« حيواناً، كما قال تامر على لسان »ابن المقفع«، أو العكس. ولعل هذا »التحوين«، بلغة قلقة، هو الذي يضع قصصاً كثيرة عن الحيوان في قصة زكريا، تكشف عن معنى الطغيان وتندد به. وقد يرفع القاص السوري الهجاء إلى ذروته حين يجعل في قصته »آخر المرافئ« من »الحمار« مرجعاً نجيباً للإنسان، يعلّمه معنى الحرية والمساواة والعدالة. يضع زكريا، وهو يستأنس بكتاب »كليلة ودمنة«، الزمن العربي كله في زمن »أبي جعفر المنصور«، ويضع »ابن المقفع« في الأزمنة السلطوية الحاضرة والغابرة. يتكشف »الهجاء السياسي« أدباً مقاوماً و»وثيقة صحيحة« تتأمل التاريخ ساخرة، تستدعيه وتؤوّله وترفضه بصرخة عالية، يخالطها النشيج. في كل نص أدبي إبداعي بلدة ظالمة، دمّرت القيم واحتفت بالرذيلة، ومدينة فاضلة منشودة لا يحتاج أهلها إلى الحكام. يكتب زكريا تامر عن أحوال القيم في قصته »آخر المرافئ«: »والصدق مفقود محتقر، والكذب مبجّل، والدعي يحتل كرسي الأصيل، والأصيل منبوذ مهان تطارده الكلاب، ودماء الأبرياء تسفك كل صباح ولا منتقم لها، والأخ يقتل أخاه إذا كان سيفوز بفردة حذاء، والفاسد له الصدارة والتمجيد، والصالح يعامل كأنه قاتل أمه، والصديق وقت الضيق لا وجود له إلا في الحكايات الكاذبة..«. يرى تامر المأساة في انحلال الطبيعة الإنسانية، ويرى الكوميديا السوداء في تبجيل الانحلال وتعظيمه، ف»شر البليّة ما يضحك«، وشر الضحك ما يصفق ل»البليّة«، حال الأب الذي يقطع لسان ابنه، كي يضمن له »حياته«، وحال »هارون الرشيد« الذي طالب كبير حجّابه ب»إعدام الموت«، و»الجنين« الذي يطلب من أمه أن تطلق أباه الفقير... عالم هجره المعقول وأصبح فيه اللامعقول مرجعاً، منذ أن هجس السلطان ب»اعتقال الليل« و»إعدام الموت« و»التحقيق مع الخيول«... يرثي زكريا تامر عالماً عربياً الصمت فضيلته الوحيدة، ملتمساً مقولات فنية تعيد بناء المعيش وتفضح دلالته، تتضمن المبالغة المحددة والكابوس والضحك الأسود منتهياً، لزوماً، إلى مجاز الرعب، أي إلى: الفانتازيا. والفانتازيا هي التعبير الفني عن عالم متداع جاوز تداعيه حدود العقل، والسخرية من عالم قاس يشل في الإنسان الأحكام والمعايير التي تعود عليها، ومرآة عن الخوف الذي يحاول الخائف السيطرة عليه بأدوات ترتعد خوفاً. تكشف الفانتازيا، بهذا المعنى، عن الرعب والانحطاط معاً، أو عن الانحطاط المرعب، الذي يوحد بين الأرواح الميتة وحفاري القبور، الذين يهيلون التراب على الحدائق لا على القبور. إنه التجريد الفني في واقع له شكل الكابوس، أي واقع الحلم المقلوب، الذي يفرض صوراً وأشكالاً ولغة خاصة به.