فتحت جريدة »النهار« صفحة (قضايا النهار) لمثقفين لبنانيين لإبداء رأيهم في مشروع التغيير في سوريا، وقد ساهم عدد منهم في عدة أعداد وعرضوا وجهات نظرهم تجاه هذا المشروع الذي تناوله قبل ذلك سياسيون وكتاب ومثقفون وصحافيون من داخل سوريا وخارجها خلال الأشهر الماضية وأخذ حيزا كبيرا من اهتمامات هؤلاء جميعا واهتمامات الصحف ووسائل الإعلام العربية، فضلا عن الاحزاب والتيارات السياسية السورية وغير السورية، وما زال قيد التداول حتى الآن. لا شك أن مساهمات المثقفين اللبنانيين التي نشرت في »النهار« كانت غنية ومتنوعة طاولت جوانب متعددة من واقع المجتمع وسياسات النظام السياسي والسلطة في سوريا وتناولت مما تناولت إمكانية الاصلاح في نظام شمولي، وتأثير ما يجري في سوريا على الاصلاح اللبناني، ودور الخارج والداخل في هذا الاصلاح الموعود ومدى تأثير كل منهما عليه، ومن يتولى مهمة هذا الاصلاح، وعديدا من الأفكار والآراء التي تصلح منطلقات لحوار ومناقشات تشكل أساسا لدراسة واقع مشروع التطوير والاصلاح في سوريا وآفاقه المقبلة والنتائج المترتبة على ذلك لبنانيا. يلاحظ من خلال ما كتبه المثقفون اللبنانيون ان الحراك السياسي داخل المجتمع السوري وواقع الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية فيه وظروف وشروط تطورها غير واضحة لبعضهم بصورة جلية، وأكاد أقول ان بعضهم يجهل كثيرا من جوانب الواقع السوري ولا يلم به الإلمام الكافي الذي يؤهله لكثير من الاستنتاجات التي وصل إليها، وأعلم في الوقت نفسه أن المثقفين السوريين يجهلون الى حد بعيد ظروف الواقع اللبناني، ولا يرون منه الا بعض الجوانب السطحية أحيانا والثانوية أحيانا أخرى، ولكلك فإن قسما كبيرا من استنتاجاتهم عن لبنان يأتي غالبا متعجلا بدون حذر وسطحيا بدون عمق، وهكذا يصح الزعم ان المثقفين السوريين واللبنانيين يعرفون (القليل القليل) عن مجريات الأمور كل في بلد الآخر (كما أشار فواز طرابلسي وبول الأشقر في مداخلتيهما) ويبدو أن بعض الجهل وربما التجاهل وقلة الاهتمام بشأن الآخر حقائق يصعب إنكارها، وإن صح هذا الافتراض او الزعم المتعلق بحال المثقفين اللبنانيين والسوريين فإنما يصلح اعتباره مؤشرا على قلة معرفة المثقفين العرب بشؤون البلدان العربية خارج أقطارهم. يلاحظ أن بعضا من حديث المثقفين اللبنانيين يشبه حديث خبير أجنبي تفصله غلالة عن رؤية الواقع السوري فيناقش هذا الواقع من خلال معايير أكاديمية لا تستوعب تعقيدات الواقع المتحرك والغني والمتداخل، ورغم أن الفئات السياسية والاجتماعية والاقتصادية جميعها في لبنان وسوريا فضلا عن المثقفين من الفئات الموالية والمعارضة بل والأشد معارضة تؤكد كل يوم على المصالح المشتركة للبلدين ومصيرهما المشترك وضرورة التعاون والتكامل بينهما، سواء كان ذلك بكلمات عاطفية (أشقاء، شعب واحد في بلدين، سوا ربينا) أم بعبارات وشعارات سياسية واقتصادية (المصير، المصالح، التكامل الاقتصادي والتجاري... الخ) رغم هذه التأكيدات، نكتشف ان أحدنا لا يعرف الآخر كما يجب أن يعرفه: لا يعرف واقعه وهمومه واهتماماته وبنية مجتمعه وتركيبته الاقتصادية والسياسية، والقوى الموجودة في هذا المجتمع وصراعاتها وتقاربها وتباعدها، بل ربما لا يعرف تاريخ الآخر والقضايا الأساسية التي تشكل هاجسا له، وفي هذا المجال أتساءل كم من الكتّاب او المثقفين اللبنانيين دون الخمسين من العمر يعرفون واقع الأحزاب السورية الموالية والمعارضة وتاريخها وقادتها التاريخيين والحاليين، او يعرفون الواقع الاقتصادي السوري وصعوباته ومصادر قوته وضعفه بل وحتى إحصاءاته القومية، فضلا عن التيارات الثقافية والسياسية القائمة والواعدة وغيرها، وكم من المثقفين او الكتاب السوريين يعرفون الواقع اللبناني السياسي والطائفي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي وغيره، وهموم اللبنانيين واهتماماتهم، وهو ما يجب ان يتحقق ما دام السوريون واللبنانيون شعبا واحدا في بلدين يشتركان بمصالح واحدة ومصير مشترك كما يؤكد الجميع. لقد تحكمت أجهزة الأمن السورية وأصحاب المصالح الذاتية والأجهزة الاعلامية والبيروقراطية من جهة، وبعض السياسيين اللبنانيين (حيث قسم منهم من ذوي المصالح الذاتية) من جهة أخرى بالعلاقة السورية اللبنانية شكلا وموضوعا خلال العقود الثلاثة الأخيرة في الغالب الأعم، اما مؤسسات المجتمعين السوري واللبناني وأحزابهما ولجانهما الاهلية وقواهما الحية وتياراتهما الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومؤسسات المجتمع المدني الاخرى في كل منهما فقد بقيت جميعها تقريبا حيادية او محيدة بعيدة عن التواصل أو نادرة التواصل بعضها مع البعض الآخر، وفي الوقت نفسه واستطرادا بقيت العلاقة الفعلية بين البلدين سطحية (ومحصورة بين الذين هم فوق فقط) غير شاملة جوانب حياة الناس ومؤسساتهم الحية جميعها، ولا تتناسب بكل الأحوال مع الضرورة ولا حتى مع الواقع المعاش. لقد بقيت العلاقات أسيرة الحكومتين وأجهزتهما الأمنية والاعلامية والبيروقراطية وهيمنة مصالح بعض السياسيين مما جعلها رخوة وسطحية وهشة وعديمة الجدوى في الغالب الأعم. لعل ما كتبه المثقفون اللبنانيون أوحى للقارئ السوري بجانب منه عدم معرفتهم العميقة بالواقع السوري وشروط الاصلاح المرتقب او محاولات (التطوير والتحديث) التي يتحدث الجميع عنها، وشكك في تعمقهم بفهم مطالب الخارج وضغوطه وتأثيراتها على مشاريع التطوير السورية، او معرفتهم العميقة والشاملة لبنية الدولة السورية ومدى استكمالها شروط الحداثة او دور كل من الشرطين الموضوعي والذاتي في التطور السوري، حتى أن بعضهم قارن بين تسلم الاتحاد الاشتراكي المغربي بزعامة اليوسفي مرحلة المصالحة في المغرب واقترح تسلم رياض الترك هذه المرحلة في سوريا، والبعض الآخر قارن بين الحال السوري القائم وحال إسبانيا بعد فرانكو، ومن المعلوم ان ظروف التطور وشروطه مختلفة جديا في الحالتين، وتكاد نقاط اللقاء بينهما تكون معدومة. أما معرفة المثقفين السوريين والمهتمين بالشأن العام بالواقع اللبناني فهي أكثر تواضعا بكثير من معرفة أشقائهم اللبنانيين بواقعهم، ويبدو لي إن كان هناك اختلاف باطلاع أي من الجانبين على قضايا الآخر فإنه اختلاف بالدرجة لا بالنوع، فالجميع يحتاجون لكثير منها. على أية حال، ما أردت مناقشة الآراء التي ذكرت وإنما هدفت الى الاشارة الى الجهل المتبادل لدى الجهات المعنية بظروف البلد الآخر، مما يؤكد أن العلاقة بين البلدين ما زالت هشة رغم كل الظروف التي تفرض أن تكون غير ذلك، وما زالت رهينة أشخاص او فئات او مؤسسات او أجهزة غير معنية جديا بتطويرها، وما دام الأمر كذلك، فأخشى ما يخشاه المراقب أن تكون سيرورة هذه العلاقات تتجه نحو القطيعة والابتعاد بدلا من أن تتعمق وتشكل أساسا صلبا لمستقبل أفضل لكل من البلدين. (*) كاتب سوري.